جريمة سياسية حققت غرضها

الحدث العراقي شكل انطلاقة جديدة للمشروع التوسّعي الايراني. ما كان لطهران أن تسمح لرفيق الحريري أن يعيق هذه الانطلاقة.

وضعت المحكمة الدولية جريمة تفجير موكب الرئيس رفيق الحريري في اطارها السياسي. كشفت في الوقت ذاته العلاقة العضوية والعميقة، على اعلى المستويات، بين النظام السوري من جهة و"حزب الله" من جهة أخرى. لم يترك الادعاء تفصيلا، مهما كان صغيرا، الّا وكشفه في جلسات المرافعات الأخيرة في القضية التي تبين انّها عملية مشتركة بين الجانبين. الأكيد انّ "حزب الله" كان ينفذ مرّة أخرى المطلوب منه إيرانيا في مرحلة دخلت فيها المنطقة مرحلة جديدة في ضوء التغيير الكبير الذي حصل في العراق في 2003.

اذا كان مطلوبا وضع الجريمة في اطارها السياسي، كما فعلت المحكمة، لا مفرّ أيضا من وضع هذا الاطار في اطار أوسع هو خروج ايران منتصرة في العراق بعد تولي الجيش الاميركي إزاحة نظام صدّام حسين ونظامه. تولى الاميركيون أيضا تقديم العراق على صحن من فضّة الى ايران بعدما دخل الى بغداد على ظهر الدبابة الاميركية كلّ قادة الميليشيات المذهبية التابعة للأحزاب العراقية الموالية لطهران.

شكّل الحدث العراقي انطلاقة جديدة للمشروع التوسّعي الايراني. جاء التدخل الاميركي في العراق في وقت بدأ النظام السوري، الذي تحول بعد خلافة بشّار الأسد لوالده الى اكثر من حليف لإيران ولـ"حزب الله"، يشعر بانّ وجوده في لبنان صار مهددا. أصاب الادعاء العام عندما تحدث امام المحكمة الخاصة بلبنان في لاهاي عن ان رفيق الحريري "هدّد الستاتيكو (الوضع القائم والثابت) الذي يؤمنه الوجود السوري في لبنان".

كان هذا الوضع القائم الثابت الذي هدده رفيق الحريري استخدام لبنان "ساحة" للنظامين في سوريا وايران يبتزان من خلالها العرب والقوى الإقليمية والدولية وذلك في وقت راح البلد يستعيد حيويته. ففي مرحلة ما قبل اغتيال رفيق الحريري، بدأ لبنان يزدهر مجددا وصارت بيروت المدينة المفضلة لدى كثيرين من العرب، خصوصا الخليجيين وساد البلد شعور بانّ لا بدّ من التوصل الى التخلص من الوصاية السورية. لم يعد هذا الشعور مقتصرا على المسيحيين، بل بدأ يشمل المسلمين، خصوصا بعد انضمام رفيق الحريري وان بطريقة ناعمة، عبر نواب مسيحيين ينتمون الي كتلته، الى لقاء "البريستول". كان "البريستول" فندقا عريقا من فنادق بيروت انعقدت فيه وقتذاك اجتماعات للقوى المناهضة للوجود السوري في لبنان.

بالعودة الى الماضي، يظهر جليّا ان النظامين الايراني والسوري بدءا يأخذان جدّيا نزعة اللبنانيين الى استعادة استقلال بلدهم، في ضوء انضمام المسلمين الى المسيحيين بعد الانسحاب الإسرائيلي تنفيذا للقرار 425، بدل بقاء الجنوب جرحا ينزف تحت حجج واهية اختلقها المتزلفون، مثل حجة مزارع شبعا. كان همّ السوري والإيراني وقتذاك عدم المسّ بالوضع القائم، أي ببقاء لبنان "ساحة"، بمعنى صندوق البريد الذي توجه منه رسائل الى هذا الطرف او ذاك لتأكيد ان ايران لاعب إقليمي وان سوريا تلعب بالتفاهم معها أدوارا خارج حدودها. تستهدف هذه الادوار استمرار حال اللاحرب واللاسلم في المنطقة. لذلك، لعب النظام السوري مستخدما وقتذاك الرئيس اللبناني اميل لحّود، الذي فرضته دمشق على اللبنانيين، دورا في افشال القمّة العربية التي انعقدت في بيروت في آذار – مارس 2002. اقرت تلك القمة مبادرة السلام العربية التي كان وراءها وليّ العهد السعودي الامير عبدالله بن عبدالعزيز الذي خلف الملك فهد لاحقا. لكنّ بشّار الأسد بذل، مستخدما اميل لحّود، كل جهد من اجل تعديل نصّ مبادرة السلام، الذي درست كلّ كلمة فيه بدقّة متناهية. أراد رئيس النظام السوري ان تجد إسرائيل حججا كافية لرفض المبادرة العربية. لم يكن التصرّف السوري في لبنان يوما خارج تفاهم عام بين النظام القائم في دمشق منذ العام 1970 مع إسرائيل. ظهر هذا التفاهم جليّا مع اندلاع الثورة الشعبية في سوريا قبل سبعة أعوام. اذا تأكد امر منذ اليوم الاوّل لاندلاع تلك الثورة، فان هذا الامر هو مدى حرص إسرائيل على النظام السوري وعلى بقاء بشّار السد في دمشق. تريد إسرائيل التأكّد من ان بشّار لن يرحل قبل تنفيذ كلّ المطلوب منه. المطلوب منه القضاء على سوريا وتفتيتها.

من خلال متابعة الجلسات الأخيرة للمحكمة الخاصة بلبنان في لاهاي، يظهر ان جريمة اغتيال رفيق الحريري ذات طابع سياسي اوّلا. عندما يصدر الحكم في شباط – فبراير او في في آذار – مارس من السنة 2019، سيتبين ان المطلوب كان القضاء على أي امل بعودة لبنان بلدا طبيعيا، وذلك عبر التخلص من رفيق الحريري الذي عمل من اجل لبنان واللبنانيين وسوريا والسوريين.

هناك ظلم ليس بعده ظلم يتعرّض له لبنان الذي يعاني حاليا اكثر من ايّ وقت من غياب رفيق الحريري. لدى التمعن في الأحوال التي وصل اليها لبنان، يدرك المرء تماما لماذا اغتيل الرجل في العام 2005 ولماذا تلت الاغتيال حرب صيف العام 2006 والاعتصام في وسط بيروت وسلسلة الجرائم التي استهدفت اللبنانيين الشرفاء الذين قالوا بصوت عال ان هناك املا في عودة لبنان واستعادة ما كان يمثله على الصعيد الإقليمي.

كشفت المحكمة الخاصة بلبنان كلّ تفاصيل الجريمة. فتح العبقري الرائد وسام عيد، الذي فكّك شبكة الاتصالات ودفع من حياته ثمنا لذلك، الطريق امامها كي تتمكن من الوصول الى ما وصلت اليه. من محاولة اغتيال مروان حمادة في اول تشرين الاوّل – أكتوبر 2004، أي قبل نحو أربعة اشهر ونصف شهر من تفجير موكب رفيق الحريري، وصولا الى اغتيال محمّد شطح، لم تعد من اسرار في لبنان. ما سعى اليه الجانب الروسي، الذي سعى من خلال التهديد بـ"الفيتو" في مجلس الامن كي لا يشمل قرار انشاء المحكمة الخاصة بلبنان الدول والأحزاب، كان فشلا ذريعا. لم يستطع الادعاء في المحكمة البقاء خارج الدول والاحزاب. سمّى من يجب تسميته استنادا الى اكثر من ثلاثة آلاف دليل متوافرة لديه. لم تعد هناك أي اسرار في شأن كلّ ما له علاقة من قريب او بعيد باغتيال رفيق الحريري.

حقّق القتلة ما كانوا يصبون اليه. حققوا الغرض من الجريمة. خير دليل على ذلك ما آل اليه الوضع في البلد حيث بيروت لم تعد بيروت وحيث تخبط سياسي ليس بعده تخبّط في غياب حكومة متوازنة الى حدّ ما تضمّ أشخاصا معقولين.

يبدو سعد رفيق الحريري، القابل بتسوية مع قتلة والده، الوحيد المهتم فعلا بتشكيل مثل هذه الحكومة. لذلك يعضّ ابن رفيق الحريري على الجرح وفاء لارث رفيق الحريري، خصوصا ان الحقيقة ظهرت... فيما العدالة لا يمكن الّا ان تتحقق يوما. ستتحقق العدالة حتّى لو كان الامل في انقاذ ما يمكن إنقاذه من لبنان يتضاءل يوما بعد يوم.