أسامة جاد يؤكد أن المشهد الشعري يعاني من حالة مجانية واضحة

الشاعر المصري يرى أن المشهد الثقافي في مصر يواجه حالة مزدوجة من السيولة ومن الاستقطابية في وقت واحد.


لقائي بالناقد السوري حسام الخطيب كان فارقًا بالنسبة لي


كنت حادا في حوار مع الناقدة اللبنانية يمنى العيد


خلو مناهج البنيوية من حكم القيمة الفنية للنصوص

يحظى أسامة جاد بحضور متميز في الحركة الثقافية المصرية بفضل ما حققته تجربته كشاعر وقاص وناقد من خصوصية في الرؤية والأسلوب، ليشكل إضافة مهمة في جيله الذي انطلق في التسعينيات من القرن الماضي، بالاضافة إلى ارتباطه العميق بمختلف الأجيال من الشعراء والقصاصين والنقاد، ومتابعته لإبداعاتهم ومشاركتهم قراءتها. 
بدأ بالشعر فأصدر "الجميلة سوف تأتي"، ثم كانت القصة "أحلام بيضاء رطبة"، و"صباح مناسب للقتل"، أما في النقد فلم يصدر أي كتب لكن حضوره كمناقش للكثير من الأعمال الشعرية والسردية تجلى في الوسط الثقافي، كما أنه أخيرا تولى مدير تحرير مجلة "فصول" النقدية. وبدأ يترجم حيث صدرت له رواية "أسنان بيضاء" للكاتبة البريطانية زادي سميث، وراجع ترجمة ديوان "زهور الأزاليا" لشاعر كوريا الكبير كيم سو وول.
يقول أسامة جاد: الشعر هو البدء، وهو المنتهى، في تصوري. ويضيف "كانت البداية مع الشعر بشكل رئيس، وتزامن ذلك مع بدايات دراستي الجامعية في القاهرة. كان ذلك في العام 1986. وكانت القاهرة أيامها تعج بحراك أدبي كبير: هناك أمسية في كل يوم تقريبًا، من نقابة الصحفيين، إلى الرابطة الإسلامية، وصالون د. عبدالقادر القط الأدبي، وندوة محمد جبريل في جريدة المساء، وندوة خيرات عبدالمنعم في عوامة على النيل في الزمالك، بالإضافة إلى الندوات المتنوعة في الجامعة، حلوان، ولقاءاتنا بشعراء وأدباء من الجامعات الأخرى. 
بالطبع كانت هناك بدايات سابقة أكثر عفوية، ارتبطت بفعل القراءة بشكل مركزي، عندما استوليت على مكتبة والدي بالكامل، لدى انتقالنا إلى بيت جديد في عام 1981، لتصبح القراءة فعلا يوميًا. كنت أقرأ كل ما تبلغه يدي، دون أي انتقاء. ثم جاءت مرحلة في الثانوية، عندما قرأت كتاب «المسرح» للناقد الكبير د. محمد مندور وأعددت بحثًا عنه ضمن مسابقة دراسية، فزت فيها بالمركز الأول على مستوى مدارس جنوب الصعيد، لكنني اضطررت للاعتذار عن عدم المشاركة في التصفيات العامة على مستوى الجمهورية لأسباب تتعلق بالدراسة. في تلك الفترة بدأنا في تأسيس جماعة أدبية مصغرة في النادي الزراعي في قنا، وبدأنا نقرأ محمود تيمور، ويحيى حقي، وطه حسين، والعقاد. أذكر أننا ناقشنا كتاب أنيس منصور «في صالون العقاد كانت لنا أيام» أكثر من مرة أيامها.
ثم كانت المحاولات الشعرية المبكرة، التي تطورت بعدها بشكل هائل في القاهرة. وعلى ذلك، يمكنني أن أقول إن القرار كان شعريًا خالصًا، غير أن نصوصًا قصصية كانت تفرض نفسها بين وقت وآخر، وبخاصة بعد قراءة الأعمال الكاملة للعظيم يحيى الطاهر عبدالله ويوسف إدريس من بعده، بينما كان النقد ممارسة تزامنت مع الشعر والقصة في مناقشاتنا الحرة في المنتديات، ومن بعدها في ظل د. عبدالقادر القط الذي كان سخيا جدا معي في ندوته الأسبوعية في مصر الجديدة.
ويكشف جاد أن كتابته الشعرية بدأت وفق مفهوم الشعر المدرسي "في البدايات نظمت أكثر من نص عمودي شابتها عيوب البدايات، وتراثية المعجم الشعري، الذي جعل بيتًا شعريًا لي يتناص مع أحد أبيات الشافعي قبل أن أقرأ ديوانه، الأمر الذي أدهشني كثيرًا وقتها. ولكن لم يمر وقت طويل قبل أن أطرق باب التفعيلة، بعد أن عكفت على الأعمال الكاملة لصلاح عبدالصبور وأمل دنقل قراءة وحفظًا، ومن بعدهما عبدالوهاب البياتي ومحمود درويش، ثم أدونيس وعفيفي مطر، والأخيرين نسخت بعضا من دواوينهما بخط يدي في دفاتر خاصة ما زلت أحتفظ بها إلى يومنا. 
فزت أيامها بالمركز الأول في لقاء شباب الجامعات في مجال الشعر، وبمركز متقدم في اللقاء نفسه في مجال القصة القصيرة، ثم أتاح لي عملي المبكر في دار «الغد» مع الشاعر العظيم الراحل كمال عبدالحليم أن ألتقي بشعراء الحداثة الشعرية وقصيدة النثر: تابعت طباعة ديوان محمد آدم «متاهة الجسد»، وديوان حسن طلب «زمان الزبرجد». كما شاركت في إعداد كتاب «قافلة الغد»، وهو ديوان جماعي لثمانية شعراء هم أحمد فؤاد جويلي صاحب مشروع الكتاب والذي رافقت تجربته طوال سنوات الدراسة وتعلمت منه الكثير، وياسر الزيات، ومؤمن أحمد، وأمجد ريان، وظبية خميس، واحمد الشهاوي، وإبراهيم داود، ومحمد عبدالوهاب السعيد. وشاركت بعدها في مهرجان «طيبة الأدبي الثاني» في عام 1991، وتعرفت على الأصدقاء فتحي عبدالسميع وأسامة البنا ومحمد جاد المولي، وكان لقائي بالدكتور عبدالقادر القط ملهما في السعي للتعرف على قيمة الأسلوب والبنية في تحديد بصمة الكاتب الأدبية (لعلك تذكر حادثة الهواء الأسود الشهيرة، والأزمة النقدية التي أثارتها).
وحول تأثير كل من النقد الأدبي والقصة القصيرة والشعر على أحدهم الآخر، يشير جاد إلى أن عمله في الصحافة أتاح له الالتقاء مباشرة بعدد كبير من رموز الأدب والثقافة في العالم العربي في مطلع التسعينيات وبعدها: نزار قباني، وبلند الحيدري، ومحمود درويش، والبياتي، ومحمد مهدي الجواهري، وشوقي بزيع، وممدوح عدوان، ومحمد علي شمس الدين، كما التقيت شاعر داغستان الأكبر رسول حمزاتوف، والمسرحي السوري وليد إخلاصي، وغيرهم، وأتاحت لي حواراتي معهم التعرف على عوالم متنوعة في الشعر وفي الثقافة، وعلى رؤى وآفاق شديدة الاتساع والفرادة. 

مجموعة قصصية جديدة
ندرة حقيقية في الدراسات التطبيقية 

غير أن لقائي بالناقد السوري الكبير د. حسام الخطيب كان فارقًا بالنسبة لي، عندما أشار إلى غياب هائل للنقد في خطة وزراء الثقافة العرب أيامها، إذ أغفلوا النقد تماما في تخطيطهم للثقافة العربية ومشروعاتها خلال 20 عامًا. ومع سفري في 1993 إلى سلطنة عمان، كان عملي في القسم الثقافي لجريدة «الشبيبة» فرصة كبيرة لتلمس واقع النقد العربي، ومجانيته المفرطة أمام التجارب الإبداعية وأمام النظريات الأدبية الحديثة. كانت هناك حالة من السيولة التي كثيرا ما بلغت حد الفوضى، الأمر الذي جعل «بؤس البنيوية» عنوانا غاية في الجاذبية بالنسبة لي، بل وكنت حادا للغاية في حوار مع الناقدة اللبنانية الكبيرة يمنى العيد، بسبب خلو مناهج البنيوية من حكم القيمة الفنية للنصوص، وبسبب انتصارها للتحليل النصي بغض النظر عن أهمية النص الفنية في ذاته".
ويلفت جاد إلى أنه توقف في تلك الفترة عن الكتابة الإبداعية، وتمترس وراء النقد الصحفي الأدبي على السواء، وكانت سنوات السفر فرصة حقيقية لتقليب المشهد في وجوهه المختلفة، كما كانت فرصة للانغماس في فنون أخرى كثيرة بحكم العمل: التصوير الفوتوغرافي، والفن التشكيلي، والسينما والمسرح: ممارسة ونقدًا. ومع العودة إلى مصر في 2005 أعددت ديوانا شعريًا تفعيليًا بالكامل، غير أنني كنت أشعر بغرابة تجربة التفعيلة بعد عكوفي على أعمال محمد الماغوط وأنسي الحاج على وجه الخصوص، الأمر الذي انتهى بإحراق مخطوط الديوان، وبداية تجربة شعرية جديدة مع القصيدة الحرة، تبلورت في ديواني الأول "الجميلة سوف تأتي"، ثم كان فوزي في مسابقة لجريدة الجمهورية عن مخطوط لمجموعة قصصية "أحلام بيضاء رطبة" مشجعًا لي في إنجاز مجموعة قصصية جديدة بعنوان "صباح مناسب للقتل".
ويرى جاد أن أهم سمات المشهد النقدي في مصر انغماسه في حقل الدراسات النظرية، التي لا تتعدى في معظم الأحيان "نقل" أو هي "محاولات نقل" النظريات النقدية الحديثة بدءًا من دراسات الشكلانيين الروس، مرورًا بمدرسة فرانكفورت وكميونة باريس، ووصولًا إلى نظريات التلقي عند أيزر وياوس. نحن نقرأ دراسات عامة عن الأسس والمناهج النقدية للسيميولوجيا والسيميوطيقا والجينولوجيا، للأسلوبية والبنيوية، ولنظريات الحجاج وتحليل الخطاب. 
غير أن ما نجد فيه ندرة حقيقية هو الدراسات التطبيقية التي تستكشف النصوص الأدبية المعاصرة، وتستنطقها جماليًّا وإبداعيًّا، وفق "عدّة نقدية" هي نتاج معظم تلك النظريات واكتشافاتها. نقدنا – في معظمه - تنظيري مستورد، وما نحتاجه حقيقة هو تطبيقات متنوعة للمناهج النقدية، تضيء أعمالنا الإبداعية المعاصرة، وتكشف عن طبقاتها الجمالية: في البناء وفي الأسلوب وفي المستويات المختلفة التي تصنعها الركائز النصية الجمالية والثقافية والاجتماعية على فرادتها وتنوعها. 
ويؤكد جاد أنه على الرغم من وجود حالة "انفجار" شعري هائل، أحدثته ربما وسائل التواصل الاجتماعي، ومنتديات الإنترنت والمدونات قبلها، إلا أن المشهد الشعري يعاني من حالة مجانية واضحة وسيولة فوضوية، تجعل كل شاعر جزيرة وحده، سواء على مستوى القيم الجمالية وراء النص، أو على مستوى مفهوم الشعر في ذاته. لا أتحدث هنا عن قصيدة عمود أو قصيدة تفعيلة أو نثر، وإنما أتحدث عن أسس جماعية مشتركة، عن مدارس شعرية أو جماعات أدبية تتبنى قيما جمالية تخصها، وتمارس مراجعات مستمرة في تجاربها. 
مر وقت في مصر كانت فيه جماعات شعرية مثل «إضاءة» رأس حربة تقود المشهد الشعري السبعيني مثلا. غير أن مقولات قتل الأب التي حملتها الثمانينيات والتسعينيات، ومقولات تفجير الحداثة والانتهاك فيما بعدها أسيء استخدامها في تصوري، لتنتقل الممارسة الإبداعية إلى حالة من المجانية المدهشة، التي زاد من وطأتها تفلّت مفهوم قصيدة النثر، واستعصائه على التحديد.
كانت للسيناريست الكبير محفوظ عبدالرحمن مقولة شهيرة مفادها أن مصر فيها أكثر من 18000 شاعر، قالها في معرض السخرية، غير أن العدد اليوم أضعاف هذا الرقم بالتأكيد.
لا أنكر أن المشهد الشعري يضم أسماء كثيرة شديدة الأهمية والتفرد، وتجارب شعرية ذات خصوصيات فارقة، تتجلى في القصيدة الحرة وقصيدة النثر على حد سواء، ولكنها تظل تجارب أصيلة بأصالة مبدعيها، وشغلهم على تجاربهم، بينما أتحدث عنها عن المشهد في عموميته لا عن تلك التجارب والعلامات الشعرية التي حققت وجودها وفرادتها بالممارسات الفردية لمبدعيها.
ويرى جاد أنه كعادة كل لحظات التحول الاجتماعي والسياسي، يواجه المشهد الثقافي المصري حالة مزدوجة من السيولة ومن الاستقطابية في وقت واحد: السيولة التي أتاحها الانفتاح الهائل على تجارب وفنون وآداب إنسانية واسعة بصورة لم تكن متاحة فيما قبل عصر العولمة، والاستقطابية التي تقودها خيارات أيديولوجية واجتماعية وجمالية أيضًا. هي حالة ثرية للغاية بمعنى ما، غير أنها - على ثرائها - عصية على التحديد في منهجيات ومذاهب جمالية، أو في مدارس أو أجيال أدبية، كما كان الأمر منذ عدة عقود. 
غير أن الرائع في الأمر هو الوصول إلى حالة من «الأناركية» الثقافية العامة التي تترك لجميع التجارب فرصتها الحرة في الوجود وفي الاستمرارية، ليظل النهر فتيًّا، يحدد مساره وفق حالة من الدافعية الذاتية للفعل الثقافي، بدون توجيه مسبق، وبدون غائية مؤسساتية، وإن حاولت المؤسسة غير ذلك.