النفاذ بعمق لعالم العلاقة المثلية في "عام اللؤلؤ"

المترجم خالد البلتاجي يرى أن "عام اللؤلؤ" من أبرز الأعمال الأدبية التشيكية في الألفية الثالثة بسبب موضوعها الذي نال إعجاب النقاد والجمهور على حد سواء.


أكثر من ربع صفحات الرواية لا يتناول موضوعها الرئيس وهو العلاقة المثلية بين شابة ومحررة في منتصف العمر


علاقة الحب بين سيدتين في رواية "عام اللؤلؤ" ذات مغزى كبير وتشكل جوهر العمل

تعالج الروائية التشيكية سوزانا برابتسوفا في روايتها "عالم اللؤلؤ" عالم العلاقة المثلية برؤية إبداعية تختلف كثيرا عن المعالجات المطروحة أو تلك التي اقتربت منها الرواية العربية، فهي تتناول هذا العالم الهامشي والمسكوت عنه والمستتر بعمق نافذ ليكشف تفاصيل قضية هي بالأساس تتمثل في البحث عن الهوية، وهي تكتب دون حذر أو خشية حيث لا تتسلط عليها هواجس المجتمع والدين، وقد أبدع المترجم خالد البلتاجي في ترجمتها عن اللغة الأصلية ـ التشيكية وصدرت أخيرا عن دار كتب خان.
وسوزانا برابتسوفا (1959 - 2015) - كما أشار البلتاجي - أديبة تشيكية من مواليد براج، ولدت في أسرة تشتغل بالأدب، الأب ناقد أدبي معروف والأم مترجمة ومحررة. منعت من الدراسة في الجامعة لأسباب سياسية إبان الحقبة الشيوعية، فعملت في وظيفة أمينة مكتبة، فلاحقها النظام، ولم تستطع مواصلة عملها، حتى اضطرت إلى أن تقبل وظيفة عاملة نظافة في إحدى المستشفيات. 
نشرت أعمالها قبل الثورة عام 1989 التي أنهت النظام الشيوعي في دور نشر سرية. ثم صدرت أولى روايتها "بعيدًا عن الشجرة" 1987، وكانت أول الأدباء الذي حصلوا على جائزة يرشي أورتل الأدبية بهذه الرواية. 
اشتغلت بعد الثورة في وزارة الخارجية، ثم عملت في مجال النشر. حصلت روايتها التالية "بلد اللصوص" 1995، على اهتمام كبير من قبل النقاد الأدبيين لكنها لم تلق قبولًا كبيرًا لدى القراء. 
أصدرت روايتها "عام اللؤلؤ" 2000، وصارت من الروايات الأكثر مبيعًا في الجمهورية التشيكية في وقتها. توقفت عن الكتابة إلى أن أصدرت عام 2012 روايتها الثالثة "الأسقف" والتي صدرت نسختها العربية تحت عنوان "ديتوكس". 

صدرت لأول مرة عام 2000
حدث فني مهم في تاريخ الأدب التشيكي

ورأى البلتاجي - وهو أستاذ اللغويات والترجمة بكلية الألسن جامعة عين شمس. حاصل على دكتوراه في علوم اللغة التشيكية - أن رواية "عام اللؤلؤ" من أبرز الأعمال الأدبية التشيكية في الألفية الثالثة بسبب موضوعها الذي نال إعجاب النقاد والجمهور على حد سواء. صار العمل محورًا أساسيا للمناقشات الأدبية فور صدوره. أكثر من ربع صفحات الرواية لا يتطرق من قريب ولا من بعيد إلى موضوعها الرئيس وهو العلاقة المثلية بين محررة في منتصف العمر وشابة في بداية عقدها الثالث. يدور هذا الجزء في مصحة نفسية. من لا يلق بالا للبنية السردية المحكمة سيجد نفسه مأخوذًا في قراءة حكايات متعددة لأشخاص بائسة قادتهم أقدارهم الي مصحة للأمراض النفسية، ومن بينهم بطلة الرواية "لوتسيا"، التي تأخذنا في الفصول التالية إلى حالة حب درامية وقدرية بين البطلة لوتسيا والفتاة الشابة المستهترة ماجدة بكل مجونها وسقطاتها. 
وأوضح "زيارة قدرية لنادي المثليين والمثليات اعتبرتها لوتسيا خطوة أخرى لتجنب أزمة منتصف العمر. تلتقي بفتاة في بداية العشرين اسمها ماجدة. تستأجران معًا شقة بأحد أحياء مدينة براج. حيث يقضيان معًا عامًا كاملًا. تنتهي العلاقة بصورة درامية، حيث تعلن ماجدة عن انفصالها عن لوتسيا بسبب علاقة أخرى مع رجل أو ربما امرأة. وهو ما اعتبره لوتسيا خيانة لها، فيتبع الانفصال محاول قتل وانتحار. ثم تأتي مرحلة إدمان الخمر وتظل مسألة التحول في توجهاتها الجنسية محركًا لها في علاقاتها وهاجسًا يلاحقها في علاقاتها بمن هم حولها".     
ولفت البلتاجي إلى أن رواية سوزانا برابتسوفا عندما صدرت لأول مرة عام 2000 كانت الروايات التي تعالج قضية المثلية الجنسية في الأدب التشيكي نادرة. لذلك كان صدور هذه الرواية بمثابة حدث فني مهم في تاريخ الأدب التشيكي، حالة فنية مختلفة فتحت الباب لموضوع شبه مسكوت عنه، حيث تتناول الرواية بقدر غير مسبوق من الصراحة والانفتاح أحد التابوهات، ما أثار فضول القراء ووسائل الإعلام، التي لم يبد بعضها اهتماما ملموسا بإبداعات سابقة لبرابتسوفا. وصارت الرواية الأكثر مبيعًا في عام 2000.
وقال إن "عام اللؤلؤ" لا يمكن اعتبارها رواية لكل القراء ولكل مستويات القراءة. من المؤكد أنها ليست كذلك. فقد ينفر منها القارئ الساذج بمجرد أن يقلب أولى صفحاتها. يلتقي القارئ ببطلة الرواية لوتسيا لأول مرة في مصحة للأمراض النفسية، أو ربما بالأحرى في مستشفى للأمراض العقلية. 
نعرف جيدًا الآن وبعد قراءة الرواية السبب الذي دفعها إلى دخول المستشفى. تتشكل ملامح حكايتها تدريجيًا وكأنها قادمة من وسط الضباب والفوضى. ليس غريبًا أن لوتسيا – البطلة والراوية تحاول أن تتجاهل الماضي الذي كان سببًا في حالتها هذه، وتدفع به إلى أعماقها كي تنساه، إلى منطقة اللاوعي. من الإشارات والأشتات نصل إلى ذكريات أكثر وضوحًا مع نهاية الرواية، إلى سرد أكثر اتساقًا وتسلسلًا. 
أسلوب الحكي هذا، رغم تأثيره القوي وبنيته المحكمة يأخذنا بعيدًا عن موضوع الرواية التي تم الإفصاح عنه، بداية من غلاف الكتاب ومن كل المراجعات التي كتبت عنها، وكانت أساس الدعوة لقراءة الرواية. 
ظهرت في السنوات الأخيرة في الأدب العالمي كثير من الروايات تعالج قضية المثلية الجنسية. نشعر في كثير منها بمحاولة الأديب تأمين عناصر النجاح التجاري لعمله، وهي محاولات وصلت في بعض الحالات إلى مستوى مضحك يخل بجودة العمل الأدبية بكل تأكيد. لحسن الحظ لا يمكن  أن نصنف "عام اللؤلؤ" ضمن هذا الفصيل من الأعمال الأدبية.
علاقة الحب بين سيدتين في رواية "عام اللؤلؤ" ذات مغزى كبير وتشكل جوهر العمل الذي تنسج حوله الأديبة موضوعات أخرى. قد يرى البعض أن هذه العلاقة يمكن استبدالها بعلاقة بين رجل وامرأة دون أن تتأثر بنية العمل، لكنه سيكون ضربًا من التحايل والنفاق". 
وأضاف البلتاجي إلى أن سوزانا برابتسوفا في "عام اللؤلؤ" تعالج مشكلة بطلة الرواية والراوية لوتسيا مع قضية البحث عن الهوية. لم تعبر الأديبة عن الموضوع فقط من خلال الرؤية المشتتة والمشاهد الضبابية المتداخلة، وهو أمر شائع في الأدب التشيكي المعاصر، لكن أيضًا من خلال النظرة الخارجية لما تشعر به لوتسيا، وبالمشاهد التي تتعرض لها ابنتها. 
تظهر في الرواية بعض المقاطع التي تختفي فيها لوتسيا كراوية بضمير المتحدث، ويكون الحكي فيها بضمير الغائب. كما يتناوب السرد أكثر من راو في بعض الأجزاء. وصف الحدث من وجهة نظر أشخاص مختلفة يمكن القارئ من التغلغل في القضية. تتسق الضبابية التي تحدثنا عنها مع مشكلة البطلة في إدمان الكحول والذي حولها إلى شخصية مُدمّرَة، قادها إليه فشل علاقتها بـ ماجدة صديقتها.
ولفت إلى أن برابتسوفا منحت بطلتها كثير من حياتها هي شخصيًّا. ليس فقط عملها كمحررة صحفية، وعمرها، بل أيضًا توجهاتها في الحياة. رؤيتها كامرأة مثقفة وتأثرها بكتابات كثير من الأدباء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مثل كتابات بوهويل هرابال، وإيدجر آلان بو، وجاك لندن.
وكشف البلتاجي عن أن قضية الثأر تظهر في الرواية بصور مختلفة. مرة عند لقاء لوتسيا بـ فيتاك وخططهما المشتركة للثأر من الرجل الذي غرر بفتاته، وفي مواضع أخرى من خلال رغبتها في الانتقام من ماجدة التي كانت السبب في تدمير علاقتهما:
"رأيت أشكال الثأر التي لا تنتهي تخرجاني من حالة الثمالة التي تعرضت لها اليوم. راحت الحياة تدب فيها واحدة تلو الأخرى، وأنا أظهر من وسط ظلام الحقيقة، عائدة إلى نور الوهم الهادئ. أخذت أتذوق صورة الثأر، مثل من يتذوق الطعام، أستمتع بإلهام الألعاب النارية التي اشتعلت".

سوزانا برابتسوفا
سوزانا برابتسوفا 

وأكد أن السمة الأساسية للكتابة الأدبية النسائية في التشيك في نهاية القرن العشرين هي النظرة المحايدة تجاه جسد المرأة. اتجاهات مماثلة ظهرت في الأدب العالمي، ليس فقط في الكتابة النسائية. مثل هذه الاتجاهات وجدت طريقها إلى الأدب التشيكي بعد سقوط الشيوعية في نهاية ثمانينيات القرن العشرين وما أعقبه من إفراط في مثل هذه المعالجات. حضرت هذه التحولات جلية في رواية برابتسوفا "عام اللؤلؤ" التي جعلت من المرأة مرادفًا للدموع واللعاب والدم والإفرازات. في سياق آخر تستخدم الأديبة رمز الدم ودودة الأرض التي تشير في الرواية إلى شيء كريه لزج: 
"ألتقي أناسًا يحملونني بكل الحب إلى عنان السماء، أو بالعكس، يلقونني إلى أسفل سافلين... أم أن الخطأ خطأي، أن أعتقد أن الأمر كان سيختلف تمامًا لو أنها لم تخاطبني فوق سلم المدرسة. لو أن "يرشينا كوبيشتوفا"، تلك الفتاة اللئيمة التي طعنتها يومًا في الحلم بالبوصلة، هي من أراد أن يستعير ذلك اللوح. في الحصة الأولى قمت مع "بونكا" بتشريح دودة الأرض، لكني بدلًا من جهازها العصبي، رأيت في الميكروسكوب جسد "كوبيشتوفا" خامدًا أبيضَ وسمينًا. منقطًا باللون الأحمر الناصع وكأنه لوحة منقوطة لـ "سيجناك". تعرفين أني شعرت بالغثيان، وبالكاد وصلت إلى الحمام. حمام الأولاد. لأن حمام البنات كان بعد حمام الأولاد ببابين، وأيضًا لأني تأكدت أن القوقعة هي الشكل الأفضل الذي يحتوي كياني المضطرب".
وختم البلتاجي بأن رواية "عام اللؤلؤ" هي شهادة عن قصة عاطفية عاشتها بطلة الرواية، عن فترة قصيرة من حياتها، عاشت فيها حالة حب عنيف. تجلت أمام القارئ بوهجها وانطفائها، وحالة الكراهية التي انتهت إليها. الطريقة التي اختارتها الأديبة مؤثرة للغاية، تجعل القارئ يتفاعل بشدة مع تقلبات لوتسيا النفسية التي أفضت بها إلى مشاعر عدوانية وإلى معاقرة للخمر.   
يذكر أن البلتاجي ترجم أكثر من عشرين عملا متنوعًا، بين نثر وشعر ومسرح، ودراسات متخصصة في علم المصريات والسياسة والاجتماع من اللغتين التشيكية السلوفاكية، منها رواية "الخلود" لميلان كونديرا، و"قوة المستضعفين" لفاتسلاف هافل، والأعمال الكاملة لفرنز كافكا، الجزء الأول والثاني. البلتاجي عضو اتحاد كتاب مصر وعضو نادي القلم الدولي.