السيرة والرواية .. تدخل الخيال لخيانة الواقع

وقائع من حياة الكاتب تتسلل إلى ثنايا أنسجة رواياته.


عبدالمحسن طه بدر، أول من اهتم برواية السيرة الذاتية


السيرة الذاتية هي "رواية" بمعنى ما

القاهرة ـ من أحمد رجب

ربما كان الراحل عبدالمحسن طه بدر، أول من اهتم برواية السيرة الذاتية من النقاد العرب، وإن أسماها "رواية الترجمة الذاتية"، وفيما بعد اعتمد الناقد صالح الغامدي على الفرق بين الحقيقي والخيالي للتفرقة بين ما أسماه رواية السيرة الذاتية وهي رواية في الأساس، وإن اعتمدت على سيرة كاتبها الحقيقية إلا أنها تحيل إلى عالم خيالي، وبين السيرة الذاتية الروائية، وهي رغم اعتمادها على تقنيات روائية إلا أنها تحيل إلى عالم حقيقي غير تخييلي. وحتى في غير هذين النوعين فكثيرا ما تسللت وقائع من حياة الكاتب إلى ثنايا أنسجة رواياته، وكثيرا ما ظهرت شخصية الكاتب في أعماله غير السيرية، فهل يحدث ذلك لمجرد سيطرة العقل الباطن على وعي الكاتب وقت تدوين النص، أم أن ثمة ضعفا أصاب خيال الروائي فعمد إلى استعارة وقائع جاهزة نقلها من ذاكرته إلى النص؟
متكأ لازم للروائي
توجهنا بالسؤال إلى الروائي ناصر عراق فقال: السيرة الذاتية هي "رواية" بمعنى ما، كما أن الرواية تحمل بين طياتها جزءًا من سيرة كاتبها، والتاريخ العربي عرف فن السيرة الذاتية قبل الرواية بقرون عديدة، ففي الكتاب الذي حرره دويت راينولدز بعنوان "ترجمة النفس.. السيرة الذاتية في الأدب العربي" نطالع عددا من السير الذاتية القديمة التي كتبها أدباء وعلماء عرب منذ القرن التاسع الميلادي وحتى القرن التاسع عشر، وكلها تضج بقصص وحكايات مثيرة ومغرية بالقراءة، الأمر الذي يمكن اعتبارها "رواية" قادرة على جذب القارئ، مع الوضع في الاعتبار السياق التاريخي العام الذي ظهرت فيه تلك السير. 
أما في عصرنا الحديث، فقد صارت "الأيام" للدكتور طه حسين نموذجا مدهشا لفن السيرة الذاتية الذي ينهل من تقاليد الرواية الحديثة. لقد صدر الجزء الأول من "الأيام" في عام 1929، فأثار ضجة فكرية وإبداعية مازال صداها يتردد حتى الآن، وأذكر جيدا أنني سألت كوكبة من كبار الكتاب والمثقفين المصريين عن الكتب التي تأثروا بها في شبابهم الأول، فكان الاتفاق بينهم جميعا على أن "الأيام" أسهمت بنصيب معتبر في شحذ خيالهم وتحبيبهم في الإقبال على القراءة، ومن هؤلاء: أحمد عبدالمعطي حجازي، ورجاء النقاش، وجابر عصفور، وصلاح فضل، وفاروق عبدالقادر.  
وأضاف عراق: هناك عوامل مشتركة تجمع السيرة الذاتية والرواية، منها فكرة القص أو الحكاية، ومنها التشويق والإثارة، ومنها سلاسة التعبير ورشاقته ومنها تتابع الأحداث وصراع الشخصيات؛ فإذا توافرت هذه العوامل في السيرة الذاتية صارت أشبه بالرواية، ولا أظن أن هناك سيرة ذاتية ناجحة ومؤثرة دون أن تتكئ على تلك العوامل.
ماء خفي يتسرب
ويؤكد الروائى السوري عدنان فرزات على أن السيرة الذاتية للكاتب مثل ماء خفي، يتسرب من تحت غلاف الرواية، مهما أحكم الإغلاق. والكاتب يمضي زمناً روائياً طويلاً قبل أن تصبح لديه المقدرة الحرفية على الفصل بين سيرته وأعماله الروائية. ربما يسكب معظم هذه السيرة في روايته الأولى، ولكن تبقى قطرات منها تتسرب إلى بقية الأعمال. قد يبدو هذا طبيعياً حين تكون سيرة الكاتب مهمة وجديرة بالتدوين، لأنه هنا يتعامل مع نفسه كبطل من هذه الحياة، من حقه أن تكون له روايته، كما حدث مع الروائي محمد شكري في "الخبز الحافي"، ومع كولن ولسن في روايته "ضياع في سوهو"، وغير ذلك من الروائيين الذين وجدوا أن حياتهم جديرة بتحويلها إلى عمل روائي، حتى هنا الأمر جيد ولكنه يتعلق بمقدرة الكاتب فنياً على عدم إظهار الرواية السردية على أنها سيرة ذاتية، فهناك فرق بين توثيق السيرة وبين إخضاعها لشروط العمل الروائي من تصاعد أحداث وحبكة وتشويق وغيرها. 
وهنا لا بد من تدخل الخيال والصنعة، ليخون الكاتب سيرته فنياً. بعد الرواية الأولى، تبدأ السيرة الذاتية بالتلاشي في أعمال الروائي، ولكن ملامح السلوك والشخصية العامة للروائي وحتى الخاصة، تبقى تُطل برأسها في بقية الأعمال. وينهي فرزات قوله بأن اعتماد الكاتب اعتماداً كلياً على سيرته الحياتية، لا يصنع منه مبدعاً، لأنه "يحزّب" نفسه في إطار حياته مبتعداً عن حياة أشخاص آخرين من حوله، قصصهم وحكاياتهم جديرة أن تدخل مصنع أدوات الكاتب ليعاد إنتاجها على شكل عمل روائي.
ويرى الروائي المغربي محسن الوكيلي أن كل عمل يتوسل بوقائع حياتية حتى وإن كانت تاريخية لا يشترط أن يكون سيرة، فالعبرة تكون بدور الخيال في العمل، وفيما يخص اعتماد الكاتب على سيرته يميز بين نوعين، اعتماد السيرة الذاتية للشخص وبين اعتماد السيرة الغيرية التي تقتفي مسيرة شخصا ما. وهنا لا بد من التوضيح أن الفرق بين السيرتين شاسع، فالأولى تأتي بغاية التوثيق لحياة يرى فيها صاحبها قيمة مضافة تهم الآخرين، وهي في ذلك لصيقة بمجريات الواقع، لا بمقومات المخيلة، فيما تعتبر السيرة الغيرية مجرد إطار للتعبير، غالبا ما يطلق فيه المبدع العنان للمخيلة فيذهب بعيدا عن الواقع ومجرياته، وفي هذا تحضرني رواية “موت صغير” الحاصلة على البوكر في دورتها الأخيرة، والتي يتوهم القارئ أنها رواية سيرية، بينما لا تمثل في واقع إلا تعبيرا عن مدى تفوق مخيال المبدع في إنتاج عوالم جد مفارقة عن حياة الشخصية المختارة.
خيوط متداخلة
       أما الدكتور حسام عقل أستاذ النقد الأدبي بجامعة عين شمس فيلحظ  تداخل الخيوط منذ بداية السرد الإنساني بين تشكيلات الترجمة الذاتية وأنساقها القائمة على سرد الوقائع والأحداث الذاتية بصورة حرفية، وبين السرد الحر القائم على عمليات التخييل المجنح، وخصوصا في الادب اليوناني، وقد ظل فن الترجمة الذاتية زمنا طويلا واقعا في قبضة التاريخ، ربما حتى مشارف القرن الثامن عشر، قبل أن يتفارق الطريقان ويختلفا، ولم نعدم قبل هذه الفترة نصوصا إبداعية تتمحض لفن الترجمة الذاتية، أبرزها "اعترافات" القديس أوجستين، و"المنقذ من الضلال" لأبي حامد الغزالي، فضلا عن سيرة "ابن خلدون": "التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا وغربا".
لكن السيرة الذاتية المعاصرة تميزت بطابع التقنيات الفنية والجمالية القائمة على آليات البناء الروائي، كما نجد مثلا في سرديات جونسون وأندريه موروا وبرنارد شو، وكما نجد عربيا في سيرة  إدوار الخراط: "ترابها زعفران" وهي سيرة ذاتية قائمة بتمامها على لعبة المراوغة الفنية، والتخييل الفانتازي العنيف في جموحه، بما يرجح تأثرها الجانح أكثر فأكثر إلى البناء الروائي التخييلي، على حساب البناء السيرذاتي القائم على سرد الوقائع الحرفية بصورة مباشرة، وثمة نصوص مراوحة وقعت في منتصف المسافة بين الرقعتين، كما في "ها أنت أيها الوقت" لأدونيس، و"رحلة جبلية" لفدوى طوقان، و"الكلمات تعرف الغضب" لنزار قباني، وثمة سير ذاتية جمحت بها أمواج الحس التجريبي العنيف كما في "أصداء السيرة الذاتية" لنجيب محفوظ .
التباس فني
من زاوية أخرى مكملة يرى الناقد محمد عطية محمود أن: "الالتباس بين السيرة الذاتية والرواية، أمر محمود وخادم للعملية الإبداعية، فهو الذي يمد العمل الروائي بحرارة الاندفاع والانطلاق في براح الحالة الإبداعية المتسقة مع المضمون والحالة الإنسانية والإبداعية التخييلية والهندسية التي تنطلق من الذات، نحو الآخر/ الآخرين وتتمحور صانعة نسيجا ووشيجة قوية تعمل على إضفاء المصداقية الفنية برغم عدم إنكار دور براعة التخييل وأهميته في صنع العمل الروائي، فالروايات العظيمة والمؤثرة في تاريخ الكتابة لا نستطيع فيها رصد الخيط الرفيع جدا بين ما هو ذاتي سيري، وما هو ناتج عن التلاقح والخبرة الحياتية والتفاعل مع البيئة أو الوضعية الاجتماعية التي ينمو فيها العمل الروائي.
فالعين الراصدة للمبدع ليست كافية تماما لملء فراغات الحالة السردية فيما بين التخييل والتأريخ للذات المتورطة شاءت أم أبت في هذه العملية التي لا تنفصل مكوناتها وعناصرها، لأنها حال الانفصال تفقد الكثير من عناصر الجذب، وبرأيي أن الكاتب دائما متورط بأطياف أو أجزاء من سيرته أو امتداداتها وتشعباتها في متن أي نص سردي يكتبه، ذلك أن الروح التي تقف خلف العمل وتحرك خيوطه الرئيسة والمتفرعة منها والمتقاطعة معها هي روح الكاتب التي لا تغيب مهما حاول إخفاءها، والبراعة الحقيقية تتجلى في تذويب تلك الروح داخل العمل". (خدمة وكالة الصحافة العربية).