باريس ولع سكندري

الحملة الفرنسية نبهت المصريين وأهل الشرق بالتقدم العلمي والفكري الحاصل في الغرب.


فرنسا كانت حجر الأساس في بعثات محمد علي إلى أوروبا


الإسكندرية لعبت الدور الباريسي على مدى قرنين من الزمان


تأثير الإسكندرية العالمي بدأ يضمحل تدريجيا بعد معركة أكتيوم البحرية

إذا كان روبير سوليه قد أسمى كتابه عن مصر "مصر ولع فرنسي" فإنني قلت في كتابي "رأيت باريس" إن باريس ولع سكندري. فمنذ بعثات الوالي محمد علي – الذي اعتلى عرش مصر عام 1805 - إلى الغرب، كانت فرنسا هي حجر الأساس في تلك البعثات أكثر من غيرها من الدول الأوروبية. وتأتي خلاصة ذلك في كتاب رفاعة الطهطاوي – إمام البعثة المصرية إلى فرنسا – "تخليص الإبريز في تلخيص باريس" (صدرت طبعته الأولى عام 1834)  والذي أعطانا فكرة متكاملة عن فرنسا عموما، وباريس خصوصا في عصر تلك البعثات - والذي يمثل أول تجسيد للعلاقة بين الشرق والغرب في العصر الحديث.
لقد أسهم هذا الكتاب في تكوين صورة ذهنية رائعة عن باريس، بعد أن كادت الحملة الفرنسية على الشرق بقيادة نابليون بونابرت (1798 – 1801) أن تحول فرنسا إلى عدو حقيقي ومستعمر إمبريالي في ذلك الوقت، ولكن لا بد أن نعترف أن لتلك الحملة فوائدها حيث نبهت المصريين وأهل الشرق بالتقدم العلمي والفكري الحاصل في الغرب. وهو ما حاول أن يأخذ بأسبابه محمد علي باشا بعد ذلك. ووصل الأمر بالخديوي إسماعيل أن حاول أن يجعل من مصر قطعة من أوروبا، والمقصود بأوروبا هنا هو فرنسا على وجه التحديد.
لم يكتمل مشروع الخديوي إسماعيل، ولكن ظل الحلم أن تصبح مصر قطعة من أوروبا، وهو الأمر الذي أخذ الكثير والكثير من المفكرين والأدباء والمثقفين والكتَّاب، وجسَّده أسامة أنور عكاشة في مسلسله الرائع "أرابيسك" غير أنه ترك النهاية مفتوحة، فالأمر لم يحسم بعد، وما زلنا نبحث عن تلك الهوية التائهة بين الشرق والغرب.

كلما رأيت فيلما أو قرأت رواية عن فرنسا وباريس أنقل أحداثها إلى الإسكندرية، فأجد نوعا من التماثل أو أحلم بذلك

ومن هنا تأتي أهمية الوقوف على مستقبل تلك العلاقة الجدلية بين مصر وفرنسا عموما، وبين الإسكندرية وباريس خصوصا، خاصة أن مدينة مثل الإسكندرية لم تكن مصرية خالصة منذ أن وضع حجر أساسها الإسكندر الأكبر عام 332  قبل الميلاد، وكان يطمح أن تكون قاعدة إمبراطوريته التي كان يحلم بها. ثم جاء البطالمة بعده لينجحوا في أن تكون الإسكندرية مدينة عالمية، تفتح ذراعيها وأحضانها لكل وافد من الغرب أو من الشرق، أيا كانت جنسيته وديانته، خاصة بعد تأسيس مكتبة الإسكندرية (القديمة) في عهد بطليموس الأول. ومن هنا كانت تنشأ بعض الثورات من بعض الطوائف التي عاشت في الإسكندرية بكامل حريتها في عصور مختلفة.
فإذا كانت باريس تمثل الآن عاصمة النور والفنون والآداب والعطور، فإن الإسكندرية لعبت الدور نفسه على مدى قرنين من الزمان، انتهت بمقتل كليوباترا السابعة، واحتلال الرومان للإسكندرية التي كانت العاصمة المصرية في ذلك الوقت، حيث بدأ تأثير الإسكندرية العالمي يضمحل تدريجيا.
إن تلك العلاقة الرائعة بين الإسكندرية وباريس قد رمزتُ إليها في روايتي "الماء العاشق" التي صدرت عام 2018، كما تحدثتُ عنها بعمق في كتابي "رأيت باريس" الذي صدر عام 2005.
أيضا في روايتي الجديدة "اللون العاشق" وهي سيرة ذاتية متخيلة للفنان محمود سعيد، أشرت إلى الدور الذي لعبته باريس في التكوين الفني لهذا الفنان التشكيلي السكندري العظيم.
لذا ستظل الإسكندرية وباريس مدينتين مبدعتين وساحرتين لأهل الآداب والفنون، وربما الشيء الذي ينقص باريس سنجده في الإسكندرية، والأشياء التي تنقصها الإسكندرية سنجدها في باريس، فعلي سبيل المثال، باريس مدينة عظيمة ولكن بلا بحر، والبحر موجود في الإسكندرية، والإسكندرية مهد الفنون والآداب ينقصها مسارح ومتاحف عظيمة مثل متحف اللوفر الذي نجده في باريس. وكم تمنيت أن تكون هناك نسخة من متحف اللوفر في الإسكندرية على غرار متحف اللوفر أبوظبي، الذي زرته منذ شهور قليلة، ولكن أصبت بخيبة أمل لأنني لم أجد سوى القليل بل القليل جدا في أبوظبي، وفي خلال ساعة واحدة أنهيت جولتي في المتحف بأبوظبي، بينما كنت أريد أياما لأستكمل تجوالي في اللوفر الفرنسي.

المقصود بأوروبا هنا هو فرنسا على وجه التحديد
باريس تمثل الآن عاصمة النور والفنون والآداب والعطور

بطبيعة الحال أتفهم تماما تكلفة إنشاء نسخة من لوفر باريس في الإسكندرية، ولكنه حلم يراودني ربما يتحقق في مستقبل الإيام.
أيضا ما ينقص الإسكندرية وموجود في باريس، هو مترو الأنفاق العملاق الذي يسهل تحركات المواطنين والزائرين ويربط أحياء باريس بشبكة مواصلات عظيمة. أي نعم يوجد مترو أنفاق في القاهرة، لا يزال حديث العهد وغير مكتمل الخطوط، ولكن أحلم بأن تكون في الإسكندرية شبكة مترو أنفاق كالتي رأيتها في باريس.
كلما رأيت فيلما أو قرأت رواية عن فرنسا وباريس أنقل أحداثها إلى الإسكندرية، فأجد نوعا من التماثل أو أحلم بذلك. وقد حدث هذا منذ أن قرأت "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم، و"الحي اللاتيني" لسهيل إدريس، و"عودة الذئب إلى العرتوق" لإلياس الديري، و"أديب" لطه حسين، وغيرها من الأعمال.
حتى لوحة "بنات بحري" الشهيرة لمحمود سعيد التي وظفتها في روايتي "اللون العاشق" بل كانت البطلة الرئيسية لتلك الرواية، جعلتُ الفنان يستوحي فكرتها من تمثال "ربات الحسن الثلاث" الذي شاهده في متحف اللوفر، وقلت في الفصل الأول:
"كان الفنان يستعيد ذكريات زياراته لمتحف اللوفر في باريس، وفجأة قفزت إلى ذهنه صورة تمثال ربّات الحسن الثلاث للفنان الإيطالي جيمس برادييه، فقرر أن يرسم ربَّات حسن مصريات ثلاث، في لوحة تخلّد الجمال المصري عامة، والسكندري على وجه التحديد".
إن العلاقات الثقافية بين الإسكندرية وفرنسا، تميزت طوال سنواتها بالدفء والمحبة والتأثير المتبادل، وقد لعبت جهود القنصلية الفرنسية بالإسكندرية، والمركز الثقافي الفرنسي الكائن بشارع النبي دانيال دورا رائعا في إبراز وتمتين تلك العلاقة التي نأمل لها المزيد من التواصل والمزيد من التعاضد لتكون المثل الذي يحتذى في العلاقات الثقافية بين دولتين عريقتين هما: مصر وفرنسا، فمازالت "مصر ولع  فرنسي" ومازالت "باريس ولع سكندري".