روائي سكندري لم تعد تغريه مدينته كمكان أدبي

سعيد سالم ينتظر صدور روايته العشرين التي تدور في حي الأنفوشي تحت عنوان "صعاليك الإنفوشي".


حين أكتب عن الإسكندرية فليس بالضرورة ان أكتب عن شوارعها ومبانيها ‏وبحرها وشواطئها


لم يحاول الكتابة في مجال الخيال العلمي، بالرغم من دراسته وعمله المرتبطين بالعلم

القاهرة ـ من أحمد رجب

خلال أسابيع يبلغ الروائي المصري سعيد سالم عامه الخامس بعد السبعين، وهو ينتظر صدور روايته العشرين “صعاليك الأنفوشي”، نسأله وهو ابن الإسكندرية، وأحد أبرز روائييها، عن مدى الاختلاف والتشابه بين صورة المدينة عنده وصورتها في روايات مجايليه مثل إبراهيم عبدالمجيد ومصطفى نصر والراحل سعيد بكر، يقول: "لكل اسكندريته، كما لكل بصمة إصبعه، وعن نفسي فمدينتي ابنة البحر، ولو سئلت ماذا يمثل البحر بالنسبة لي لقلت إنني أرى فيه الله، الحب، البراءة، الصفاء، القسوة، الهياج، الهدوء، ‏النورس، الحياة.. التفاعل الإنسانى ‏مع الصيادين وصناع شباك الصيد ومراكبه، البحر إذن هو الحياة وهو العنصر الأساسي في الإسكندرية كمكان ووجود. 
ولكون العمل الروائى بناء ‏عضويا متكاملا، فإنه ما لم يكن المكان يشكل عنصرا جوهريا من عناصر هذا البناء، فإنه لا يزيد على كونه ‏مجرد حلية كمالية للعمل، وحين أكتب عن الإسكندرية فليس بالضرورة ان أكتب عن شوارعها ومبانيها ‏وبحرها وشواطئها، لأنني أتناول الإنسان فيما أكتب سواء أكان يقيم بزقاق في حي الأنفوشى أو في هوليود ‏بوليفار. رغم ذلك فإن كثيرا من أعمالي ابتداء من "جلامبو" و"بوابة مورو" وانتهاء بـ "المقلب" و"الحب ‏والزمن"، كان للبحر وجود مهم فيها، تتفاوت درجات حضوره تبعا لأهمية تبادله التأثر والتأثير مع الشخوص ‏والأحداث.‏
أعترف أن الإسكندرية لم تعد اليوم تغريني أدبيا كمكان، رغم عشقي الطاغي لها بعد أن ‏أخذ طابعها الجمالي المتفرد في الانهيار والتشوه البشع على أيدي السادة المحافظين الذين تناوبوا رئاستها ‏على مدى ما يقرب من نصف قرن، لم يمتلك أحدهم الحس الجمالي الذي يدفعه إلى الحفاظ على جمال المدينة الكوزموبوليتانية، كما لم يمتلك واحد منهم الذوق الفني الذي يجعله يدرك أهمية حماية ‏تراث المدينة العتيق وتنسيقها المثالي الفريد.
كف مريم
وعما قيل عن تخفيه خلف شخصية عادل المصري في رواية "الفصل والوصل"، مما يجعلها تبدو مثل سيرة ذاتية، ينفي ذلك قائلا "مرور المكتوب على مصفاة الكاتب الفكرية والنفسية والوجدانية أمر حتمي في العملية الإبداعية، من هنا يمكن القول إن جميع الكتاب يتخفون حول شخصياتهم أو البعض منها، والبارع منهم وحده هو الذي يتيح له مكره الفني حسن التخفي. وبالنسبة للفصل والوصل لا تعتبر سيرة ذاتية وإنما بعض التجارب الخاصة التي مزجتها فنيا بالفكرة العامة لمضمون الفصل والوصل كمصطلح صوفي من جهة ودنيوي من جهة أخرى. أما الرواية التي كانت سيرة شبه ذاتية وليست ذاتية كاملة فهي رواية "استرسال".

قدمت الواقع الآني للمجتمع
قدمت صورة المجتمع والواقع والحياة والوجود

وعن النزوع الصوفي لديه في الرواية نفسها وقبلها "آلهة من طين"، يقول سعيد سالم: في البدايات كنت مفتونا بالفانتازيا، فلما تخلصت من فتنتها حلت الخوارق الصوفية محلها، ظهرت في أكثر من رواية وكانت على أشدها في "كف مريم"، حيث تتناول قصة حب بين سيدة مسيحية "مريم" ‏‏قتل الإرهابيون شقيقها ورجل مسلم "حليم" يعمل في‎ ‎مجال الآثار ويشغف بالبحث في عوالم الأسرار العلوية، ففيها امتزج الحب الإنساني الناسوتي مع الحب الالهي اللاهوتي امتزاجا يصعب فصله.
خطان متوازيان
وكان الروائي في "الفصل والوصل"، أتاح لعادل المصري أن يحكي عن نفسه وعن الآخرين، فلم تتح للأصوات الأخرى فرصة الحكي، ولم يلجأ للراوي العليم بدلا من الأنا الراوي، يبرر سعيد سالم ذلك بتفضيله للسرد بضمير المتكلم، ويضيف "لم أحب أبدا اتباع أسلوب الراوي العليم، لست ديكتاتورا لأهيمن على شخصيات رواياتي، أحب جدا ضمير المتكلم لأنني على يقين من أنه أقرب إلى عقل القارىء وقلبه كما تعلمت من التجربة والممارسة، ولذلك تجد الكثير من رواياتي مكتوبة بأسلوب الأصوات حتى يقتنع القارىء بصدق ما يقوله هؤلاء المتحدثون عن أنفسهم دون تدخل من جانبي، وهذا لا يمنعني بالطبع من دس بعض من فكري بمكر فني بين كلمات هذه الشخصيات، حتى في رواية "المقلب"، كانت المغامرة الفنية في جعل مقلب الزبالة راويا، ففيها قدمت صورة المجتمع والواقع والحياة والوجود، فالحياة تبدأ من مقلب الزبالة وتنتهي إليه وفيه، أي قدمت الواقع الآني للمجتمع كما يمثله المقلب وجودا ورمزا، فلزم أن يكون راويا.
ويؤكد سعيد سالم على أنه يكتب كما يحب، وعما يحب، لذلك فهو لم يحاول الكتابة في مجال الخيال العلمي، بالرغم من دراسته وعمله المرتبطين بالعلم، فضلا عن تجربته الأدبية تؤهله لذلك، فقد درس الهندسة الكيميائية في جامعة الإسكندرية وحصل على الماجستير في نفس المجال، وارتبط عمله به لمدة خمسة وثلاثين عاما كان يمارس خلالها الكتابة الأدبية، لكنه ظل يسير في خطين متوازيين: الهواية الأدبية والعمل المرتبط بالعلم، ويرى أن تأثير دراسته العلمية يبدو في طريقة تفكيره ونظرته للأشياء، وعن تأثر أدبه بها يقول: طبيعة تكويني الذهني كمهندس كيميائي ساهمت في إثراء تجربتى الحياتية مما أثر على كتاباتي بالتركيز ‏والتكثيف والتحليل والتركيب والتفاعل، وكلها عناصر مشتركة بين الهندسة الكيمائية والهندسة الروائية، فالهندسة الكيميائية تحليل وتركيب وتكثيف وتركيز وتفاعل، والرواية تحليل شخصيات وتركيب أحداث وتكثيف للغة السرد وتركيز في عرض الفكرة دون إسهاب، وتفاعل بين المواقف والشخصيات في بعدي الزمان والمكان، وبوجه عام فإن لأسلوب التفكير العلمي أثره القوي والفعال على مستوي العمل الأدبي، والذي يجعل صاحبه متميزا عمن يكتبون في غياب تلك الخلفية المهمة، الأدب هو السحر الحلال والكيمياء هي سحر العلم، و"المبدع الكيميائي" مهووس بسحر كيمياء الكتابة.
‏ ويضيف سالم "عشقي للرواية جعلني أفضلها على القصة القصيرة في بادىء رحلتي لكني تعلمت بعد ذلك ان هناك مضامين لا يصلح التعبير عنها إلا في شكل القصة القصيرة وبينما غيرها تتسع له الرواية بثوبها الفضفاض. المهم أن ينجح الشكل الفنى في توصيل المضمون بما يحقق للقارىء الإمتاع والتنوير فهذه هي رسالة الفن الحقيقية. وهكذا كتبت قصصا قصارا  صدرت في إحدى عشرة مجموعة، بينما تبلغ رواياتي ضعف هذا العدد.
طفولة اليتيم
يرجع  الروائي ميوله الأدبية المبكرة لتجربة موت أبيه وهو بعد طفل، يقول: توفي والدي وأنا في الثانية من العمر تقريبا، حيث تولت أمي باقتدار عظيم إدارة شئون الأسرة بمساعدة ‏شقيقي الأكبر، كنت أصغر إخوتي لذا نلت قدرا كبيرا من الاهتمام والحنان، والحق أنني قد عشت حياة جميلة وسط أسرة متحابة متضامنة، تلقيت منها تعاطفا خاصا بسبب يتمي المبكر،‏ وشخصية اليتيم بطبعها تأملية.
ويضيف: لم يكن هناك من يجيب على تساؤلاتي الحيرى الكثيرة في طفولتي والناتجة عن ‏عشقي الشديد للتأمل والتفكير في معضلات إنسانية تفوق قدراتي العقلية كصبي، مثل الحياة والموت والحب ‏والزمن والكثير من المتناقضات المحيرة في الحياة لعقل ‏مراهق صغير، فكان أن لجأت للقراءة من صغرى أملا بالعثور فيها على الاجابة، وجدت نفسي مدفوعا للكتابة من قبل أن أتخصص في أي شيء علي سبيل الحوار الداخلي مع النفس، وبتطور الكتابة عرفت القصة والرواية وانجذبت إليهما بشدة باعتبارهما مجالا خصبا للتنفيس عن كل ما أنطوي عليه عقلي الباطن من حيرة وجودية. (خدمة وكالة الصحافة العربية)