قضاة تونس يطالبون بتركيز جهاز أمني لحماية المحاكم

القضاء خط أحمر

وصف المجلس الأعلى للقضاء في تونس تجمهر أمنيين حاملي السلاح أمام المحكمة الابتدائية بمدينة بن عروس بـ"ضرب استقلالية السلطة القضائية" وطالب بتركيز جهاز أمني لـ"حماية المحاكم" فيما دعت رابطة حقوق الإنسان وزارة الداخلية إلى تحمل مسؤوليتها وإلى "فتح تحقيق جدي".

وكان العشرات من الأمنيين نظموا تجمهرا الاثنين حاملين السلاح متنقلين بسياراتهم الإدارية أمام المحكمة الابتدائية بمدينة بن عروس جنوب تونس العاصمة على خلفية اعتقال أمنيين اثنين وإحالتهم على قاضي التحقيق بتهمة التعذيب.

وجاء التجمهر بعد دعوة نقابة موظفي الإدارة العامة للأمن العمومي إلى "الاستنفار والحضور" بكثافة أمام المحكمة عبر مواقع التواصل الاجتماعي "الفايسبوك".

واعتبر المجلس الأعلى للقضاء التجمهر "ضربا لاستقلالية القضاء و"مساسا من استقلالية القرار القضائي وارتهان له" و"اعتداء مباشرا على حرمة المحاكم والقضاة".

وقال المجلس إن من شأن "هذه الممارسات "زعزعة الثقة في الجهاز القضائي بما يهدد مقومات وأسس النظام الجمهوري الديمقراطي" محملا \'\'السلطة التنفيذية المسؤولية عن تدهور الوضع الأمني بالمحاكم".

ويعتبر المجلس أعلى هيئة قضائية تم تركيزها بعد تعقيدات إدارية بين وزارة العدل جمعية القضاة التي كثيرا ما اتهمت الوزارة بمحاولة وضع يدها على استقلالية المجلس.

وقال عدد من الأمنيين لوسائل الإعلام المحلية إن "الأمنيين الاثنين المعتقلين أبرياء ولم يمارسوا التعذيب لذلك من حقنا الدفاع عنهما من أجل إطلاق سراحهما".

واغتنم عدد من الأمنيين وجود وسائل الإعلام ليصرحوا بأنهم يمارسون مهنتهم في ظروف غير ملائمة وأنهم معرضون لعدة مخاطر جراء مكافحتهم للإرهاب.

وشدد المجلس الأعلى للقضاء على أن ملف المعتقلين هو من مشمولات السلطة القضائية دون سواها وهي التي تقرر بعد استيفاء التحقيق السجن أو إطلاق السراح.

ودعا "الحكومة الى تعزيز أمن المحاكم وإخضاعه مباشرة للقضاء كما دعاها إلى "اتخاذ الوسائل القانونية والمادية اللازمة لتأمين المحاكم والإطار القضائي".

ورأى المجلس ان التجمهر سابقة تهدف إلى الضغط على استقلالية القضاء داعيا \'\'القضاة إلى التمسك باستقلاليتهم واتخاذ قراراتهم بمعزل\'\' عن "مجموعات الضغط والنفوذ".

ويطالب قضاة تونس الحكومة بتركيز جهاز أمني تتمثل مهمته في حماية المحاكم من أي شكل من أشكال الاعتداء على أن يكون تحت إشراف السلطات القضائية.

غير أن السلطات الأمنية ترى أن حفظ الأمن وحماية مؤسسات الدولة بما فيها السلطات القضائية والمحاكم هي من مشمولات وزارة الداخلية دون سواها.

وأثار التجمهر غضب نقابة القضاة معتبرا إياه "ضغطا مباشرا على القضاء مشددة على أنه "يشكل تجاوزات ترقى إلى مرتبة الجرائم المنظمة وتتطلب التصدي لها ولمرتكبيها، وفق القانون، لضمان عدم تكرارها".

وحمّلت النقابة الحكومة "مسؤوليتها في تأمين المحاكم ممارسة صلاحياتها الرقابية والتأديبية بما يضع حدا لمثل هذه السلوكيات المخالفة لمبادئ دولة القانون".

وذهبت النقابة إلى حد القول بأن "التغاضي" عن مثل هذا التجمهر"يشكل تواطؤا سلبيا"، مشددة على أنه سيقع "النظر في التحركات الممكنة، في صورة عدم تأمين المحاكم حالا، واتخاذ الإجراءات الملائمة إزاء مرتكبي مثل هذه الاعتداءات".

ومن جهتها قالت الرابطة التونسية لحقوق الإنسان إن التجمهر "يمثل اعتداء صارخا على استقلال السلطة القضائية وتدخلا سافرا في أعمال القضاء اعتداء مباشرا على حرمة المحاكم وقضاتها كما انه يساهم في زعزعة الثقة في الجهاز القضائي.

ودعت الرابطة إلى "فتح تحقيق" وحملت السلطة التنفيذية ووزارة الداخلية مسؤولية الأحداث واتخاذ التأديبات اللازمة لوضع حد لتغول بعض الأمنيين وبعض النقابات بتحريضها على استعمال العنف وعدم الامتثال لقرارات القضاء.

واجتاحت حالة الغضب على الأمنيين عددا من الأحزاب السياسية التي رأت في التجمهر "تحديا سافرا لمؤسسات الدولة واستقلالية القرار القضائي وحرمته.

وطالب الحزب الجمهوري رئيس الحكومة ووزير الداخلية بتتبع كل من ثبت تورطه في هذا التهديد الخطير للسلطة القضائية ولاستقلالها المضمون بالدستور".

أما حزب التيار الديمقراطي فقد شدد على أن تجمهر الأمنيين وهم حاملي السلاح يعد "تحديا سافرا لمؤسسات الدولة ولسلطتها القضائية وتعديا صارخا على الدستور وخرقا خطيرا لمبادئ الجمهورية وضربا لاستقلالية السلطة القضائية".

ودعا الحزب النقابات الأمنية إلى "التقيد بالدستور الذي يضمن حقهم النقابي دون الاعتداء على الدولة المدنية والقضاء أو محاولة الضغط والتهديد بقوة السلاح".

وبعيدا عن خلفية التجمهر المباشرة والمتعلقة بالتحقيق مع أمنين إثنين بتهمة التعذيب توجد خلفية أعمق كثيرا ما غذت تشنج العلاقة بين قضاة تونس وأمنييها.

ويقول أمنيون مباشرون لمكافحة الإرهاب إنهم كثيرا ما اعتقلوا العشرات من الإرهابيين وأدلوا خلال التحقيقات باعترافات تؤكد إما انضمامهم لخلايا إرهابية أو مشاركتهم في أعمال إرهابية غير أن القضاة يطلقون سراحهم بمجرد إحالة ملفاتهم عليهم.

وترى الأجهزة الأمنية التي تحارب الخلايا الإرهابية منذ سبع سنوات في إطار جهود شاقة وإمكانيات متواضعة أن جهودها لا تحظى بالاهتمام اللازم من قبل القضاة.

ولا تتردد تلك الأجهزة في التشديد على أن "القضاء لا يقدر مشقة إلقاء القبض على الإرهابيين" لافتة إلى أن "هناك استخفاف بجهودها وتسامحا مع الخلايا الإرهابية".

غير أن القضاة يشددون على أن "مهمة الأمن تنتهي عند حالة أي ملف عليها" كما تشدد على أن "البت في تورط أي مشتبه به هو من مشمولات السلطات القضائية دون سواها".