جماليات العمارة في نصوص نافلة ذهب

الكاتبة التونسية لم تبرز العمارة التقليدية في المدينة العتيقة كنمط لثقافة أبوية تحرم الشخصيات الأنثوية من الحرية.


الفضاء الواقعي الهندسي يرتبط بالزمن القديم وتأثيره على البناءات القديمة


الزقاق مكان انتشار الجريمة والذكورة الحربية ولمعان لون السلاح الحديد

بقلم: هيام الفرشيشي

العمارة في السرد القصصي هي فضاء واقعي وقع هندسته لارتباطه بسياق ثقافي اجتماعي يبرز خصوصية هندسة المدن كوعاء لنمط عيش ومعتقدات معينة وإبراز دورها في تشكيل أحاسيس الشخصيات القصصية واستثارة الحس الجمالي لديها، خاصة إذا التقطت عين المبدع أبعادها ومميزات هندستها وعايش بين أطرها صورا وذكريات لم يطمسها الزمن. 
فالعمارة ذاكرة المكان والزمن زاخرة بالشخوص والشخصيات وهي ملاذ للخيال والإحساس خاصة إذا كانت فضاءات للاختلاء بالنفس والتأمل، والتخييل، وذلك ما نستشفه من خلال بعض نصوص القاصة نافلة ذهب في مجاميعها القصصية المختلفة وخاصة في "حكايات الليل" و"هارون يأخذ المنعطف".
يرتبط الفضاء الواقعي الهندسي بالزمن القديم وتأثيره على البناءات القديمة، ويرتبط بالليل كزمن أسطوري يغيب عنه الضوء الطبيعي حيث ينتقل الليل عبر أبواب المدينة العتيقة مستنيرا بضوء الفوانيس الاصطناعية ينتشر على جدران مبرقعة، تقشر طلاؤها، حجارتها رملية بارزة وقد خطت السنوات خدوشا ونتوءات بارزة عليها. وانبرت تفاصيله المرئية وألوانه البارزة في عالم الليل. 
فألوان جدران الزقاق أرضية رملية جافة. الزقاق مكان انتشار الجريمة والذكورة الحربية ولمعان لون الحديد (السلاح الحاد): "رأى الليل نصل سكين يلتمع، يستفز ظلام الليل ثم يهوى به حامله على عنق الرجل الراكض أمامه".
كما عكست العمارة شاعرية ألوان ترمز للتأمل والأحاسيس الشفافة في فناء الدار تحت ضوء القمر، فالهوام الصغيرة تتطاير هنا وهناك. وتصبغ الجدران بلون أزرق شفاف كحرير الموج بينما ماء الماجل وسط الدار فضيا يمنح للفضاء برودة. 

حيز فني جمالي تخييلي
الكاتبة نافلة ذهب

فناء الدار "رئة للتنفس" في ظل هندسة الحجاب ذات الثقافة الخصوصية، وعزله العالم الداخلي عن العالم الخارجي: "لم تصمد يا سادة في هذا البيت سوى قطعة السماء المشرفة على فنائه كورقة شفافة. كانت رافقت من عاشوا هنا لفناء مفتوح على السماء على ضوء النجوم حين ينعكس على الماء يصبح له طاقة علاجية تشفي آلام المفاصل".
والفناء المنفتح على السماء مصدر تشكيل بصري جمالي بانعكاس ضوء القمر ورسمه لأصص الزهر، فالقمر ينير أركان وزوايا للفناء، يبث الحس المرهف لتحويل المشهد إلى رسم إبداعي بتلوينات جديدة. تلتقطه القاصة برؤيتها الفنية. إذ يبدو المكان أكثر جمالا في قصة "ماء النجوم" حيث ترتسم الراوية واقفة إلى جانب الدرابازين المطل على صحن الدار تتأمل خيوط القمر الفضية ترسم أصص الزهر وهي تقعى في الأركان الأربعة ودلو الماجل يرتشف قطرات ماء علقت به. والأبواب المواربة تتناظر في وجوم "تنفذ على زمن ثمل في البيت العتيق ذي الأبواب السبعة المفتوحة على الفناء والتي تتبادل النظر في سكون. 
فهندسة العمارة مهمة وخاصة الأحيزة الفراغية عند تخطيط الدور العتيقة والتفنن في تصميم الفناء والماجل لتشكيل جو بديع عند نفاذ مصادر إضاءة طبيعية أو صناعية فتتراءى ألوان متعددة وتولد الصور والخيالات تستحيل إلى أحداث ملونة وقصص تسرد بوسائط مرئية تشكيلية تتغير وتتلون باختلاف درجات النور. تتراكم في الذهن وتستكين في ذاكرة المكان لتشكل تصميم القصة انطلاقا من هذه الخبرات الفنية مع الألوان والأضواء ذات الجمال الأخّاذ في لحظات خاصة، لحظات التأمل المنتشي لسماء متلألئة بالنجوم، مضاءة بنور القمر ترى فيها الأنثى مرايا ذاتها، فالفناء فضاء أنثوي حميمي.
وبذلك لم تبرز نافلة ذهب العمارة التقليدية في المدينة العتيقة كنمط لثقافة أبوية تحرم الشخصيات الأنثوية من الحرية، كما صورت ذلك آمال مختار وحياة الرايس وسعاد الفقي بوصرصار، وإنما أبرزت معالمها الجمالية بل صورتها كحيز هندسي يرتقي عن طريق المشاهدة إلى حيز فني جمالي تخييلي.