الزمن الصيني الذي لم ندرك سرعته

صارت الصين تؤثث العالم بكل ما يحتاجه من الأحذية حتى الأقمار الصناعية.

الصين اليوم حاضرة في كل شيء. ما أن تمد يدك إلى شيء حتى تكتشف أنه صيني الصنع. من الالكترون إلى الملابس مرورا بالأدوات المنزلية. غرق العالم في بحيرة الصناعة الصينية.

الزائف والأصيل كلاهما يُصنعان في الصين. لا يمكنك أن تتكهن بمَن سبق الآخر. مَن يُقلد مَن؟ ولأن الصين لا تكذب فإن جودة البضاعة تظل حدا فاصلا بين ما هو حقيقي وما هو وهمي.

هناك في دبي سوق كبيرة اسمها السوق الصيني. بالنسبة لي لم تكن زيارة تلك السوق ضرورية غير أن أصدقاء كثيرين أوصوني بزيارته. كانت تلك الزيارة ضرورية لأتذكر الصين أيام فقرها.

لقد كدح البلد الملياري في أن يعثر على وصفته لعلاج الفقر العالمي. كانت تلك الوصفة تتلخص في صناعة بضائع زائفة بأرخص الأسعار. لا تزال الصين وفية لتلك الوصفة بالرغم من أنها صارت تنتج بضائع غالية الثمن هي التي تعرض في أرقى مخازن التسوق في العالم.

أتذكر أن جملة من نوع "صُنع في الصين" وكنا نقولها بالانكليزية كانت بمثابة إشارة إلى الرداءة. كنا نستعملها على سبيل المجاز فنقول قصيدة أو قصة كتبت في الصين.

لم يخطر في بالنا يومها وكنا صغارا أن الصين كانت تكتب أجمل الأشعار وترسم أجمل الرسوم وتنشئ أعظم المشاريع الزراعية والصناعية ويفكك علماؤها في المختبرات السرية نواة الذرة.

لقد عاشت الصين زمن الحرمان كاملا. تقشفت وعلمت شعبها الزهد وشد الحزام على البطون. كانت الثورة الثقافية خطاً جذريا غير أنه لم يستمر طويلا. انكفئت على نفسها فلم يهتم بها العالم.

"دعوا التنين نائما". كان ذلك هو شعار الغرب. شعار أشبه بنبوءة.

كان التنين يومها شيوعيا. ألا يزال شيوعيا اليوم؟

تعلم الصينيون أساليب وتقنيات فن السياسة الغربية بطريقة ماكرة. لقد حاربوا لينتصروا لا ليهزموا. في ظل كل ما رفعوه من شعارات وطنية وأممية كانت ماكنة الاقتصاد تعمل. كانت حربهم اقتصادية بالدرجة الأساس ولم تكن عقائدية.

اما نحن وسوانا من المغرر بهم فقد فهمنا الماوية (نسبة إلى الزعيم الصيني ماو تسي تونغ) بأنها طريقة في القتال الاممي.

كنا ماويين في الوقت الذي تخلى فيه الصينيون عن الماوية.

لم نكن ندرك أن الصين صارت بلدا آخر ولم تعد جملة من نوع "صُنع في الصين" تشير إلى الرداءة أو السعر الرخيص. صارت الصين تؤثث العالم بكل ما يحتاجه من الأحذية حتى الأقمار الصناعية.

انتصرت الصين ببرنامجها الاقتصادي العظيم لا بشيوعيتها.
كان الصينيون فقراء منسيين. اليوم هم أثرياء العالم. الشيوعية لا تزال ممكنة في ذلك البلد الشاسع. إنها شيوعية من طراز خاص. ذلك الطراز الذي يمكن أن يُقال عنه إنه "صنع في الصين".

وقد يبدو تسليط الضوء على كفاءة الاقتصاد الصيني وقوته نوعا من القفز على الحقيقة. كان بناء مجتمع متماسك يسعى الى التطور هو المعجزة التي بنيت عليها كل الإنجازات اللاحقة.

هناك ثقافة صينية خاصة في كل شيء. في السلوك الاجتماعي وفي النظرة إلى العالم وفي التعامل مع الثروة وفي تصريف الإنسان لشؤونه اليومية.

بعد أكثر من أربعين سنة على غياب الزعيم المؤسس ماو تسي تونغ تبدو مقولته عن الالف ميل التي تبدأ بخطوة واحدة واقعية أكثر من كونها نبوءة شاعر. فالصين اليوم لا تحتاج إلى أن تحصي خطواتها لتبتكر ألف ميل جديدة بعد أن تركت العالم خلفها.     

لقد ولد إنسان جديد لم يكن يوم القفزة الكبرى التي فشلت سوى فكرة.   

تلك هي واحدة من خلاصات الدرس الصيني الذي يشدد على قيمة النزاهة في كل ما يفعله الإنسان.

يوم استقلت الصين (الشعبية) كانت هناك دول عربية تفوقها تقدما. اليوم لا مجال للمقارنة بين الجانبين. الزمن الصيني أكثر سرعة بما لا يقبل أية مقارنة.