ليسَ من الضرورة التنقيبُ عميقاً

الكاتب الإيطالي ألبرتو مورافيا يعد أحد الكُتاب المهمين في فن القصة القصيرة ذات الاتجاه الواقعي، رغم ما تتمتع به مخيّلته من خيال خصب.


طغيان الأسلوب الواقعي الذي بدأ في روسيا وأميركا كان بمثابة خلق بيئة جديدة تشمل الحوادث التي شهدتها المجتمعات حينّ ذاك


حلقة وصل بين المشاكل النفسية التي عاناها المجتمع الغربي ومشاعره الإنسانية بعد كارثتي الحربيين الكونيتين

بقلم: قيس مجيد المولى

من العناصر الضرورية في القصة القصيرة التكثيف والتركيز، إلى متطلّبات أخرى فرضها التحوّلُ الذي طرأ على الفن القصصي بعد الحرب العالمية الثانية، حين مسّت المتغيرات الذات الإنسانية فأطلقت مكنوناتها للتعبير عن حاجاتها ومنها التوق إلى الحرية وتقرير المصير.
يعتبر الكاتب الإيطالي  ألبرتو مورافيا أحد الكُتاب المهمين في فن القصة القصيرة ذات الاتجاه الواقعي، رغم ما تتمتع به مخيّلته من خيال خصب وقدرة على خلق المصادفات المؤثرة في العمل القصصي، ولا شك في أن طغيان الإسلوب الواقعي الذي بدأ في روسيا وأميركا ثم انتشر بعد ذلك في فرنسا وبريطانيا كان بمثابة خلق بيئة جديدة تشمل الحوادث التي شهدتها المجتمعات حينّ ذاك. 
وكان لا بد من إيجاد ما يمكن تسميته بحلقة الوصل بين المشاكل النفسية التي عاناها المجتمع الغربي ومشاعره الإنسانية بعد كارثتي الحربيين الكونيتين، وكانت تلك حاجة مورافيا نفسه لتوظيف قدراته ضمن هذا المنحى الذي وجد فيه ضالته لرسم أفكاره وتخطيط شخوصه واختيار أماكنه المحددة والتركيز على الأهم منها في مواجهة طغيان إشكالياته التي لا تزال ترفض التحرر من أسلوبه الرمزي وخياله المنفلت، ما جعل مورافيا يكتبَ في مقدمة "امرأة من روما" أن شخوصه المحليين وأماكنهم وأزمنتهم وطريقة اختياره لهم لم تفرض عليه أن يتحدثوا بلغتهم المحلية. 
موضحاً: "كوني لا أجد غير لغة الأدب لغة قادرة على التواصل بشكل ممتع وحساس مع متطلبات حاجات الذات للوصول الى قدرات أرقى تعبيراً، لذا نهضت اللغةُ بشخوصي، ومهما تكن اللغة المحلية التي استخدمها بعض من القصاصيين تحت غطاء الوقائع فإنها لن تأتي بالبعد المطلوب لرؤية الحقيقة، وهي ضمن التوريد الجمالي للحوادث والوقائع".

مورافيا شكّل سابقة إضافية حين جعل نفسه الرجل غير المُرضي عنه أو الرجل الذي يشبه الرجال السيئين، أو الرجل ذا الإحساس غير المتقد

يرسم مورافيا المعطيات مثلما هي، بل يحرص على نقلها بشكلها المألوف في الذاكرة، فعندما يتحدث عن محل للحلاقة في إحدى قصصه يجعل المتلقي يدخل ذاكرة هذا المحل قبل دخوله المعتاد إليه، أي أنه يتقدم أولاً نحو العام، ثم يشرع في تفكيك هذا العام بمستويات بطيئة، مع الإمساك بالمفاصل المهمة للمرئي، لينشئ من خلالها حبكته غير المتوقعة، فحين يضع أمامنا الأمور المعلومة التي تشبه القوانين يأتينا بنتائج غير متوقعة عبر لغة شبه مألوفة يصلح وصفها إصطلاحاً بلغة الواقع، لكنه سرعان ما يعطي رشقات من المغايرة في أسلوبه تحفّز الذهن وسرعان ما تُقبل بل وتنسجم مع المتغيرات الصورية بين منحنيات الأسلوب، ففي قصة "طفلهما السابع" يقول مورافيا: "عندما زارتنا السيدة الفاضلة مندوبة جمعية رعاية الأحداث طلبت منا بيان أسباب إنجابنا لهذا العدد من الأطفال بعدما رزقنا بالطفل السابع. أخبرتها زوجتي بالحقيقة حين قالت لها: لو كان في استطاعتنا أن نملك مالاً لأمضينا أمسياتنا في السينما أو في نوادي الترفيه، وإذ لا مال متوافراً نذهب الى المخدع الزوجي باكراً".
إن السيطرة على الحدث وكثافته، والتركيز على معطياته وتفاصيله المختصرة والمؤثرة في سير السرد القصصي، هي من العلامات الفارقة في إسلوب مورافيا، وثمة العديد من الشواهد على هذه العلامات الفارقة في مجموعته القصصية "حكايات من روما"، سواء في قصصه "المتصابي"، "طفلهما السابع"، "الأنف الملعون"، "مزاح في جو حار"، "فتاة من شوزاريا"، "ليس ضروريا التنقيب عميقاً" وقصص أخرى في هذه المجموعة.
لعلَّ مورافيا قد شكّل سابقة إضافية حين جعل نفسه الرجل غير المُرضي عنه أو الرجل الذي يشبه الرجال السيئين، أو الرجل ذا الإحساس غير المتقد. مثلما نراه في إحدى قصصه رجلاً مثالياً، وفي كلتا الحالتين، ورغم استخدامه للغته الأدبية المحدودة في المفردات، إلاّ أنّه يثير الإعجاب في تكامل النص السردي وإتقانه الدرامي، ولغته، وكلّها مسخّرة لتحقيق هدفه الإنساني.