أيمن زيدان.. تفاصيل وأوجاع الليلة الرمادية

في عينيه وجع لا يوصف، وكأنك ترى الشام فيهما، وجبل قاسيون على ظهره، ونواعير حماة تنزف المياه من عينيه، ورائحة بحر طرطوس في جسده.


كان عنيدا في "الخشخاش"، مجرما في "قاع المدينة"


أضحكني في مسلسل "جميل وهناء"، وأبكاني في "الجوارح"

بقلم: حسين السنونة

الفجيرة مدينة البحر والجبال، لم أكن أتوقع أنها ستحقق لي أمنية قديمة جداً جداً جداً، بعد أن هبطت الطائرة في مطار دبي، وركبت السيارة التي ستأخذني لمكان الإقامة المحدد من قبل مهرجان الفجيرة للفنون، وصلت للفندق وجلست على أريكة، متعباً من الطريق الطويل، وكعادتي أسأل مَن هم ضيوف المهرجان؟ وأعطاني أحد الإعلاميين ورقة تحوي أسماء المدعوين من الفنانين والكتاب، ووقع نظري على اسم طالما تمنيت أن ألتقي به، وهو الفنان والكاتب والمخرج أيمن زيدان، أخذت نفساً عميقاً كأنني أستعد لسعادة مقبلة، سألتُ هل جاء؟ قالوا: لا.. كنت في الفندق الذي سينزل فيه زيدان، ولكنه خاص بالفنانين فقط الضيوف الكبار، أما الإعلاميين فسينزلون في منتجعات متفرقة، ولكن اللقاء سيكون في افتتاح المهرجان.
في مساء اليوم الثاني للمهرجان، كان موعد تحقيق الحلم، شيء غريب أثناء جلوسي على أحد الكراسي المخصصة للإعلاميين والحديث مع الزملاء والزميلات من مختلف الدول العربية، نسيت من انتظر أن التقي به، ويمر الوقت وإذا بزميلة من المغرب يخرج منها شبه صرخة لذيذة: إنه أيمن زيدان، لا شعورياً وقفت على قدمي أنظر، وهي تقول لي: هناك هناك، حتى وقع بصري على ذلك العملاق الذي أحببته من خلال أعماله المتميزة، الذي أضحكني في مسلسل "جميل وهناء"، وأبكاني في "الجوارح"، كان عنيدا في "الخشخاش"، مجرما في "قاع المدينة"، عنيدا وفارسا في "الجوارح"، بطل يجعلك تبكي في "نهاية رجل شجاع"، متمكن وقوي في "تاج من شوك"، كان قمة الروعة في كل مسلسلاته من "عودة عصويد" الى "حرائر"، وكذلك في الأفلام السينمائية، سواءً كان مخرجاً أو ممثلاً.

بعد انتهاء حفل افتتاح المهرجان كان اللقاء والسلام على الضيوف، وكانت هي الفرصة لي،  كان هناك مجموعة كبيرة من الفنانين والفنانات، ولكن هدفي كان أيمن زيدان أبو غالب وحازن ونورة والراحل نوار، ويمنى وجودي، اقتربت منه كثيراً، والكثيرون يريد السلام عليه، ولكن قفزت بعد قلبي إليه، تم عناق الأيدي، ولكني رفضت إلا أن أقبل رأسه، ولم أكن أقبل رأس من لحم عظم ودم وشحم، بل فكر وثقافة ووعي إنساني رائع. 
نظرت إليه وفي عينيه وجع لا يوصف، وكأنك ترى الشام فيهما، وجبل قاسيون على ظهره، ونواعير حماة تنزف المياه من عينيه، ورائحة بحر طرطوس في جسده، وجمال كسب في كل جسده، وأثار تدمر القوية في ذاكراته، وجمال لحيته البيضاء التي تشبه قلوب أهل الشام. 
حزنه كبير على دمشق، التي فتحت صدرها لكل العرب، حتى الذين تآمروا عليها، ظهره منحنٍ قليلاً، ولحيته بيضاء، وكأنها سماء في يوم ظهيرة صيفي، قلت له كلاماً كثيراً "لربما لا يعنيه ما قلت، أو أن رأيي فيه لا يهمه، فهو لا يحتاج إلى شهادتي". رد علي بذلك الصوت الجبلي الشامي، شكرا لك  الله يخليك ويحفظك، ممنون لك.
انتهى اللقاء، ورجعت مع المجموعة الإعلامية إلى المنتجع، ولكن هناك من رأى دموعاً في عيني، وفرحة في صوت قلبي، تلك الإعلامية التي كانت كثيراً ما تتحدث معي، كل هذا من أجل رؤيتك لأيمن زيدان، لو كان يعلم لبعث لك تذكرة لتذهب لسوريا أو جاء هو إليك في بلدك، فاصطبحت حديث أكثر من عشرين صحفي وإعلامي في تلك الحافلة الكبيرة، حتى وصلنا إلى المنتجع.

لم أتناول العشاء، ذهبت للغرفة مباشرة ونمت وأنا سعيد كأني فارس للتو راجع من معركته، منتصر نام وهو يحتضن سيف النصر، في اليوم الثاني التقيت به في قاعة المسرح، يجلس بعيداً عن الكل، يفتح كتابه الإلكتروني ويقرأ الكثير، يريد الاقتراب منه، لا يجيد الثرثرة، ولا يحب الاستعراضات الثقافية والفنية والسياسية، مثل ذلك الممثل الطويل الذي "صرعني" بأنه مثقف وسياسي ومعارض، كانت بالنسبة لي فرصة أخرى اقتربت منه فقلت له: أحببناك في شبابك، في "نهاية رجل شجاع"، أضحكتنا في "يوميات مدير عام"، ولكني لم أستطع أن أكرهك في "قاع المدينة"، كان جوابه ابتسامة  التي تشبه تلك النجمة، التي تحاول الوصل إلى وجه القمر، خرجتُ من المسرح لأهاتف عائلتي، وبينما أنا كذلك وإذا هو أمامي يخطو بخطوات متعثرة، كأنه مكسور الجناحين، وقفنا دقائق، اعتذرت له على محاولتي الوقوف والجلوس معه أكثر من مرة، قال لي: أبداً عزيزي نتشرف بك، وصلنا لمكان المهرجان حيث الجلوس وشرب الشاي والقهوة، كان يعشق الصمت والعزلة حتى في وجود جحافل من البشر، رغم أن الكثير يريد أخذ صورة معه والحديث، ولكنه كان بقدر الإمكان يبتعد، وعيناه تتحدثان بشكل معلن، حركات جسده تصرخ بما في خاطره وقلبه، لربما تساقطت تلك الشعارات العربية التي كانت ترافقه، أو أن في فمه ماء، ولم يكن ماء يقين، وكأنه يريد أن يلقيه في وجوه المنافقين الذين يتحدثون عن الحرية والديمقراطية، وهم في الواقع قتله مجرمين، وأكيد سقط الكثير من ذاكرته واحترامه للذين شربوا دماء الشعب السوري وقطعوا أجسادهم وراثة من هند التي تتلذذ بأكل الاكباد.
اقترب الرحيل واتجهنا الى المطار وإذا بصديقي الإعلامي يقول كل شيء قلت عن أيمن زيدان ولكنك نسيت شيئا وهو أن تكون لك معه صورة للذكرى. 
تحياتي لك أيمن الإنسان المثقف الواقعي شكرا لكل تفاصيلك، وأوجاعك وأن تتحول لياليك الرمادية إلى ليالي فرح وسعادة.