أفلام ونجوم في "خمسون عامًا من الفُرجة"

ناصر عراق يحدد عدد الأفلام التي أنتجتها مصر منذ عرفت السينما بـ 2835 فيلمًا، بدأت بالأفلام غير الناطقة.


الأفلام كانت بمثابة العالم السحري الجميل. فلما ظهر التليفزيون كان الكاتب يستوطن في بيت عمه المحظوظ الذي اقتنى جهاز تليفزيون


عراق يستحضر أهم الشخصيات التي مثلتها فاتن حمامة

 بقلم: مصطفى عبدالله

بعد أن أصدر ناصر عراق كتابه الفريد "تاريخ الرسم الصحفي في مصر" الذي حاز به "جائزة أحمد بهاء الدين"، ثم دخل عالم الرواية الذي سرعان ما وضع بصمة خاصة فيه منذ كتب: "أزمنة من غبار"، ثم "العاطل" التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر للرواية العربية في دورتها الخامسة عام 2012، و"نساء القاهرة دبي" و"الكومبارس" و"تاج الهدهد" و"الأزبكية" التي حازتت جائزة "كتارا"، ثم "دار العشاق" - التي سعدت بحضور حلقة نقاشية رائعة حولها قبل أيام بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، كان فرسانها: وزير الثقافة الأسبق الدكتور شاكر عبدالحميد والمؤلف نفسه والدكتور شريف حتيتة والناقد أحمد حسن - لم تبرح شاشة السينما اهتمامه، وهو الذي كان ممثلًا في عدد من الفرق الجامعية.
وحكاية ناصر عراق مع السينما تطول. وهو في هذا الكتاب يحدد عدد الأفلام التي أنتجتها مصر منذ عرفت السينما بـ 2835 فيلمًا، بدأت بالأفلام غير الناطقة وسرعان ما دخلت إلى عالم الفيلم الناطق ثم عالم الأفلام الملونة، بعد الأبيض والأسود، والسينما سكوب في بعض الأفلام.
عايش ناصر السينما المصرية فنانًا ومشاهدًا وناقدًا ومؤرخًا ومحبًا، فكانت شاشة السينما هي أوراق الترشيح التي يستلهم منها شخصياته الروائية. وكان عالم السينما - بما يجذبه إليه من جماليات وخيال - هو عالم الأحلام الذي يتماهى معه من واقع إلى حلم، فيكون مقالا أو قصة أو لوحة أو جملة.. لا بد أن يقول شيئًا، ولا بد أن يخرج بشيء مما يراه ويستمتع به.

الأستاذ وصل.. الأستاذ وصل.. انطلقت الأصوات واشرأبت الأعناق نحو مدخل القاعة، ونهضت آمنة لترى من القادم؟ فلمحت طربوشًا أحمر أول الأمر، وسرعان ما عرفت مَنْ يضعه على رأسه، فشهقت وهتفت: "الأستاذ محمد عبدالوهاب نفسه؟"

في الكتاب يحكي ناصر عن طفولته مع السينما، وعن أول فيلم شاهده وأول مرة ذهب فيها إلى السينما بصحبة شقيقه الأكبر الراحل إبراهيم، وعن دور العرض السينمائي؛ الشعبية التي تعرض الأفلام عرضًا ثانيًا أو ثالثًا بعد أن يكون قد عُرض للمرة الأولى في القاعات الفاخرة التي يرتادها جمهور أرقى وأغنى ينال أول قطفة من الفيلم، ثم يتركه لباقي دور العرض.
ويتحدث عن افتتانه بنجمات السينما وهو طفل لا يقدر ما يجري أمامه على الشاشة الكبيرة فيتمنى أن يبقى في مقعده حتى تنتهي الممثلة من أداء دورها لتصحبه معها في عالم أحلامه.
ويتحدث عن إعجاب أخيه الأكبر بالسينما الأجنبية التي كان يذهب لمشاهدتها في دور عرض كبيرة، فيسمع أسماء أفلام وممثلين لا يعرفهم وإن كان يتخيلهم: "البعض يفضلونها ساخنة"، "سبارتاكوس"، "ذهب مع الريح"، "الإخوة كارامازوف". ويتحدث أمامه بإعجاب عن ممثلات أجنبيات وممثلين مثل: "كلارك جيبيل"، "فيفيان لي"، "سبينسر تراسي"، و"إليزابيث تايلور"، و"أنتوني كوين"، و"مارلون براندو"، و"أفا جاردنر"، .، .. الخ.
كانت الأفلام بالنسبة إليه بمثابة العالم السحري الجميل. فلما ظهر التليفزيون وبدأ يتسلل من بيوت الأغنياء على استحياء إلى شقق الفقراء، كان الكاتب يستوطن في بيت عمه المحظوظ الذي اقتنى جهاز تليفزيون، وكان الناس يذهبون لمشاهدة التليفزيون عند جيرانهم أو أقاربهم دون أن تكون في ذلك أية غضاضة، وقد أتاح له ذلك مُشاهدة الأفلام القديمة التي يُعاد عرضها بالتليفزيون وخاصة أفلام: "إسماعيل ياسين" و"زينات صدقي"، وأفلام: محمد عبدالوهاب، و"أم كلثوم"، ثم أكثر الأفلام شعبية التي كان يخرجها حسن الإمام عن روايات نجيب محفوظ، وقد أشار في كتابه الذي كان فصله الأول دراسة نقدية عن ظواهر السينما والأثر الأوروبي في السينما المصرية، والوطنية في السينما المصرية بعد ثورة 1919، والتكوين الاجتماعي للمجتمع المصري بطوائفه وأطيافه إلى ما انتابه من توترات وحوادث عنف وجريمة لم تقصِّر السينما في عرضها. 
ومن أهم الأفلام التي درسها في الفصل الثاني أفلام: "أولاد الذوات"، "الوردة البيضاء"، "يحيا الحب"، "العزيمة"، "يوم سعيد"، "اليتيمتان"، "أمير الانتقام"، "شمشون ولبلب"، "مصطفى كامل"، "الشيخ حسن"، "حياة أو موت"، "شباب امرأة"، "الفتوة"، "الوسادة الخالية"، "خالد بن الوليد"، "دعاء الكروان"، "في بيتنا رجل"، "ثورة اليمن"، "القاهرة 30"، "الزوجة الثانية"، "الأرض"، "أغنية على الممر". 
ويخصص الفصل الثالث لأهم نجوم السينما من: "نجيب الريحاني" و"يوسسف وهبي" و"محمد عبدالوهاب"، و"أم كلثوم"، و"أنور وجدي"، و"إسماعيل ياسين"، و"أنور وجدي"، و"فريد شوقي" إلى: "عبدالحليم حافظ"، و"شكري سرحان"، و"محمود ياسين"، و"فؤاد المهندس"، و"هند رستم"، و"فاتن حمامة"، و"سعاد حسني". 

كتاf ممتع
إلى ذكرى أبي عبدالفتاح عراق

ولكن، كيف تكلم عن هؤلاء؟
في حديثه عن "فاتن حمامة: استحضر ناصر - الروائي المحنك - أهم الشخصيات التي مثلتها فاتن، وطرح سؤالًا تكون الدراسة إجابة عنه: كيف تلقت "آمنة وأنيسة ونادية وكريمة وسلمى ونوال ودرية والأستاذة فاطمة وأبلة حكمت" خبر رحيلها المفاجئ؟ 
ومن خلال هذه الشخصيات يستحضر فاتن حمامة، ويتخيل أن هذه الشخصيات حينما سمعت الخبر هرولت "آمنة" إلى "مسجد الحصري" في مدينة 6 أكتوبر وقد وضعت كفها على خدها يأسًا وكمدًا تاركًة سيدها المهندس ينادم نفسه بكأس ويسكي في تلك القرية النائية، افترشت "آمنة" الأرض وباتت ليلتها في القاعة الملحقة بالمسجد تبكي وتتألم وتتحسر وتمسح دموعها وتختلط في عقلها ذكرى شقيقتها "هنادي" مع صوت "الكروان" الحزين، وعند سطوع شمس الأحد 18 يناير أفاقت "آمنة" على أصوات همهمات ونحيب، فجلست متكومة داخل أحزانها تتابع الداخلين والخارجين، فلمحت المحامية "الأستاذة فاطمة" تدلف من باب القاعة بحركة سريعة في فستان أسود ونظارة سميكة العدسات متأبطة دوسيهات وملفات محاولة استثمار النظارة التي تغطي عينيها لمداراة الدموع المتدفقة على وجنتيها، همت "آمنة" أن تنهض لترحب بها، لكنها آثرت البقاء في مكانها المنزوي تتابع القادمين وتتأملهم، وفجأة سُمع صراخ وهدير صوتي مقبلين من الشارع، ازداد ارتفاعًأ مع دخول صاحبته الفنانة "زينات صدقي" مالكة المخبز تصطحب معها جارتها "الدكتورة كريمة" ذات الرداء الأسود، بينما كريمة ترجوها أن تخفض صوتها قائلة بهمس: "نحن لسنا في بولاق الآن".
الأستاذ وصل.. الأستاذ وصل.. انطلقت الأصوات واشرأبت الأعناق نحو مدخل القاعة، ونهضت آمنة لترى من القادم؟ فلمحت طربوشًا أحمر أول الأمر، وسرعان ما عرفت مَنْ يضعه على رأسه، فشهقت وهتفت: "الأستاذ محمد عبدالوهاب نفسه؟" وتساءلت: كيف قام من الأموات؟ ولاحظت أنه يمسك باليد اليسرى بطفلة صغيرة أدركت على الفور أنها "أنيسة"، بينما رجل آخر منكوش الشعر يُمسك باليد اليمنى للطفلة، وسمعت من يناديه "تفضل يا أستاذ محمد كريم".
هكذا يمضي ناصر عراق في حديثه عن السينما والسينمائيين في كتابه الممتع "خمسين عامًا من الفُرجة.. السينما المصرية.. أفلام لها تاريخ.. ونجوم خالدون"، الصادر عن دار كتّاب للنشر بالإمارات. 
في إهدائه للكتاب كتب ناصر عراق: "كان مولعًا بالسينما وأطيافها وفنونها الساحرة كما كان مثقفًا عصاميًا بامتياز.. إلى ذكرى أبي: "عبدالفتاح عراق" (1924/ 1995).