الغنوشي يرى أن تونس لم تكن يوما دولة علمانية

الغنوشي يستحضر مضامين الفصل الأول من الدستوري التونسي

قال رئيس حركة النهضة الاسلامية التونسية راشد الغنوشي "إن تونس لم يسبق لها أن كانت دولة علمانية"، مضيفا في الوقت ذاته أنه كان على الحركة الاسلامية أن "تتكيف مع الواقع" من خلال "الإسلام الديمقراطي"، فيما رأى مراقبون أن الرجل بات يخاطب نفسه متعسفا على تاريخ وهوية دولة الاستقلال.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الغنوشي بهذه الطريقة عن الدولة المدنية العلمانية التي أسسها في العام 1956 الزعيم الحبيب بورقيبة العلماني فكرا وسياسة.

وقال الغنوشي في تصريح لصحيفة "لاناسيون" الأرجنتينية إن الدستور التونسي منذ الاستقلال نص على أن تونس بلد مسلم، لكن بشكل خجول مشيرا إلى أن لكل بلد ظروفه.

وبدا الغنوشي وكأنه يخاطب نفسه إذ يشدد الأخصائيون في القانون الدستوري على أن دولة الاستقلال هي دولة علمانية فصلت الدين عن السياسة.

ويقول وحيد بلعيد المختص في القانون الدستوري "إن الفصل الأول من الدستور الذي ينص على أن تونس دولة مستقلة ذات سيادة لغتها العربية ودينها الإسلام حدد هوية الدولة وهي هوية مدنية علمانية لا تقبل التأويلات الخاطئة".

وأضاف بلعيد وهو يتحدث إلى مراسل ميدل ايست أونلاين معلقا على حديث الغنوشي "لو لم تكن تونس دولة علمانية لنص دستورها على أن "تونس دولة إسلامية"، مشددا على أن هناك فرق بين التنصيص على أن دين الدولة هو الإسلام وبين التنصيص على أن هوية الدولة هي إسلامية.

وفي العام 1981 أسس الغنوشي رفقة مجموعة من الإسلاميين حركة الاتجاه الإسلامي التي تحول اسمها لاحقا إلى حركة النهضة، لمناهضة نظام الحبيب بورقيبة باعتباره نظاما علمانيا.

وكثيرا ما كان الغنوشي يردد أن الحركة الإسلامية التي أسسها إنما تهدف إلى مقاومة القوى العلمانية بما فيها الدولة المدنية التي يرى أنها جردت المجتمع التونسي من تدينه.

وتؤكد الوثيقة العقائدية التي تعد إلى اليوم مرجعية الحركة أن النهضة كانت تسعى إلى الزج بالدين في الشأن العام لتصبح والخيارات السياسية رهن المرجعية العقائدية.

ويرجع مراقبون موقف الغنوشي الأخير إلى حالة الضعف والوهن التي تمر بها الحركة وهي تواجه مؤسسات دولة مدنية عصية من جهة وقوى علمانية وليبرالية حاصرت الحركة فكريا وسياسيا وشعبيا من جهة ثانية.

ويرى عماد الزغل الأخصائي في الجماعات الإسلامية أن "الغنوشي لا يستنكف من التعسف عن نفسه وعن التاريخ السياسي الوطني التونسي في مسعى إلى الترويج لغنوشي ثان يحمل قناع المصالحة مع دولة الاستقلال".

وشدد الزغل وهو يتحدث إلى مراسل ميدل ايست أونلاين على أن "بورقيبة خاض حربا شرسة ضد شيوخ الزيتونة وضد القوى التقليدية من أجل بناء دولة مدنية علمانية تقودها نخبة مثقفة ثقافة غربية عصرية".

وتسبطن تصريحات الغنوشي إقرارا بأن الحركة التي أسسها تم إسقاطها على التاريخ السياسي التونسي وبأنها أخطأت في التعامل مع المشروع الوطني التحديثي.

وخلال العامين الماضيين ما انفك رئيس حركة النهضة يروج لما يسميه بـ"الإسلام الديمقراطي" ويسعى إلى الترويج له بديلا لما تطرحه الجماعات المتطرفة وفي مقدمتها تنظيم الدولة الاسلامية.

وتزامنت عملية إسقاط مفهوم الديمقراطية وهو مفهوم غربي له سياقاته الفكرية والسياسية الخاصة على الإسلام مع فشل مخططات الإخوان المسلمين في المنطقة.

ويقول الغنوشي إن الإسلام الديمقراطي هو إسلام يؤمن بحق الاختلاف وبحرية الرأي والتعبير وبحرية الضمير وبمدنية الدولة وبإرادة الشعوب في تقرير مصيرها.

غير أن المتابع لأداء النهضة يلاحظ أن الإسلام الديمقراطي ليس سوى شعار مماثل لشعار "الإسلام هو الحل" حيث تمارس الحركة الاسلامية هيمنتها على الحكومة وعلى الشأن العام حتى أنها لم تستنكف عن استضعاف الأحزاب الديمقراطية الصغرى.

والمفارقة، كما يذهب إلى ذلك محللون سياسيون، أن ترويج الغنوشي من جديد لما يسميه الإسلام الديمقراطي جاء بعد أسابيع قليلة من تخييره التونسيين بين القبول بالنهضة أو الدخول في "حرب أهلية".

ويقول فؤاد العياشي المحلل السياسي "إن حالة الارتباك التي يعيشها الغنوشي في ظل غموض مستقبل النهضة دفعت به إلى انتهاج خطاب الترغيب والترهيب".

وشدد وهو يتحدث إلى مراسل ميدل ايست أونلاين على أن "خطاب الغنوشي يعد مؤشرا على مدى حالة الاهتزاز الفكري والسياسي والتنظيمي التي تشهدها النهضة".