المضمون المادي للصورة المرئية في رواية "عشيقات النذل" 

كمال الرياحي يضمن روايته مجموعة من الصور ضمن لقطات تدور في أمكنة واقعية فعلية، وفي كل مرة يصور مشهدا بصريا قد يعقبه حوار مقتضب.


المشهد يكشف الشخصية وخاصة الجانب الانفعالي


الرياحي اعتمد في بعض المشاهد على اللقطات القريبة، عبر إبراز تفاصيل الإكسسوارات على الجدار

بقلم: هيام الفرشيشي

نلاحظ كتابة العديد من المشاهد السينمائية في رواية "عشيقات النذل" لكمال الرياحي، أي كتابة الصورة إذ يراوح  بين القارئ  والمشاهد. فيضمن مجموعة من الصور ضمن لقطات تدور في أمكنة واقعية فعلية، وفي كل مرة يصور مشهدا بصريا قد يعقبه حوار مقتضب. ولكن المشهد يعري الشخصيات من الداخل عبر مكونات الصورة. ويكشف سماتها. ويعطينا معلومات عنها وهي تقوم بفعل معين. وبالتالي فالمشهد يكشف الشخصية وخاصة الجانب الانفعالي.  
المشهد الاول
"لمحت الفاس الصغيرة على مرمى يدي على الجدار، واحدة من إكسسوارات الصالون. ايفون مغرم بحضارة الانكا. يعلق على الجدار رؤوس الحيوانات المحنطة والجلود، وتيجان الريش ويحفظ الكثير من أشعار الهنود الحمر. رفعت ذراعي والتقطت الفاس ودون تردد رميت القطة الحامل بها. طارت القطة بوزنها الثقيل لترتطم بالحائط كما أحببت أن أفعل. وظلت تضرب نفسها بالجدار". 

مشاهد سينمائية
كمال الرياحي

اعتمد الرياحي في هذا المشهد على اللقطات القريبة، عبر إبراز تفاصيل الإكسسوارات على الجدار، وهي منتقاة بعناية، وهي تشير إلى حياة الإنسان البدائية في صراعه مع الطبيعة والحيوان مع الاحتفاظ بريشها وجلودها ورؤوسها للزينة أو لأعمال سحرية يواصل من خلالها السيطرة على الأشياء، وكان الفاس أداة الصراع الذي تحول اداة الجريمة حين استعمل في الرواية لقتل الفتاة سارة. وهيمنت حركة الشخصية على المشهد ولاحظنا دوافعها اللاوعية سلوكيا لأنها تكره صورة القطط الحبلى، وتذكرها بالخيانات، خيانات الزوجة، العشيقة.. وحركة اللقطة، وهي حركات صدام متشنجة.
فوتوغرافيا المشهد يخلو من الإضاءة العالية، مشحون بالتوتر الدرامي والصور واضحة بكل تفاصيلها وبالحركات الجسدية للشخصية والقطة. والخلفية بارزة، فالمشهد واسع رغم انحصاره في فضاء ضيق. يؤهل الكاميرا لاستخدام وضبط خلفية ومقدمة للصورة، مع ضبط سريع للحركة. وغياب اللون سواء كان طبيعيا او اصطناعيا. 
المشهد الثاني
"سيارة كليو حمراء قديمة تتوقف أمام المقبرة، تنزل منها امرأة طويلة في فستان أسود، تلف رأسها بإيشارب من نفس اللون. تتقدم بخطى حثيثة واثقة نحو البوابة المغلقة. يظهر البواب من خلف السور راكضا، يفتح الباب الحديدي الثقيل. تدخل المرأة وتأخذ مسلكا على اليسار. تحت شجرة الكالاتوس الضخمة تقف أمام قبر حديث البناء ".
لقطة واسعة تصور المقبرة  البوابة الضخمة، الباب الحديدي الثقيل، مكان مغلق. السور (المقبرة من الخارج) وظهور شخصية المرأة مع التركيز على البعد البدني، طويلة وعلى لباسها  فهي امرأة حزينة ولون سيارتها دموي متوتر، تليها لقطة تصور المقبرة من الداخل، خلف السور، المسلك، شجرة الكالاتوس، قبر حديث البناء. مقبرة قديمة تستقبل الوافدين الجدد من الموتى والزوار. لقطة تعطي صورة عن الشخصية والمكان، إذ تعيش عزلة نفسية  وتواجه عالما مؤذيا.
في هذا المشهد الألوان بارزة، اللون الأحمر ولون الملابس الأسود. الصور واضحة، المشهد مكون من مجموعة من اللقطات أمام المقبرة وداخل المقبرة مع التركيز على المسلك والشجرة الضخمة والقبر،  وكل لقطة لا تبرز الخلفية أي الحركة في فضاء ضيق. والمسافات قريبة من بعضها البعض.
المشهد الثالث

كل مشهد يتركب من مجموعة من اللقطات، وكل لقطة تحيل إلى أخرى لتسرد حدثا له إيحاءات ودلالات عن الفضاء والمكان والشخصيات

"السادسة إلا ربعا مساء. أمام المقبرة سيارة الكليو الحمراء تركن أمام البوابة. لا يسمع صوت هناك، خلاء، هسهسة رياح خفيفة. سائق ضبابي الملامح يهمس للسيدة أن تجلس على يمينه بكلام تليه قبلة على الخد. يجر الحارس البوابة الحديدية. سيدة جميلة ترتدي فستنانا أبيض وإيشاربا أحمر وفي يدها باقة ورد جنائزية أنيقة. تدخل المقبرة واثقة. تتجه إلى اليسار. تتوقف أمام شجرة الكالاتوس. تخرج من حقيبة يدها قارورة الماء تصبها فوق القبر الجاف. تضع فوقه باقة الورد. تجثو لأول مرة على ركبتيها وتنهمك في بكاء طويل قبل أن تنهض، تمسح عينيها بمنديلها الذي في يدها، تعدل تسريحة شعرها وتتفقد فستانها. تعيد المنديل إلى حقيبتها بعناية. وتلتفت يمينا وشمالا".
في هذا المشهد لقطات قريبة أطول، بوجود السائق، حركة البواب لم تعد سريعة، بل يجر الباب، السيدة جميلة تركيز على ملامحها، تغيير ألوان اللباس، الأبيض يشير للسلام يظلله وشاح أحمر متوتر، سلسلة لقطات تسرد طقوس العلاقة مع الموت. مع الحفاظ على الهيئة الاجتماعية. ومع تكرر اللون الأحمر لون السيارة، وهو لون الغريزة في الرواية، تتغير ملابس المرأة التي تتخفف من حزنها الاجتماعي، تبدل الأسود بالأبيض مع المحافظة على الأحمر الدموي، اختلاف التعبير الجسدي وحركات المرأة. 
ونلاحظ في هذا المشهد تغيير لون اللباس، تغيير أحاسيس الشخصية. تفاصيل عديدة تدل على تجاوز مرحلة الحزن الذاتي إلى الحزن الاجتماعي. مع المحافظة على المنظور، وتدور اللقطات في فضاء ضيق.
المشهد الرابع
"شقة بالطابق السفلي. قطط كثيرة في الرواق الندي تلتهم الصوسيصون، رائحة النوم تمزقها نسمة خفيفة تدخل من نافذة صغيرة في أعلى الجدار. غرفة على اليمين. أريكة من خشب قديم. علب جعة فارغة تطل من كيس أسود على البلاط. في الركن براز قطط. على الجدار علقت صورة سيدة بالأبيض والأسود. تفرق شعرها على الجنبين، كهندي أحمر تفتح عينيها في حياد. سلعة غامضة في غرفة أخرى ربما على اليسار. يرن الموبايل بضع رنات دون رد. يسود الشقة صمت نسبي، يقطعه صوت منبه سيارة وصراخ مبحوح من الخارج، يطل رجل أربعيني من نافذة الشقة. تحت النافذة رجل آخر داخل سيارة يمد عنقه إلى الخارج، ملوحا بمسدس ويتوعده بيده..". 

قلق المتلقي
استجلاء أحاسيس الشخصيات وعواطفها

رصد تفاصيل الواقع المكاني المحيط بالشخصية قبل أن يرصد حركتها وعلاقتها بشخصية أخرى في الخارج، والواقع هنا يستفز العين، بل الصورة قادرة على إثارة الرائحة واستنشاق الهواء المتعفن، روائح القطط وبقايا الجعة، الخشب القديم، براز القطط بينما النافذة صغيرة أعلى الجدار، صورة سيدة بالأبيض والأسود. مكان لا تعيش فيه العاطفة باعتبار أن الألوان تعبر عن العاطفة في السينما. المرور إلى الشخصية التي تعيش تهديدا واضحا. حركة الجسد عدائية، الأول يطل من النافذة، والثاني يمد عنقه من السيارة ويرفع المسدس. الحركة سريعة ومهيمنة، وحركة الشخصيات متوترة ومندفعة. وبذلك تقترب الشخصيات من القارئ المشاهد وتعمل على توتيره وتحفيزه لتتبع قصة الصور وإن غاب الحوار اللغوي. والحركة هنا من أعلى إلى أسفل، أي الشخصية التي في الأسفل هي التي تسحق الشخصية التي في الأعلى، والأسفل يحيل إلى الخطر والتهديد.
في هذا المشهد الصور مرئية تبليغية، تختزل رموزا تشير إليها. عبر لقطات طويلة تعطي صورة واضحة عن المكان. مع التركيز على تفاصيل معينة تلتقطها العين.
تفاصيل الأمكنة
إن تصميم تفاصيل الأمكنة يحيلنا إلى عوالم الشخصيات، واضطراباتهم النفسية، البيت بتفاصيله مرتب ويؤهل للجريمة، والمقبرة بتفاصيلها المرتبة فهي تدفن هدف الجريمة. وهي تكشف البعد النفسي للشخصيات. فالصورة المرئية تحكي عن الشخصيات في علاقتها بالموت/  فضاء الموت وأداة الجريمة. بل هي صور تبعث برسائل مشفرة تسهم في تحليل الأحداث وكشفها. فهي تحكي بلغة بصرية. وقد أسهمت في تصوير الأمكنة والزمان والشخصيات. 
شكل الصور المرئية:
يتركب كل مشهد من مجموعة من اللقطات، وكل لقطة تحيل إلى أخرى لتسرد حدثا له إيحاءات ودلالات عن الفضاء والمكان والشخصيات، ويعمد السارد إلى ترتيب هذه اللقطات في المشهد الرابع من المشهد للتعبير عن ماض يكرر نفسه، وعن إيقاع خارجي متوتر يحاول هتك أسرار الماضي. وتبدو عملية المونتاج دقيقة وتقوم على سلم الترتيب وفق رؤية السارد.
أما بالنسبة لتركيب الصور فهي تنتقل من ترتيب العناصر الخاصة بالمكان والأشياء ثم المرور إلى حركة الشخصيات. فالحركة خاضعة لتفاصيل المكان وتاثيراته وأدواته. والفضاء والديكور يحظيان بأهمية زمنية داخل الإطار. وتبدو زاوية النظر محايدة أي حسب ما يقتضيه المشهد وللألوان رمزيتها لاستجلاء أحاسيس الشخصيات وعواطفها. وتصوير أجزاء المشهد بكل تفاصيله. وتقريب الكاميرا ومشاهدة ما يمكن مشاهدته. وكل مشهد جديد يتجاوب مع الآثار المتجمعة. مما يسهم في قلق المتلقي، أو ما يعبر عنه بالتسلسل المونتاجي.