سلفية معان.. أردنيون عائدون من أفغانستان وأبناء جاليات عربية

مهربو أسلحة وأصحاب قضايا أمنية بعد مقتلهم اعتُبروا من التيار الجهادي ما كان يدفع إلى التساؤل عن تحالف معين بين الخارجين على القانون ومن المطلوبين من أبناء التيار.

بقلم: محمد أبو رمان

طالما شكّل التيار السلفي الجهادي في معان مادةً إعلامية خصبة، نتيجة نشاطه ومشاركة بعض أعضائه في ساحات القتال مع داعش والنصرة، واعتصاماته، في بيئة اجتماعية-سياسية (مدينة معان) التي هي -بحدّ ذاتها- كانت موضوعاً سياسياً وإعلامياً لفترة طويلة نتيجة العديد من الأزمات التي دخلت فيها مع الدولة.

كان هنالك فضول شديد لدي في طبيعة التيار السلفي الجهادي في معان، وخصائصه الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، لأكثر من سبب، في مقدمتها الالتباس في العديد من الحالات التي تابعناها في الدراسات العلمية وفي الإعلام لأشخاص كانوا يعملون في تهريب الأسلحة، مثلاً، أو لديهم أسبقيات أمنية، لكنّهم بعد مقتلهم اعتُبروا من التيار الجهادي هناك، ومن المحسوبين عليه، وهنالك أكثر من نموذج على هذه الحالة، ما كان يدفع إلى التساؤل فيما إذا كان هنالك تحالف معين لمن يعتبرون "خارجين على القانون"، من أبناء التيار والمطلوبين على خلفية قضايا أخرى.

بقي التيار الجهادي هناك بعيداً عن البحث العلمي الجادّ ومرتبطا بالأحكام المسبقة والانطباعية من قبل السياسيين والإعلاميين إلى أن أنجز صالح أبو طويلة دراسته المتميزة، التي صدرت مؤخراً في كتاب "سلفية معان: دراسة أنثروبولوجية سوسيولوجية"، بالشراكة ما بين مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية والدار الأهلية للنشر والتوزيع.

سوف أتحدث -لاحقاً- عن الكتاب بالتفصيل، وعن أبرز نتائجه، كما سيتم الإعلان عن حفل التوقيع عليه من قبل المؤلف، لكن ما يهمنا في هذا المجال هو تأكيد أهمية البحث العلمي الميداني في دراسة المشكلات والظواهر وتفكيكها وتحليلها، قبل عملية وضع السياسات أو اتخاذ القرارات المرتبطة بها، وهو ما ينطبق تماماً على هذا الكتاب وأهميته الكبيرة.

يتناول الكتاب البنى الاجتماعية والاقتصادية لمدينة معان، التي بالضرورة أثرت على تشكّل التيار السلفي عموماً وصعوده هناك، والموقع الجغرافي، والثقافة الاجتماعية، والعلاقة مع الدولة والأزمات المتعددة، ثم ينتقل المؤلف إلى تشكّل الجماعة السلفية هناك، وكانت في البداية ذات طابع مسالم، إلى أن خرج من رحمها قيادات، ثم انضم إليها أفراد محليون وعائدون من أفغانستان، وبعض أبناء الجاليات العربية ليشكلوا "الأنوية" الأولى لتشكل التيار وتبلوره في المدينة، ثم يستعرض الانقسامات داخل التيار التي حدثت بالتوازي والتزامن والتماهي مع الانقسامات الأعلى وسط التيار الجهادي الأردني نفسه.

يتناول الكتاب الخطاب الاجتماعي والسياسي لسلفيي معان، والأدوات التي استخدموها في التجنيد، وعلاقتهم بالمجتمع المحلي، وتأثيرهم فيه، ثم يخصص فصلاً لدراسة وتحليل خلفيات وسمات الأفراد الذين انتقلوا من التيار إلى العراق وسورية وقاتلوا وقتلوا هناك، ويخصص جزءاً لدراسة نماذج حالات لقيادات في التيار في المدينة، قبل أن يقارب مستقبل الظاهرة الجهادية في المدينة.

الكتاب مهم على أكثر من صعيد، معرفياً وسياسياً، وما يعطي الكتاب قيمة مضافة أنّ المؤلف صالح أبو طويلة هو من الشباب المثقف الناشط في المدينة، أشبه بالمثقف العضوي، على حد تعبير غرامشي، وفي حالة كتابه هذا، فهو "باحث عضوي"، معايش للظاهرة قادر على فهم البنى الرئيسة وتفكيكها وتقريبها للقرّاء والمهتمين، وتقديمها بلغة علمية وسلسة في الوقت نفسه.