الجزائريون ممزقون بين حلم التغيير وكابوس الإسلاميين

بعد ثماني سنوات من ثورات "الربيع العربي" الجزائريون يستلهمون التغيير بحذر، حيث يحرص المتظاهرون والمنادون بتغيير النظام على عدم السقوط في الفوضى أو عودة كابوس الإسلاميين.


احتجاجات الجزائر بين نهضة سياسية و"ربيع" متأخر


تمسك بواقعية وهدوء وموضوعية المظاهرات


الجزائر عرفت قبل الجميع ربيعها منذ 15 عاما

الجزائر - تعيد التظاهرات الحاشدة في الجزائر احتجاجا على ترشح الرئيس بوتفليقة لولاية خامسة، إلى الأذهان بدايات انتفاضات دول عربية أخرى عام 2011، لكن وفقا لباحثين فإن ما يحصل في هذا البلد الذي شهد تجربة ديموقراطية قصيرة هو نهضة سياسية تتشكل أكثر منه "ربيع جزائري" متأخر.

أحيت نسمات الحرية التي تهب على الجزائر، ذكريات الانتفاضة الشعبية التي جدت في تونس في 14 يناير 2011 ودفعت الرئيس السابق زين العابدين بن على إلى الهروب ومغادرة البلاد.

وكانت السلطات الأمنية التونسية منعت الأسبوع الفائت مظاهرة مساندة للجزائريين وأثنت مجموعة من منظمات المجتمع المدني على رغبة الجزائريين في "إرساء أخيرا نظام ديموقراطي مدعوم بدولة الحقوق".

وشهدت الجزائر التي لم تتأثر برياح تغيير "الربيع العربي" عام 2011، انتفاضات اجتماعية سابقة. ويُبين الباحث التونسي في العلوم السياسية حمزة المؤدب "عرفت الجزائر بشكل من الأشكال وقبل الجميع ربيعها منذ 15 عاما".

وأقر الدستور الجديد في الجزائر واثر الأحداث الدامية التي هزت البلاد عام 1988، التعددية الحزبية.

ويؤكد المؤدب "تعيد تجربة عام 1988 بانتفاضة شعبية دفعت لنظام ديموقراطي أفضى إلى انتصار الإسلاميين تلاه تدخل الجيش، إلى الأذهان التجربة المصرية خلال 2011 و2013".

وشهدت فترة "العشرية السوداء" في الجزائر بين 1992 و2002 ، أعمال عنف واسعة النطاق راح ضحيتها عشرات الآلاف. وهي فترة ساهمت كثيرا في الحد من التأثر بانتفاضات الربيع العربي عام 2011.

ويرى الباحث السياسي الجزائري الشريف إدريس أنه خلال الأيام الأخيرة "سقط جزء من حائط الخوف".

ويتابع "يعيد الجزائريون استثمار الفضاء السياسي والعام" بعد التظاهرات المثيرة التي قام بها طلبة الثلاثاء في العاصمة الجزائر حيث يمنع التظاهر منذ 15 عاما.

واتخذت الاحتجاجات منحا وتصعيدا سياسيا لافتا مع اقتراب موعد الانتخابات واستهدفت رأس الدولة.

وكتبت الصحافية الجزائرية غانية موفق الاثنين "كنا نأمل، أن يضحي الذين يحكموننا ... "بزعيمهم" للحفاظ على أمة".

وتعتبر تونس الدولة الوحيدة الناجية من الانتفاضات التي أطاحت منذ ثماني سنوات بأنظمة استبدادية، وشقت تونس طريقها نحو الديموقراطية بينما عمت الفوضى في دول أخرى.

ولم يتبن عدد كبير من الجزائريين المدركين لما آلت إليه الأمور في هذه الدول، شعار الثورة "الشعب يريد إسقاط النظام".

ولاحظت المؤرخة مليكة رحال في مدونتها "ضبط النفس أمام الحماس كان لافتا".

وتابعت "مع هذا الأمل الذي نريد مواصلته والممكن والعقلاني وبإرادة تجنب الأخطار التي نعرفها جيدا، تتجسد تجربة تاريخية".

ويرى المؤدب أن التشابه الرئيسي مع الانتفاضات في كل من ليبيا وسوريا واليمن وكذلك في مصر والتي اختزلت في مصطلح "الربيع العربي"، هو إعادة اكتشاف "الشعب كقوة تغيير" أمام "الاستبداد الذي خضع له".

من جانبه يعتبر إدريس أن النظام الجزائري ليس مستبدا كما هو الحال بالنسبة لدول عربية أخرى، مبينا "هو تسلط هجين يقوم بتهميش المعارضة دون خنقها أو قمعها بشكل منظم".

وبالنسبة إليه فإن الاحتجاجات يجب أن تسلك طريقها بين الخشية من العنف والرغبة في التغيير.

ويقول "الكل يحرص على الإبقاء على الطابع السلمي للتحركات... ولكن يبقى أن نعرف ما إذا ستتواصل وتتهيكل".

ويشكل تعامل قوات الأمن مع المحتجين نقطة فارقة مقارنة بالقمع الذي واجهته التحركات في دول أخرى، ويؤكد المؤدب "هي إشارة إلى أن التحالف في السلطة يتصدع".

بدوره يقول المحلل في مجموعة الأزمات الدولية مايكل العياري إنه من الصعب التنبؤ بالنهاية وأن الجزائريين "ممزقون بذكريات ربيعهم الديموقراطي الفاشل ما بين 1988 و1991".

ويتابع "هذا سيعتمد على إما تكثيف أو إضعاف التعبئة في مختلف القطاعات وخاصة الاقتصادية منها".

ويؤكد العياري على أنه من أجل تجنب العنف، فان القطيعة التي تجري المطالبة بها يجب أن "تحترم الترتيب الدستوري وأن تبقى جوهرية وتدريجية وقابلة للنقاش".