محمود سعيد وعصمت داوستاشي .. حديث الفنان للفنان

سميحة رياض (زوجة الفنان) كانت ملامحها الشرقية ملهمة له فصورها في مجموعة لوحات على فترات مختلفة.


لوحات محمود سعيد تنبض بالحياة


لوحة "ذات الجدائل الذهبية" هي الأكثر تعبيرا عن أسلوب محمود سعيد الذي عرف به في قمة نضجه الفني

استطاع الفنان عصمت داوستاشي أن يعايش أعمال الفنان التشكيلي محمود سعيد معايشة كاملة، وأن يتتبع تفاصيل حياته وفنه ومراحلهما المختلفة، فكان من السهل عليه أن يترجم تلك المعايشة إلى ترجمة ذاتية يتخيل فيها محمود سعيد يتحدث عن نفسه وعن أعماله.
يقول داوستاشي في مقدمة موضوعه الذي أنهى به الكتاب التذكاري الذي أعده وصدر عن صندوق التنمية الثقافية التابع لوزارة الثقافة المصرية بمناسبة مئوية ميلاد محمود سعيد: "ستظل لوحات محمود سعيدة نابضة بالحياة، وفي ظل حالة التغريب التي هيمنت على إبداعات الأجيال الجديدة، أصبح من الضروري إلقاء الضوء على المنهج الفني لهذا الرائد الذي أصّل للفن المصري المعاصر.
ويأسف داوستاشي أن سعيدا لم يترك لنا مذكرات أو خواطر، وأنه لا يملك أية ورقة من كتاباته ليعرف من خلالها كيف كان يصوغ كلماته ويعبر عن أفكاره، لذا فإنه سوف يتحدث بلسانه بأسلوب بسيط، وينبه القارئ إلى أن ما سيقرأه في موضوعه "محمود سعيد مائة عام من الإبداع" هي مذكرات وخواطر محمود سعيد التي لم يكتبها أبدا، وإنما هي محاولة إحياء واستحضار لهذا الفنان الكبير في الذكرى المئوية لميلاده (8 أبريل 1997) حيث ولد الفنان في الإسكندرية (8 أبريل 1897) عسى أن تستفيد الأجيال الشابة من إبداعاته الرائعة وتطوره الفني المتسق مع حياته وزمنه. 
وأول ما نقابله في تلك المذكرات أو الخواطر هو رأي محمود سعيد في الحياة والموت، فيتحدث عن محنته المرضية وإشرافه على الموت في شبابه، وكان هذا سببا أن يرسم نفسه وخلفه تسير جنازة، ولكنه يرجع افتتانه برسم عالم الموت والمقابر أيضا إلى نشأته في حي بحري بجوه الديني وطرقه الصوفية وأضرحة الأولياء المنتشرة فيه وخاصة مسجد المرسي أبي العباس، لذا تولد داخله انجذاب صوفي تجاه قضايا الحياة والموت.
ولكون محمود سعيد كان قاضيا فقد شغلت تلك المسألة بال عصمت داوستاشي فكتب عن القاضي والفنان، وقال على لسان سعيد: "لم يشغلني عملي في سلك القضاء عن الفن مطلقا، وليس للقاضي داخلي أي أثر يذكر لا على فني ولا على حياتي الشخصية، وقد رسمت طوال 25 عاما هي فترة عملي بالقضاء. وأضاف: نعم عملي كقاض كشف لي طبائع الخلائق فكشف لي أسرارها الدفينة وطواياها الخفية، إلا أن حياة الفنانين ومعاناتهم كانت أكثر تأثيرا عندي، فرسمت من عرفتهم من الفنانين في صدر شبابي وأغلبهم من الأجانب أصحاب المراسم الحرة.
ويعترف سعيد - على لسان داوستاشي - أنه تأثر كثيرا بحياة الفنان الهولندي فان جوخ وفنه، وأن والده أرغمه على دراسة الحقوق – شأن كل أبناء الأسر الأرستقراطية في ذلك الوقت - ولكنه لم يقف في طريق عشقه للفن وممارسته. 
أما عن زوجته سميحة رياض فقد كانت ملامحها الشرقية ملهمة له فصورها في مجموعة لوحات على فترات مختلفة. وكانت شقيقته هي الموديل المفضل له في باكورة حياته، وقد رسمها كثيرا بأسلوب المدرسة التأثيرية. كما علَّم صافي ناز ذوالفقار (ابنة أخته والتي اختارت اسم فريدة عندما تزوجت الملك فاروق، فأصبحت الملكة فريدة) علَّمها الرسم في منزله بجناكليس والذي تحول إلى متحف لأعماله فيما بعد.
كما رسم ابنته نادية في كل مراحل عمرها وحرص على إبراز براءتها وطفولتها وأشيائها الحميمة وفساتينها الجميلة. ويعترف أن لوحاته لنادية سجلت كل مراحله الفنية وتطورها. ويؤكد الناقد الفني بدر الدين أبوغازي أن "صور نادية هي أروع صور الفنان لابنته بل هي من قمم الصور الشخصية في فن محمود سعيد" حيث المعمار الرائع والنقاء الهندسي وصفاء التعبير والعيون المتطلعة إلى مرحلة جديدة من الحياة.
كما رسم محمود سعيد بنات البلد بأسمائهن الجميلة .. هاجر ونعيمة وداجية وفاطمة وحميدة. ورسم العاملة والفلاحة المصرية وهي تحمل البلاص. كما صور حياة الضائعات؛ بنات الليل الجالسات فوق سور كورنيش البحر بالإسكندرية أو كورنيش النيل بالقاهرة، مثل "حياة" التي رسمها عام 1927.
وتظل لوحة "ذات الجدائل الذهبية" هي الأكثر تعبيرا عن أسلوب محمود سعيد الذي عرف به في قمة نضجه الفني، وقد رسمها عام 1933 وهو في حالة هيجان فني شديد. ومن يتأمل لوحاته سيعثر على تيمات ورموز كثيرة، مثل الوردة والحلق وأشرعة المركب والحمامة وغير ذلك. 
ويؤكد الكثيرون من النقاد الذين تناولوا لوحات سعيد بالدراسة أن إليه يعود الفضل في دخول لوحات بنات البلد والخادمات والصيادين والعمال والفلاحين إلى الصالونات الأرستقراطية للطبقة الثرية. وهو يعترف أنه يكون في أحسن حالاته الفنية تألقا وهو يرسم بنات البلد. ويقول: "بنت البلد كانت الموديل المفضل عندي ودائما ما أبرز خصائص بيئتها وحياتها وملابسها وبعض الأشياء الحميمة كالحلق اللولي أو الوردة أو الملاية اللف أو الأساور الذهبية الثعلبانية الشكل"، كما كان ينوع جلساتهن أمام حامل الرسم.
وعن لوحاته العارية يقول عصمت داوستاشي متقمصا شخصية محمود سعيد: أعترف أن الذي شجعني على رسم العاريات هو صديقي الفنان انجلوبولو وهو فنان إيطالي بارع وكنت ارسم في مرسمه بعيدا عن المرسم الخاص بي في منزلي لحساسية ذلك بالنسبة لوضعي الاجتماعي وعملي في سلك القضاء وذلك قبل استقالتي.
ولكن يقدم الفنان استقالته من عمله بالقضاء عام 1947 وعمره خمسون عاما، وينطلق إلى عالم الفن والجمال وينبعث الضوء الداخلي وتتشبع ألوانه ببهجة النور وتصبح لوحاته مشعة بالضياء ويرسم بنات مريوط ومرسى مطروح وشمس الصعيد الأسواني المهلمة.
ويعترف الفنان أن إنتاجه زاد من سبع لوحات في العام في المتوسط إلى ضعفها بعد أن قدم استقالته من عمله وأصبح متفرغا للفن والرحلات.
وهو يرى أن المرأة رمز الخصوبة والعطاء، وقد رسم سعيد المرأة في حالات متعددة منها المرأة في أشهر الحمل بما تحمل من رمز للعطاء والاستمرارية، وهنا يتضح أسلوبه في استدارة فورم الجسم ومسطحات الضوء المتلأليء كما في لوحة "أمومة" التي رسمها عام 1953.
كما رسم بنت البلد السكندرية السواحلية بالملاءة اللف خلفها البحر ومراكب الصيد والأشرعة المنطلقة للرزق وللمجهول، وقد أجاد في هذا الرسم لدرجة أن الفنان حسين بيكار كتب أن بنت البلد أصبحت رمزا للإسكندرية ينافس منارها العتيد. وأن بنات البلد بالملاية اللف مخلوقات عجيبة تجمع بين الطيبة والشراسة وبين صفاء النفس والدفء الحسي وبين الرضاء والحزن. ولكن محمود سعيد يرى أن بنات البلد فيهن فتنة ساحرة تتبختر على شاطئ البحر.
ورغم أنه كان يحب الزهور الطبيعية كثيرا إلا أنه لم يكن ميالا لهذا النوع من اللوحات التزيينية، إنه يفضل العنصر الإنساني في لوحاته لما يمثله من أعماق وأبعاد إنسانية.
وتعتبر الإسكندرية المدينة الملهمة للفنان، فهي مدينته التي عشقها، حيث البحر الممتد في رحلة بلا نهاية، رحلة عاصفة تارة وهادئة تارة أخرى. وفي هذا يرى الناقد الدكتور نعيم عطية أن جوهر فن محمود سعيد هو الزواج بين الحسية والروحانية والتوحد المتوازي بين الثابت والمتحرك. وليست كل هذه الصفات بمنأى عن مفهوم البحر والإحساس الجوهري به والاستحواذ على كنه وجوهر البحر.
لقد صور محمود سعيد مدينته الإسكندرية في أكثر من لوحة منها "عاصفة على كورنيش الإسكندرية" التي رسمها عام 1944 وهي تمثل أجمل لحظات الشتاء وشراع يقاوم الأمواج وهواة الصيد يقاومون العاصفة. كما يرى أن مرسى مطروح امتداد لسكندريته الجميلة.
ولعل المشاهد للوحات محمود سعيد سيكتشف أن الماء والبحر في كل مكان، فهو إن لم يكن في كل لوحاته فهو في خلفيتها على الأقل، وإذا تأملنا لوحاته فلا بد من أن نجد قاربا بشراعه الأبيض المنتفخ بالرياح والمتجه إلى مكان ما. إنها رحلته الدائمة أبدا.
وهو يتحدث عن لوحته الشهيرة "المدينة" والتي جمع فيها ثلاث لوحات رسمها من قبل وهي: بائع العرقسوس، وبنات بحري، وراكب الحمار وابنه، ليصور هذه اللوحة البانورامية الليلية الساحرة، وقد تركت الشمس ظلالها الطويلة قبل رحيلها وهي الظلال التي بها عناصر الصورة الثلاثة لهذا المنظر الذي خلد به مدينة القاهرة حيث تبدو قلعة صلاح الدين الأيوبي ومسجد محمد علي باشا والمراكب المبحرة فيه للتجارة أو النزهة.
ويوضح محمود سعيد - على لسان داوستاشي - أنه لم يكن ميالا للوحات الكبيرة الضخمة مثل صديقه الفنان محمد ناجي أو مثل صديقه الحميم محمود مختار وتماثيله ونصبه التذكارية الضخمة. ولكنه أنجز لوحته "المدينة" للتعبير عن القاهرة التي تمثل مصر (أم الدنيا) وقد استطاع عن طريق جمع تلك اللوحات الثلاث في عمل مركب يحافظ فيه على معمار بنائي قوي جمع فيه عوالمه ورموزه الخاصة. 
كما كُلف برسم لوحة كبيرة عن افتتاح قناة السويس لكنه عالج هذا الموضوع من وجهة نظره الشخصية، فجعل كل الشخصيات تبدو غليظة فجة وتعطي في الوقت نفسه ظهرها لقناة السويس والجماهير المحتشدة في الحفل وتتجه ناحية كرسي العرش يسار اللوحة فهم ملوك وملكات وخديو مصر، وكرسي العرش هو الذي يعنيهم في المقام الأول. أما القناة التي مات في حفرها مئات من الشعب المصري لم تكن تعني إلا الأجنبي المستعمر ليستغلها بنفوذه وقوته.
ويعتقد محمود سعيد أن لوحة "الأسرة" التي رسمها عام 1938 تمثل إحدى لوحاته ذات العبق الخاص لعالمه، حيث الزخم الحميم الدافيء بالناس وحركتهم في الحياة، الثنائيات اللحنية الساحرة، ولا ينكر أن بطل هذه اللوحة هو "الحمار السعيد". أما لوحة "السابحات الفاتنات" على شاطئ سان استفانو بالإسكندرية والتي رسمها عام 1932 فتؤكد العلاقة الوثيقة بين المرأة والبحر، واللوحة كلها تعتمد على علاقة الخطوط المائلة الأفقية والرأسية.
وهكذا يمضي عصمت دواستاشي في الحديث عن لوحات محمود سعيد من خلال وجهة نظر سعيد نفسه كما يوهمنا الكاتب، فنرى تحليلات فنية للوحات مثل "السيرك"، و"الأسطى فرج" الذي فقد بصره حزنا على وفاة ابنه الوحيد، و"بائع العرقسوس" الذي رسمه فيما بعد في لوحة "المدينة"، ولوحة "الصيد العجيب" أو "خير بلدنا"، و"الشيخ يصلي"، و"المقرئ في السرادق".. وغيرها من الأعمال الفنية الجميلة.