"الشيخ والوقائع الفاضحة" في الرومانس الشعبي الصيني

تجربة الكاتب الصيني الساخر ليو هونغ استوعبت مراحل تطور الكتابة الساخرة عند أجيال التحديث، واستفادت منها.


ليو هونغ أحد شهود عيان من جيل المثقفين في منتصف ستينيات القرن الماضي


التقاليد الكونفوشية تسببت فى إحداث نوع من الإعاقة المزمنة لكل أنواع الكتابات الفكاهية

القاهرة ـ من أحمد مروان

يبدو الأدب الصيني زاخرا بالحكايات والحكم الضاربة جذورها في عمق تاريخي يجعل من الثقافة الصينية، تمتاز بخصوصيتها التي لا تتشابه مع غيرها من الآداب الشرقية؛ حتى أن المترجم لقصص "الشيخ والوقائع الفاضحة" د. محسن فرجاني، يوضح سبب اختياره لهذا النص قائلا: "لأسباب كثيرة اخترت أن أترجم – ولأول مرة إلى العربية، بل لأول مرة في أي لغة أجنبية، تقريبًا – مختارات قصصية للكاتب الصيني الساخر ليو هونغ، فالباعث على تقدير أهميتها وجدارتها للترجمة، يتلخص في عدة أسباب أهمها أنها استوعبت مراحل تطور الكتابة الساخرة عند أجيال التحديث، واستفادت منها. 
أدركت ضرورة التواصل مع طابع الرومانس الشعبي الأصيل في مواريث الرواية الصينية؛ كما أنها تفاعلت "ميدانيًا"، مع تجارب أو بالأحرى، تجربة التلاحم الثوري وسط البيئة الثقافية المحلية، مما أتاح لها فرصة رؤية واقعها الاجتماعي، والجدل معه، إبان فترة مهمة من تطور الصين. أتاحت مادة قصصية معبرة عن جوانب متخيلة مما ترسب في الوجدان، فرديًا أو جماعيًا، عبر كتابة إبداعية حاضرة في مشهد الثورة الثقافية الصينية".
يعتبر ليو هونغ في الأدب الصيني كاتب من جيل "الفترة الجديدة"، وبانتمائه إلى طائفة كتاب ما سُمي – في الساحة الأدبية الصينية في منتصف ثمانينيات القرن العشرين بـ "أدب الجراح"؛ وأهم من هذا كله، فثمة سبب جوهري يتصل بكونه أحد أولئك الذين عاشوا تجربة الثورة الثقافية؛ أحد شهود عيان من جيل المثقفين في منتصف ستينيات القرن الماضي، ممن شاركوا في الأحداث، وصاروا جزءًا من أهم حلقات التاريخ الحديث في بلادهم، واستطاعوا – فيما كتبوا من أجناس أدبية مختلفة، أن يحفظوا للذاكرة الإنسانية، في بلد اشتهر بالتدوين من قديم، لكنه آثر أن يطوي أوراق الثورة التي هزت أركانه، مدونات باقية تحتفظ بكثير من تفاصيل المشهد، الذي لن يجد أي باحث أو مؤرخ أو مدقق أو مطلع أو أي قارئ – في أي ركن من أركان العلم – مصادر "رسمية" موثقة تعطيه فكرة صريحة وواضحة عما حدث فى الصين إبان الفترة من 1966 إلى 1986، على وجه التحديد.
ورغم هذا لا يمكن اعتبار أن هناك غلبة للطابع التسجيلي في كتابات ليو هونغ، بل نجد في قصصه مادة حكائية منخرطة كيانيًا في أجواء الثورة الثقافية الستينية، اندمجت في سياقها، واستطاعت أن تبلور منظورًا إنسانيًا لمشاهداتها، عبر كتابة ساخرة، لها الأسباب مؤهلة لمعالجات نقدية مركبة، وكاشفة.
اختار ليو هونغ الكتابة الساخرة، وهي نمط من الكتابة لم يكن مقدرًا له أن يحظى باحترام عميق من جانب التقاليد الكونفوشية الأصيلة، بل إن هذه التقاليد تسببت فى إحداث نوع من الإعاقة المزمنة لكل أنواع الكتابات الفكاهية، ولكل أشكال الإبداع التخيلي، سواء في القصة أو المسرح. 

لم يسلم من قبضة التعاليم المتزمتة سوى الشعر
لهذا النمط من الكتابة قدم راسخة في أدب الصين

ولم يسلم من قبضة التعاليم المتزمتة سوى الشعر، باعتباره حامل القواعد الفنية، عميد الأوزان والقوافي، والأقرب بمزاياه إلى الالتزام الفني والانضباط وفق معايير جمالية صارمة، مما يؤهله لأن يكون تعبيرًا رمزيًا راقيًا عن "قالب" القواعد الأخلاقية الصارمة، أيضًا بطبيعتها. 
أما الرواية والمسرح وباقي الأجناس، فقد اعتُبرت في الصين ضمن الانشغال الثقافي المنحط والحقير، وما تزال تقريبًا آثار من هذا المنظور المحافظ تتبدى في أوقات مختلفة.
يقول المترجم: "إن كثيرًا من الصينيين من الباحثين والمبدعين على حدٍ سواء، يتصورون أن الكتابة الفكاهية أو الساخرة جزء من تأثير غربي وفد إلى الصين، في ركاب حركة الثقافة الجديدة إبان العشرينيات من القرن الماضي؛ مع أن لهذا النمط من الكتابة قدمًا راسخة في أدب الصين؛ فقد جرى توثيقها نحو عام 2500 ق. م أي وقت ظهور أول كتاب فكاهي في تاريخ الصين الأدبي: كتاب تشوانغ تسي، وهو أحد المصادر المهمة فى الفلسفة الطاوية، الفلسفة التي شجعت ودعمت كل أساليب الهجاء والسخرية والفكاهة القديمة."
جاء ليو هونغ من خلفية ريفية، فهو من مواليد 1933 ببلدة "تشونغ تشينغ"، بإقليم "سيتشوان"، غرب الصين، وظهر إبداعه في زمن ثورة بدأ كتابة القصة فى عام 1952، أي قبل تخرجه فى قسم اللغة الصينية بجامعة سيتشوان بعدة سنوات. وشهدت سنوات إبداعه الأول انتصار الثورة الاشتراكية بتأسيس الجمهورية، وهو الانتصار الذي شجع على المراجعة النقدية لمنجزات حركة الثقافة الجديدة، وتطرقت المناقشات – فى بعض منها – إلى التنديد بمثالب الحركة، ومن بينها: انقطاعها عن الروح "الثورية" الأصيلة في تقاليد الإبداع الصيني. 
ويبدو أن أسبابًا للفوران احتشدت فى تلك الأيام وهيأت الأجواء للثورة الثقافة الكبرى، فانطلقت في 1966، وعاش ليو هونغ سنواتها العشر كاملة؛ وتقريبًا، فقد كان شاهد عيان على كثير من التفاصيل التي تراكمت – فيما بعد – لتكون ضمن فصول مجموعته القصصية الساخرة وروايتيه الوحيدتين: "شقشقة البلابل"، "ابنة الحجَّار الذي يعاقر الخمر".
الرومانس الشعبي
بدأ ليو هونغ في أول الثمانينيات يدرك معنى ما حدث أثناء الثورة الثقافية، وبدأ يعرف ما يتوجب قوله؛ خصوصًا أن حياته الطويلة في الريف، وتأثره برواد القصة الحديثة، وتجربته الطويلة في الكتابة، قد هيأت له القدرة على خلق سرديات وصفية عميقة تستلهم تقنية الرومانس الشعبي ببراعة فائقة استطاعت أن تنقل صورة لمأساة، وبطبيعة ميله الشخصي إلى الفكاهة، وبالظروف التي أحاطت، موضوعيًا، بتشكل الرواية الصينية الحديثة في نسختها الساخرة على يد لوشون، لا وشه، تشانغ داي، شن تسونغ ون .. إلخ، وبتوجه الساحة الأدبية – في أول الثمانينيات – إلى تيار "أدب الجراح"، فقد كانت الفرصة مهيأة لكي يُخرِج من جعبة الحكايا الكثير. وقد كان… لكن وقفةً أخرى مع تلك العناصر يمكن أن تقرب لنا فهم الأجواء الفكرية التي أحاطت بإنتاج مجموعته القصصية التي نتكلم عنها، بل كتابته الروائية عمومًا.
يذكر أن كتاب "الشيخ والوقائع الفاضحة" لمؤلفه ليو هونغ، ترجمة د. محسن فرجاني، صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة ، ويقع في نحو 268 صفحة من القطع المتوسط .(خدمة وكالة الصحافة العربية)