أدوات الاتصال باعتبارها مادة روائية

سيد الوكيل يؤكد أن كثيرا من أدوات ومدخلات الإنترنت، أصبحت موضوعا لكثير من الروايات المتداولة بين الشباب.


بديعة الراضي ترى أن منصات التواصل الاجتماعي تعتمد منطق السرعة، وربما التسرُّع في تفاعلها مع الأحداث والوقائع


حسين تروش يشير إلى أن الروائيين العرب لم يتخلفوا عن كتابة التيمات التقنية وتأثيراتها على واقعهم المعيش


سمير مندي: ليس التمثيل الذاتي في الفضاء الإلكتروني سردا ذاتيا بالمعنى الذي نعرفه

يلاحظ الكاتب أشرف الخريبي أن أدوات الاتصال في الفن عموما، تشكَّلت كتعبير عن واقع معيش، وليس الإنسان بمعزل عنه، إذ يرتبط الفن الروائي بالنزوع نحو التجارب الجديدة، والتجريب في الشكل والموضوع، متأثر بالواقع الاجتماعي، بل ينحاز له، وبخاصة إذا كانت التجربة هي حياة يومية يمارسها الإنسان وتضغط على كل الوقائع المحيطة بعالمه، وتخلق بوجودها حالة فريدة ورائدة في الخلق الفني.
ويؤكد الخريبي - في الجلسة التي رأسها الكاتب الكبير إبراهيم عبدالمجيد ضمن جلسات ملتقى القاهرة الدولي للإبداع الروائي الذي نظمه المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة خلال الفترة 20 – 24 أبريل/نيسان 2019 – أن الرواية كنشاط فكري وفني، وثيق الصلة بالظرف التاريخي، وعلى ذلك تصبح أدوات الاتصال هي المادة التي تؤطر للبناء الروائي، تخلق بذاتها عالما من الدوائر البنائية التي تحمل طيات السرد نحو آفاق مغايرة، بفضل ثورة التكنولوجيا التي اجتاحت العالم، فتحولت وسائل الاتصال (الاتصال عن بعد، وسائل التواصل الاجتماعي: فيسبوك، وتويتر، واتساب، فيبر، سكايب، تانجو، ماجيك آب) وغيرها من أدوات الاتصال، إلى مادة روائية من بين عناصر البناء الروائي، تشكل بوجودها منفردة أو مرتبطة بسياقها، هذا الهاجس والدافع لتنوع معطيات الرواية، هذا التحول الذي أحدث وابتكر مادة جديدة للبناء الروائي، متعددة ومتوالدة من ثورة التكنولوجيا بعد حصارها وتمددها الشغوف على الحياة، ليحدث ثورة موازية في الكتابة الروائية، بخلق أساليب وأنماط إبداعية مغايرة للسائد والمألوف تعتمد على أدوات الاتصال كسياق اجتماعي تاريخي، كأي فعل اجتماعي للفرد – الكاتب، الذي يمزج بين قضاياه الخاصة المتاحة وبين قضايا التقنية المرتبطة بأدوات الاتصال، فتصبح عالم النص ومادته الذي ينبني عليها السرد ويقيم حواره وتساؤلاته، لاكتشاف مسارات متنوعة لموضوعات الرواية، ضمن سياق أدوات الاتصال التي هيمنت على الواقع وأقامت السرد. 

Cairo forum for creative fiction
الهوية الرقمية

وعن "منصات الواقع الاجتماعي والرواية .. معادلة التفاعل والتنافر" تحدثت بديعة الراضي، فقالت إن الرواية باعتبارها نوعا أدبيا قائما بذاته، تشكلت عير سنوات جسور مطبوعة بالتفاعل والتنافر أيضا، وذلك بحكم الأمر الواقع الذي فرضه العالم الرقمي على جميع المجالات. في الماضي القريب كانت الرواية تتمتع بوضع اعتباري رفيع يشبه وضع جبل ابن خفاجة، وقورة محترمة لا يقترب منها إلا الكتاب والقراء المتمرسون، لكن رياح الشبكة العنكبوتية اقتحمتها بقوة، ففرضت عليها التعاطي طوعا أو قهرا مع الكلمات والأشياء ومحيطها بشكل مغاير.
وأوضحت الراضي أنه إذا كانت الرواية (كتابة ونقدا ونشرا واستهلاكا) تعتمد منطق العمق والتأني والمعالجة الرصينة، فإن منصات التواصل الاجتماعي تعتمد منطق السرعة، وربما التسرُّع في تفاعلها مع الأحداث والوقائع، وسعت إلى فرض ذلك على أنواع الأدب عموما ومنها الرواية.
على أن المفارقة الغريبة في الأمر – كما ترى بديعة الراضي – هي أن عديدا من كتاب الرواية في المغرب والعالم العربي، وربما العالم، وجدوا ضالتهم في هذا التفاعل السريع، وبخاصة في الشق المتعلق بضمان تواصل أكثر مع القراء، أما التصورات المتعلقة بالكتابة والنقد، فإن طقوسها تختلف من كاتب إلى آخر، ولا يبدو أن السرعة أو التسرُّع يفيد المؤلفين أو الرواية خاصة والأدب عامة.
وروت الكاتبة المغربية أنه قبل أشهر أطلق موظف حكومي في المغرب اسمه (رشيد لبيز / 49 عاما) مبادرة أطلق عليها "الرواية المسافرة" المتعلقة بإرسال وتبادل الروايات، فرحب بها عديد من القراء، ليسهم كل منهم برواية أو أكثر، يطلقها في رحلة سفر عبر البريد، فتصل إلى عدة قراء في مدن مختلفة، قبل أن تعود إلى صاحبها، وقد صرح لبيز – الذي ينتمي إلى مجموعة أدبية لقراءة الروايات ومناقشتها على أحد مواقع التواصل الاجتماعي – أن مبادرته جاءت بعد أن لاحظ وجود صعوبات يلاقيها عشاق قراءة الروايات في العثور على عدة أعمال، إما لغياب مكتبات متخصصة في بيع الكتب الأدبية في مدنهم أو لغلاء الأسعار، وقال إن عدد الروايات المسافرة تجاوز مائة رواية مؤخرا، كل منها تسافر إلى عشر وجهات مختلفة قبل أن تعود إلى صاحبها، حيث وضع أربعون عضوا من المجموعة رواياتهم رهن إشارة القراء، وبعضهم أسهم برواية، وآخرون بعشر روايات.
وتؤكد الباحثة المغربية أن هذا النموذج يعكس الحرص على ضمان تواصل أكبر مع القراء، لأن الرواية كغيرها من أصناف الأدب، تعاني من الكساد رغم أهميتها وقدرتها على التقاط لحظات مهمة في حياة الناس، ونسجها في عوالم إبداعية بديعة، ويبقى النقاش حول أهمية العالم الرقمي مفتوحا، ومحكوما بتصورات المؤلفين والنقاد حول الكتابة ذاتها، فمنهم من يرى أن السرعة، وربما التسرُّع في الكتابة غير مجدٍ لأنه يمس جانبا جوهريا في الكتابة، وهو التخلي عن مبدأ أساسي هو "العمق في تناول الأشياء"، وهناك من يسعى إلى التكيف مع أذواق القراء وعدم وجود وقت كاف لديهم لقراءة روايات طويلة حجما، عميقة نوعا، فيقوم بنشر مقاطع عبر حسابه أو في موقع على شبكة الإنترنت، وبين هذا وذاك تشكّلَ واقع جديد يسائل الجميع. هل نبقى حبيسي الأشكال السابقة في الكتابة أم نتساوق مع واقع الرقمنة والسرعة؟ سؤال يختصر واقع الحال والمآل، والجواب عليه – كما ترى الراضي – يحتاج إلى نقاشات تصب أساسا في حل معضلة القراءة وتحولات الكتابة.

ملتقى الرواية
منصات الواقع الاجتماعي

الباحث حسين تروش قدم مداخلة بعنوان "أدوات الاتصال والتحول الموضوعاتي في الرواية العربية المعاصرة" قال فيها: إن التحول الموضوعاتي الذي طرأ على الرواية العربية المعاصرة بسبب التأثير العميق لوسائط الاتصال الحديثة أنتج رواية جديدة عبر عن علاقات نشأت وتكونت في عالم الإنترنت، أي أنها تصور العالم الافتراضي الجديد بتقنياته المختلفة، راصدة العلاقة التي نشأت بين الإنسان وهذا الواقع، فهي من جانب ورقية، ومن جانب آخر افتراضية.
ويوضح تروش أن التيمات الافتراضية التي نتجب عن هذا التفاعل جعلت الإنسان يرتبط بعلاقات إنسانية متعددة مع أناس قد يكونون حقيقيين أو افتراضيين، ويبنى على تلك العلاقات حياة كاملة تتواصل فيها الشخوص دون أن تتلاقى وتتفاعل دون أن تترابط برباط العائلة أو المجتمع أو الوطن، ولا حتى برباط الدين أو اللغة.
ويشير حسين تروش إلى أن الروائيين العرب لم يتخلفوا عن كتابة التيمات التقنية وتأثيراتها على واقعهم المعيش رغم حداثة هذا المجال، فما أن غدت وسائل التواصل الاجتماعي عنصرا مهما من يوميات العربي حتى اتسعت قاعدة القراء الذين راح يستهدفهم الكتَّاب بنصوصهم التي تمزج بين الرواية شكلا والتقنية مضمونا.
ويضيف: إذا كانت المضامين التقنية هي ما يهمنا في هذه المداخلة، فلا بد من الإشارة إلى أن أشكال ظهور الإنترنت، ووسائطها المختلفة في الرواية العربية قد تنوعت من كاتب إلى آخر، ليكون المنطلق عندهم جميعا واحدا، وهو العالم الأزرق، وتكون الدلالات مختلفة من نص إلى آخر، بل وقابلة للتأويل من قارئ إلى آخر، ومن هذه الروايات وتيماتها الجديدة يشير تروش إلى: الهوية الرقمية في رواية "في كل أسبوع يوم جمعة" لإبراهيم عبدالمجيد، والحب الإلكتروني في "صمت الملائكة" لابتسام ياسين، و"الحرية الإلكترونية" في رواية "حرية دوت كوم" لأشرف نصر، وعالم الإنترنت العميق في رواية "أرض السافلين" لأحمد خالد مصطفى.
ويرى سمير مندي في مداخلته "التمثيل الذاتي" في الفضاء الإلكتروني أن مصطلح "السيرة الذاتية" لم يعد كافيا لاستيعاب التحولات والتبدلات التي يضطرب بها هذا النوع الأدبي الملتبس، خصوصا أن هذه التحولات لم تقتصر على الممارسة النظرية والتطبيقية التي تحولت إجراءاتها تحت طائلة التيارات النقدية لما بعد الحداثة، إنما كانت الممارسة الإبداعية تتحول، بالمثل، نحو سبل مختلفة ومتنوعة  لتمثيل الذات، سواء ما يتصل منها بالخروج على الفضاء السيرذاتي الذي يتصل اتصالا تتعاقب فيه الحوادث وتتواشج منذ البدء حتى الختام، أو الخروج على أعراف النوع بإسقاط الميثاق السيرذاتي أو تخييل الواقع أو حتى تمثيل الذات من خلال وضعية وجودية لا تتضمن بالضرورة حكاية "حياة" بقدر ما تتضمن حكاية "حالة" شخصية أو اجتماعية أو نفسية. 

Cairo forum for creative fiction
عالم الإنترنت العميق 

ويشير مندي إلى أن كل هذه التحولات النصية والنظرية كشفت عن الحدود الحقيقية التي ينطوي عليها مصطلح "السيرة الذاتية" لكن تمثيل الذات على مواقع التواصل الاجتماعي كان نقلة أخرى في اتجاه اختبار هذه الحدود، فمصطلح السيرة الذاتية، جاء ليشير إلى تجربة شخص واقعي في الكتابة عن حياته الخاصة بأسلوب نثري، بالإضافة إلى المحددات النظرية التي حمّلها إياه المنظر الفرنسي فليب لوجان الذي جعل من التعاقد شرطا لازما أو ملازما لهذه الممارسة، وليس "التمثيل الذاتي" في الفضاء الإلكتروني كذلك، ليس سردا ذاتيا بالمعنى الذي نعرفه، وليس قصة حياة بالمعنى الذي عرفناه نصيا أو نظريا، بل هو ممارسة لم تعد مقصورة على ذوي الشأن بين ذويهم أو الذين تقدم بهم العمر فتجمعت لديهم تجربة جديرة بالبوح.
وتحاول ورقة سمير مندي أن تجيب عن أسئلة مثل: ما الذي نقصده بالتمثيل الذاتي؟ ولماذا هذا المصطلح دون سواه؟ وما الذي يعنيه تمثيل الذات على مواقع التواصل الاجتماعي؟ وما خصائص هذه الممارسة الطارئة على فضاء حياتنا الإبداعية؟ وإلى أي مدى يفارق التمثيل الجديد صنوه الإبداعي التقليدي؟ وماذا عن أدبية الممارسة الجديدة: ما مقدار حظها من الأدب؟ وإذا لم تكن تتمتع بحظ وافر من الأدبية، فكيف يمكن أن يتجاوب معها النقد؟
واستكمالا لموضوع "تحول أدوات الاتصال إلى مادة روائية" يرى الناقد سيد الوكيل أن كثيرا من أدوات ومدخلات الإنترنت، أصبحت موضوعا لكثير من الروايات المتداولة بين الشباب، يتجلى هذا في كثير من المفردات والمصطلحات التكنولوجية المستخدمة في الرواية، هذا فضلا عن موضوعها، حيث يصبح الفضاء الافتراضي واقعا بديلا للواقع المعيش، له أنماطه وموضوعاته، بل وآليات تفكيره بكل قيوده الاجتماعية والقانونية أحيانا، كما يتميز بممارسات قد تبدأ افتراضية، ولكنها سرعان ما تنتقل إلى الواقع المعيش، لتتخلّق إمكانية جديدة للواقع يمكن تسميتها بالواقع المعزّز.
ويشير الوكيل إلى أن هذه الروايات منبتة الصلة عن الواقعية بروافدها التقليدية واتجاهاتها بين الواقعية النقدية والاشتراكية، ومن ثم يمكن اعتبارها احتجاجا على صورة الواقع المعيش على نحو ما تظهره رواية "الغضب الضائع" للكاتب المصري مازن العقاد التي تتناول عالم العلاقات السرية على غرف الشات.
ومن ناحية أخرى – يوضح الوكيل – يمكن اعتبارها تفكيكا ونقدا للمفهوم الذي درجنا على توصيفه واقعا على نحو ما تمثله رواية "حارس الفيسبوك" للروائي المصري شريف صالح.
ويضيف سيد الوكيل أن الرافد الأهم الذي يمثل احتجاجا على صورة الواقع، هو غلبة الخيال على تلك الروايات، حيث تفيد من إمكانات الواقعية فائقة القدرة.