'ضحك كالبكا' مع الحب في زمن الطنطل

ضاري الغضبان يرصد زوايا مختلفة من الحياة الاجتماعية ويحولها إلى صور مترادفة توضح كم هناك من الأمور المثيرة للسخرية.


الأمر يحتاج اإلى روح متألمة تحاول الهروب من أوجاعها عبر السخرية


الأمر يحتاج إلى أكثر من القدرة على الكتابة

بقلم: نزار عبدالغفار السامرائي

ما أنهيت قراءة المجموعة القصصية الاولى للقاص ضاري الغضبان حتى طرق بالي بيت الشاعر الكبير ابو الطيب المتنبي وهو يغادر مصر متألما: 
"وكم ذا بمِصْرَ مِنَ المُضْحِكاتِ ** وَلَكِنّهُ ضَحِكٌ كالبُكَا"
ربما لم يدر ببال الشاعر الكبير أنه بعد قرون سيصبح بيته هذا يستشهد به في كلّ مجتمعاتنا التي تترادف عليها المضحكات المبكيات فلم نعد نستوعب المآسي التي تنخر بالمجتمع حتى نحيلها الى طُرَف نضحك عليها لكنه ضحك كالبكا، وكوميديا سوداء تنبش الواقع المؤلم الذي ينخر بجسد المجتمع كالنمل الأبيض وهو يحفر أنفاقه في جدار بيت آيل للسقوط. 
ليس من السهل ان تسرد قصصا بأسلوب ساخر وأن تتحدث عن الواقع، فالأمر يحتاج إلى أكثر من القدرة على الكتابة، وتسطير الكلمات لتنسج نصوصا تقدمها على أنها قصص قصيرة بجمل سريعة، موجزة، متتابعة. ذلك أن الأمر يحتاج الى روح متألمة أيضا، تحاول الهروب من أوجاعها عبر السخرية، فالسخرية كما يراها حامد عبده الهوال "نوع من الضحك الكلامي أو التصوير الذي يعتمد على العبارة البسيطة أو على الصورة الكلامية مع التركيز على النقاط المثيرة فيها.. ". 
وهي في مفهومها البلاغي حسب ما أشار معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب "طريقة في الكلام يعبر بها الشخص عن عكس ما يقصده بالفعل كالقول للبخيل ما أكرمك". والسخرية هنا ليست تلك التي نشاهد الكثير منها على شاشات الفضائيات ببرامج التلفزيون أو الأفلام والمسلسلات والتي تقترب من التهريج والإسفاف. إنها هنا تتعالى لتصيب كبد الواقع، وتجعلك تبتسم وأنت تقرأ لكنها ابتسامات ممزوجة بالحزن، وهذا هو الانطباع الذي يمكن أن تجعلك قصص الغضبان الساخرة تشعر به.
فالقاص اختار أن يرصد زوايا مختلفة من الحياة الاجتماعية ويحولها إلى صور مترادفة توضح كم هناك من الأمور المثيرة للسخرية في مجتمعنا لكنها مؤلمة، ينطبق عليها القول "شرّ البلية ما يضحك". وفي الوقت نفسه فإنه يوجه خطابه القصصي هذا إلى الجمهور الذي يتفرج بصمت على المشهد فيأتي الإهداء صادما: "إلى  الأغلبية الصامتة .. وهذا أضعف الإيمان"، وكأنه يقر بعجزه عن إتيان فعل ما سوى الكتابة والتشخيص والصمت.

نجح القاص ضاري الغضبان في إيصال دلالة ما يريد قوله إلى المتلقي بلغة بسيطة لكنها من ذلك السهل الممتنع الذي يسحب الابتسامة من شفتيك وأنت تواصل القراءة بمتعة وحزن.

والجميل أن القاص وهو يتناول هذه الصور يجردها أحيانا من صورتها الإنسانية ليضعها في دلالة رمزية تدفعك للتفكير فيما يقوله، فتأتي القصة الأولى لتتحدث عن علامة التعجب (!) وهي تتجول في شوارع المدينة مستغربة من اختفاء المدمنين من شوارعها، لتستعرض حالات عديدة تكشف عن التناقض في حياة الناس! لتكتشف في النهاية أن الأمر ليس إلا قيام "السياسي الصاعد بجمع كلّ مدمني المدينة في حظيرة كبيرة ويوزع لهم لفافات الأفيون مجانا، بينما مساعدته الأنيقة تلقنهم طريقة التصويت للسياسي الصاعد في الانتخابات القادمة". 
أو حين يحلم أحدهم أنه "قداحة" ويذهب إلى بناء رؤيته وفق هذا التصور فهو ليس إلا قداحة نساها أحدهم على حافة مسطبة في حديقة عامة، لتسرد مشاهداتها ومشاعرها! مع ترادف الصور والحالات عليها، حتى تنتهي القصة بدلالة معبرة حين يصحو الحالم من حلمه على مشهد شعلة النار تعلو محطة عزل نفطية، ولص يسرق أنبوبة الغاز من منزله، ليعود صباحا يبيعها عليهم!
وهكذا تستمر القصص الأخرى في رصد حالات تعتمد المفارقة وفي الوقت نفسه تؤشر لحالات سلبية يمارسها المجتمع، يعرفها الجميع ويتغاضون عنها، فالأمر لا يقف عند حدود البنى السطحية للقصص، لأن الرمزية المحملة بالنصوص السردية تجعلك تحاول البحث والتأويل لاكتشاف ما هو أعمق، فبساطة اللغة والأسلوب يحمل في طياته الكثير لتكتشفه.
وهذا ما يمكن أن تلاحظه في القصص اللاحقة مثل مقطع عرضي للريف، أو التجربة الروسية، أو دَين، فيما تحمل قصة فقدان قمر دلالة جميلة ناقدة للذين يذهبون إلى التأويلات والتصورات والبحث في الموروثات لتفسير شيء واضح وجلي لا يحتاج إلا إلى البساطة في النظر إلى الأمور. وتأتي القصة التي حملت عنوان المجموعة "الحب في زمن الطنطل" (الطنطل كائن خرافي في المخيلة الشعبية جنوب العراق) والتي تتناص مع عنوان الرواية الشهيرة "حب في زمن الكوليرا" للكاتب الكولومبي ماركيز، لتتناول الواقع من منظور آخر أكثر رومانسية ولكن ليس أقل سخرية من القصص الأخرى، التي جاء بعضها بدلالات مباشرة، فيما ارتكزت أخرى على المفارقة مثل قصة "تابو.. تابوت" أو "طاط.. طوط.. طيط".
لقد نجح القاص ضاري الغضبان في إيصال دلالة ما يريد قوله إلى المتلقي بلغة بسيطة لكنها من ذلك السهل الممتنع الذي يسحب الابتسامة من شفتيك وأنت تواصل القراءة بمتعة وحزن. فهو بالنهاية يتحدث عن "واقع مغلف من الخارج بالسيليفون المستورد! ويهدم من الداخل بمعاول الموهومين".
"الحب في زمن الطنطل" مجموعة قصصية للقاص ضاري الغضبان طبعت في النجف الأشرف عام 2018 وتتضمن اثنتي عشرة قصة قصيرة اعتمدت السخرية أو الكوميديا السوداء كما يصفها المؤلف.