الإخوان وشهوة العمل السري كيف يتحوّل الفقيه إلى أداة تعبئة تنظيمية

الإخواني يعتبر المجتمع على ضلال وأنَّه لا بدّ من عمل سرّي لمواجهة الأوضاع الحالية التي تضيّق امتدادهم وتخنق وجودهم اللافت اعتباره الندوات العلنيّة كهفاً من الكهوف فالكهف بالنسبة له لا يعني الاختباء بالضرورة، وإنما يعني تكوين مؤسسات مدنية ذات وظائف مُختلفة.

لم يغير إنكار بعض الإسلاميين ضلوعهم في العمل السري من حقيقة وجود تنظيمات وخلايا إخوانية نشطة، حتى وإن لم تظهر للعلن بصورتها وهيأتها. وظلّت الاكتشافات المتوالية تظهر في مذكرات التائبين أو المتحولين هي المصدر الأغنى لمعلومات العمل التنظيمي الحقيقي لهذه الجماعات باختلافها. وحافظ الفقهاء أو الذين يعملون تحت لافتة رجال الدين على صورتهم المتعالية على التصريح بشرعية العمل السري والتنظيم الخاص وغيره. لذا فمن النادر أن يتورّط فقيه معروف في حديثٍ حماسي يشرعن فيه العمل السري، ويبيّن تكتيكاته. يعرض هذا التقرير إلى حالةٍ من هذه الحالات.

منتدى شباب علماء فلسطين.. يقام في تركيا

تحولت تركيا منذ منتصف عام 2014 إلى قبلة للإسلاميين، يقيمون فيها الاجتماعات ويلجؤون إليها حال طردهم من دولةٍ عربية أو غيرها. ومنحتهم علاقاتهم تسهيلات لعقد المؤتمرات والاستفادة المتبادلة من المزايا. لذا يمكن رصد عدد كبير من هذه المؤتمرات. من بينها مؤتمر نقلته قناة “الجزيرة مباشر”، لهيئة علماء فلسطين في الخارج، والذي عقد تحت اسم “منتدى الشباب الثاني” في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، فمن هي الهيئة بداية؟.

أشارت الهيئة في دعوتها إلى أن الندوة تأتي “لطرح الأسئلة الحائرة والقضايا الشائكة التي فجرتها الأزمات في عقول ونفوس وأرواح الشباب في لقاءاتٍ حوارية بلا حواجز ولا سقوف”[1]. ورأت أن تختار محمد الحسن الددو الشنقيطي، وآخرين[2] ليجيبوا على الشباب.

 “هيئة علماء فلسطين في الخارج”، تعرّف نفسها بأنها هيئة مستقلة لها شخصيتها القانونية وذمتها المالية الخاصة. تلخص رؤيتها في ما تسميه: جمع علماء الشريعة من أبناء فلسطين في الخارج تحت ما تسميه مظلة لـ”خدمة القضية الفلسطينية”. ولكن لا يخفى الانتماء التنظيمي للإخوان المسلمين لكل من يقرأ لائحة الأسماء المشاركة والأنشطة.

كغيرها من مؤسسات الإخوان الجديدة، تتخذ الهيئة مدينة إسطنبول التركية مقرا رئيسا لها[3] تحت ترخيص باسم ( FİLİSTİN DIŞINDAKİ ALİMLER HEYETİ DERNĞİ  )  يتكون المكتب التنفيذي من “تسعة – أحد عشر” عضوا، وللهيئة لجان منها: العلاقات العامة، الفتوى، الإعلام: يرأسها حافظ الكرمي، الفروع، الدعوة، وأمينها العام محمد الحاج. كما تتعاون مع روابط واتحادات ومؤسسات دينية أخرى، ويمكن اعتبارها واحدة من الأذرع الصغيرة لتنظيم عالمي ينتهي إلى “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” الذي يرأسه يوسف القرضاوي. ولها أنشطة مثل زيارة الهيئة لـ”حركة الجهاد الإسلامي” في لبنان، ومشاركتها في الحملات الدولية لإطلاق رائد صلاح. وترعى برنامج “للسائلين” الذي تبثه فضائية القدس (التابعة للجهاد الإسلامي)، وتظهر إحدى صفحاتها رسالة من وجدي غنيم احتفت بها الهيئة، نشرتها في موقعها[4]. كما تنشر مقالات للداعية السعودي لسلمان العودة[5]، وناصر العمر، وحواراً مع عبدالرزاق قسوم[6]. فضلا عن نشر مقالات يوسف القرضاوي[7]. كما استضاف حذيفة عبدالله عزام عام 2015 في إحدى ندواته[8]. وهي منضمّة بقضها وقضيضها لخدمة أجندة وأفكار “الإخوان المسلمين”.

لكن ما الرسالة التي نختارها؛ لشرح فكرة عودة “الإخوان” إلى تحضير جماهيرهم إلى مرحلةٍ جديدة من التعبئة؟ وهل يعاد طرح الأفكار السياسية عبر خطابات دينية أم العكس؟

يظهر هذا من تأثير المنتدى على مجموعة من الشباب الذين عملوا على تفريغ عدد كبير من الرسائل التي بثت. ومنها رسائل حول العمل العسكري، وآخر عن العمل التنظيمي السري وضرورة التأسي فيه بقصص قرآنية. وكان هنا دور رجال الدين.

 

كهف ولد الددو.. رسائل تنظيمية

تبسّط متحدثو المؤتمر كلهم، وأخذتهم الحماسة بشكلٍ واضح، فانفتحت العبارات الحالمة والتعليمات الصارمة ولم تتوقف إلا وقد أفضت بكل ما في النفس عن الحكم والآمال والتحدي، ولم ينتبه أحد إلى أن هذه المشاعر تفيض في الفضاء المفتوح والأسافير، ولا أحد يدري إن كان ذلك مقصودًا باعتبار القناة الناقلة قناة تجنيدية أكثر من كونها قناة إعلامية!.

بعد البث بشهور، قامت قناة تعبئة -يظهر تعاطفها مع الإسلامويين- على اليوتيوب بإعادة بث مقاطع مقتطفة من ندوة تركيا، ظهر فيها محمد الحسن الددو، رجل الدين الموريتاني، المعروف بطغيان الخطاب الفقهي على كل أحاديثه.

يشير الفيديو الخاص بولد الددو إلى أن منتدى الشباب هو كالكهف، لتحقيق التربية التي تحققالأخوة والتعارف. وأن هذا العدد هو الأصل أن يكون وتريا، لحسم الخيار، ويتقيد بالظرف الأمني الذي يحيط به، وأن أنسب الأعداد، الفردية. ويستشهد بذلك بآيات من القرآن الكريم، وأن الله لم يحسم ذلك وإنما وكله للظروف. ويتساءل عن ماذا يرمز الكلب، عن الاحتياط الأمني وأخذ الحذر، ويشير إلى أن في برنامج أصحاب الكهف نقطتان قيمتان يراد بهما أن تضافا لأنفسهم، قيمة الرحمة والرشد. الرحمة تكون فيما بينهم، والرشد حسن التصرف تجاه مؤسساتهم ومجتمعاتهم. وأن كل تربية تحتاج إلى تربية، لا أن تكون مجرد إلقاء ممل مخل. وعندما جاء العمل لأهل الكهف، قالوا ابعثوا بأحدكم، لئلا يتعرضوا لمشكلات أمنية.

الإخوان لا يراجعون أفكارهم

يعلق د.عبد الله حميد الدين، الباحث في “مركز المسبار”، على الفيديو والمؤتمر، قائلا “لا جديد في الكلام الذي قاله الددو. وهذا هو مصدر قلق من جهة، ومن جهة ثانية سبب آخر لتأكيد أنَّ التيّارات الإخوانية لا تراجع نفسها جذرياً، ولا تتخلى عن أسس الأيديولوجيا، وإنما تقوم بمراجعات تكتيكية.

مثال الددو ينطبق على التيارات الإخوانية التي تتستر بالديمقراطية وحقوق الإنسان والعيش المشترك”. مضيفا “الإخواني ما زال يعتبر أنَّ المجتمع على ضلال، وأنَّه لا بدّ من عمل سرّي لمواجهة الأوضاع الحالية التي تضيّق امتدادهم وتخنق وجودهم".

اللافت اعتباره الندوات العلنيّة كهفاً من الكهوف. فالكهف بالنسبة له لا يعني الاختباء بالضرورة، وإنما يعني تكوين مؤسسات مدنية ذات وظائف مُختلفة، وذات شرعية قانونية، تكون هي ملجأ الإخوان المسلمين وأماكن تجمعهم”، يواصل د.حميد الدين تعليقه، مضيفا “ما قاله الددو يحيلنا إلى ما قاله سيد قطب من قبله، حول العزلة الشعورية. الفكرة هي ذاتها مع إضافة عُنصر المؤسسات المدنية كأداة لتحقيق العزلة الشعورية”. مبينا أن “قطب والددو يعتبران المجتمع في ضلال مبين، ويريان أنَّ هناك ثلة من المؤمنين بحاجة إلى حماية إيمانها لئلا يتعرّض ذلك الإيمان للخطر".

حول توظيف قصة أهل الكهف -في حالة الددو- يشرح د.حميد الدين ذلك “الإخوان المسلمين يشعرون بالضغط الواقع عليهم، ولكنّهم يعتبرون هذا الضغط بسبب الظلمة، وليس بسبب التحوّلات الاجتماعية والثقافية التي دفعت الكثير من الناس للنفور عن الأخونة والإسلام السياسي عموماً”.

خاتمة وخلاصة… تطويع النص

إن حرف رمزيات القصة هنا إلى شيفرات سياسية أمر يفضح الحمولة التنظيمية التي تهزم الادعاء الإخواني، فتحويل الكلب الباسط ذراعيه بالوصيد إلى إشارة للعمل الحذر السري، والدعوة إلى الحذر من أجهزة الأمن، أمر يكشف مدى تغلغل عقلية الخليّة في أكثر الأذهان ادّعاء بأنها بعيدة عن التنظيم.

ناهيك عن التفويض الذي أخذ اعتسافًا من معنى إرسال أحدهم، واعتبار أن هذا التمثيل هو تمثيل مسلم به، وليس بالضرورة عنده أن يكون تمثيلاً انتخابيًا، ولا يغيب عن الحصيف متابعة دلالات عقد الفعالية في تركيا التي يتزعمها الرئيس رجب طيب أردوغان -الذي أعلنه القرضاوي قبل سنة ونيف سلطاناً للمسلمين عقيب حركة يوليو (تموز) في تركيا-.

تتراكم الإشارات الدينية التي يصرّ عليها علماء الإخوان، لإجبار قواعدهم على قبول أردوغان زعيمًا دون نقاش، ويتم لي أعناق النصوص بهذا الحال وغيره!