حراك الجزائر يثير قلقا في تونس

قسم كبير من التونسيين يخشى من احتمال زعزعة الاستقرار في الجزائر المجاورة التي ترتبط مع تونس بحدود مترامية وبعلاقات وثيقة أمنية واقتصادية، فيما ينظر للجزائر أيضا على أنها الشقيقة الكبرى.



لا تعليقات تونسية رسمية على احتجاجات الجزائر


تظاهرة محدودة في تونس دعما لاحتجاجات الجزائر


مظاهرات في فرنسا دعما لاحتجاجات الجزائر


متظاهرون يتهمون ماكرون بدعم النظام الجزائري

تونس/باريس - تسود تونس حالة من القلق إزاء الاحتجاجات التي تشهدها الجزائر رفضا لترشح الرئيس المنتهية ولايته عبدالعزيز بوتفليقة لولاية رئاسية خامسة، لكن السلطات التونسية تلتزم الصمت فيما تراقب عن كثب التطورات التي تشهدها الدولة المجاورة التي تربطها علاقات وطيدة وتعاون واسع في جميع المجالات على رأسها الأمني والعسكري.

وترتبط تونس والجزائر بحدود مترامية وقد كثّفتا التعاون في مواجهة الجماعات الإرهابية المتحصنة في السلاسل الجبلية على الحدود بين البلدين.

ولعبت الأجهزة الأمنية والعسكرية الجزائرية دورا مهما في حماية الحدود وكثّفت تعاونها الاستخباراتي مع نظيرتها التونسية في مواجهة الإرهاب العابر للحدود.

وفي المقابل ينظر التونسيون باهتمام مشوب بالقلق إلى التظاهرات الجارية في الجزائر فيما تباينت مواقفهم بين داعم للحراك الشعبي المناهض لترشح بوتفليقة ورافض له لاعتبارات أمنية وتاريخية وخوفا من انزلاق الدولة الجارة إلى الفوضى على غرار ما حدث في الساحتين التونسية والليبية على اثر ثورتين أطاحت بنظام الدولتين.

وتعيد رياح التغيير التي تهب في العاصمة الجزائرية إلى الأذهان في العاصمة التونسية ثورة 2011 حين دفعت تظاهرات حاشدة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي إلى مغادرة البلاد في خطوة لاتزال تثير الكثير من الجدل وروايات مختلفة أبرزها حدوث انقلاب على بن علي وفرار الرئيس الذي حكم تونس بقبضة حديدية من 1987 حتى يناير 2011.

وكانت انتفاضة يناير 2011 قد حفّزت انتفاضات وثورات مماثلة في دول عربية أُسقطت أنظمتها بينما كان يعتقد أنها عصيّة.

وتجمع السبت بدعوة من منظمات في المجتمع المدني نحو مئة متظاهر بالعاصمة التونسية من الجزائريين والتونسيين تعبيرا عن دعمهم للمحتجين في الجزائر على ترشح الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة لولاية خامسة.

وبدت التعبئة محدودة في بلد يعتبر الجزائر التي يفوق عدد سكانها 40 مليون نسمة، "الشقيقة الكبرى".

وتتقاسم تونس مع الجزائر حدودا يفوق طولها ألف كلم وتشكل الجزائر مع ليبيا، الجار الشرقي، الجارين الوحيدين لتونس.

ورأى المحلل السياسي التونسي حمزة المدب أن "تونس الديمقراطية تلزم الحذر لأنها لا تملك الوسائل ولا الطموح في تصدير نموذجها".

وتونس الناجي الوحيد من اضطرابات وانتفاضات وثورات ما يسمى بـ'الربيع العربي'، مستمرة في مسارها الديمقراطي رغم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ولئن أطاحت انتفاضات 2011 بعض الأنظمة العربية المستبدة والقمعية، فإن الوضع في الجزائر مختلف حيث المعارضة مهمشة لكنها ليست مقموعة. ويملك السكان هامش تعبير.

وأثار إعلان بوتفليقة ترشحه لولاية خامسة في 22 فبراير/شباط تظاهرات احتجاج لا سابق لها منذ توليه الحكم في 1999 خصوصا مع تقدمه في السنّ (82 عاما) واعتلال صحته منذ إصابته بجلطة دماغية في 2013.

وخلال تظاهرة محدودة في العاصمة التونسية السبت قالت المحامية الجزائرية عويشة بختي "هناك سابقة سجلت في تونس والجزائر شهدت أيضا ثورات. هذه المرة لن نعود أبدا إلى الوراء".

وكتب على لافتة رفعها المتظاهرون "جزائر حرة وديمقراطية = جزائر آمنة".

ويخشى قسم من التونسيين من احتمال زعزعة الاستقرار في الجزائر المجاورة. وكانت ليبيا الجار الآخر الشرقي لتونس، غرقت في الفوضى منذ ثورة 2011 وكان لذلك انعكاسات أمنية واقتصادية خطيرة على تونس.

وقال علاء الطالبي مسؤول المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وهي منظمة غير حكومية ساهمت في تنظيم تظاهرة تونس "كما تعرفون عانى التونسيون من الفوضى في ليبيا ولذلك هم يخافون حدوث فوضى أخرى في الجزائر".

وأضاف "أتفهم هذا الصمت المنافي للمنطق لباقي المجتمع المدني وأيضا للأحزاب السياسية".

وكان الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي قال بعد ثلاثة أيام من بدء احتجاجات الجزائر، في 25 فبراير/شباط في جنيف أن من حق الشعب الجزائري "أن يعبر مثلما يشاء وأن يختار حكامه بحرية"، مضيفا أن ما يحصل في الجزائر "شأن خاص ونحن لا نقدم دروسا للآخرين"، بينما لم يدل أي مسؤول تونسي آخر بتصريح بشأن الجزائر.

وكانت الشرطة التونسية فرقت في الأول من مارس/آذار تظاهرة أولى غير مرخص لها تضامنا مع محتجي الجزائر. وفاجأ الحزم في التصدي للتظاهرة الجميع وخصوصا أن شوارع الجزائر تضيق بالمحتجين.

وترتبط السلطات في تونس والجزائر بتعاون وثيق في مكافحة الإرهاب وهو أمر أساسي للتصدي لمجموعات مسلحة متطرفة تنشط في المناطق الحدودية الوعرة بين البلدين.

وفي إطار هذا التعاون قام وزير الداخلية التونسي هشام الفراتي بزيارة للجزائر في 26 فبراير/شباط الماضي.

كما تحتاج تونس للجزائر في مجال استهلاك الغاز الطبيعي (يعبر خط جزائري للغاز تونس إلى ايطاليا مقابل نسبة من الغاز)، كما يشكل السياح الجزائريون نسبة مهمة من إجمالي السياح الذين يزورون البلاد التونسية سنويا.

كما يعتبر التبادل التجاري مع الجزائر بالغ الأهمية بالنسبة لتونس خصوصا مع تأثر صادرات البلد بخسارة السوق الليبي.

وتلتزم وسائل الإعلام التونسية الحذر إزاء الاحتجاجات في الجزائر، في موقف يعكس حلة القلق والخوف من الانجرار في دعم أو الوقوف ضد تلك الاحتجاجات.

وأوضح حمزة المدب قائلا "لا أحد يريد الدخول في عداء مع قسم من الطبقة السياسية الجزائرية"، مضيفا أن "السلطات التونسية لا تريد أن يسود اعتقاد بأن تونس تتخذ موقفا بإظهار مؤشر ولو ضعيف جدا إلى دعم المتظاهرين الجزائريين وذلك تفاديا لرد فعل جزائري" غاضب.

وتراقب فرنسا كذلك تطورات الوضع في الجزائر المستعمرة السابقة، لكنها تبدي حذرا في ردود فعلها.

لكن عدة مدن فرنسية شهدت الأحد تظاهرات لمحتجين على ترشح بوتفليقة لولاية خامسة.

وتجمع نحو ألفي متظاهر، تدثر الكثير منهم بالعلم الجزائري في ساحة الجمهورية بباريس هاتفين 'نظام مجرم' و'ارحل' في أجواء احتفالية ميزتها زغاريد النساء وبسطات لشوي اللحم.

واعتبر المعارض الجزائري علي بن فليس في مقابلة مع أسبوعية 'لوجورنال دو ديمانش' الفرنسية أن "نظام بوتفليقة تصدع وبصدد التحلل".

وتوقع "أن لا يحدث قمع لأنه من المستحيل معارضة هذه الحشود البشرية الهائلة"، مضيفا "لا أتصور للحظة أن الجيش الوطني الشعبي وريث جيش التحرير الوطني المجيد، لن يأخذ في الاعتبار آمال الشعب" الجزائري.

ورأى بن فليس أن الحل الوحيد للازمة يكمن في تأجيل الانتخابات المقررة في 18 ابريل/نيسان.

وشارك في تظاهرة الأحد بباريس رجل الأعمال رشيد نكاز الذي كان حاول الترشح للانتخابات الرئاسية في الجزائر.

وفي مرسيليا (جنوب شرق) شارك نحو ألف جزائري وفرنسي في تجمع احتجاجي.

واعتبر قدير (49 عاما) الذي وضع علم الجزائر على كتفيه "أن هناك ضوء يلوح في آخر النفق والانتخابات لا يمكن أن تجري وسيتم تشكيل حكومة انتقالية لتنظيم اقتراع ديمقراطي حقا".

ورفع المحتجون لافتة كتب عليها 'جمهورية ثانية لإنهاء ملكية النظام الجزائري القائم'.

وحين أوقفت قوات الأمن المحتجين في مكان غير بعيد من القنصلية الجزائرية بمرسيليا هتفوا "ماكرون متواطئ، فرنسا تدعم نظاما مجرما".

ويقيم في فرنسا 760 ألف مهاجر جزائري بحسب المعهد الفرنسي للإحصاء وبإضافة أبنائهم يصبح مليون و700 ألف مقيم.