حِراك المجتمعات عبر أُفق الحاجات

لا يراعي جمع الحقائق

استطاع العلمُ أن يمدنا بكم هائل من المعلومات التي تتعلق بدراسة الطبيعة في فترة ما، وقد هيأ ذلك لخلق التكييف المطلوب ما بين البيئة والإنسان، ولكنه بالمقابل أي العلم ووقتها لم يتقدم بخطوات بعيدة تجاه دراسة المجتمع والتاريخ.

ومن المعلوم أن دراسة التاريخ البشري تمدنا بالكثير من الأساليب والأسباب التي كانت عليها المجتمعات البشرية لنتمكن من معرفة هذا الفرق الشاسع الذي شهدته البشرية منذ قيام جيلها الأول والأجيال اللاحقة إلى يومنا هذا، وبلا شك فقد حصلت تطورات هائلة اتسمت بالإنتقالية السريعة بالمجتمعات إلى مراحل متقدمة ضمن محاور الحياة الإنسانية المختلفة.

لقد درس المفكرون والباحثون والعلماء هذه الإنتقالات الحادة من خلال دراستهم للتاريخ الإنساني بعمقه المتمثل بفلسفة التاريخ أي عدم الوقوف على الظواهر بل معرفة سببيتها ولا بد من التذكير إن لكل مرحلة تاريخية فلسفتها الخاصة بها وهذا الإختلاف في المراحل قد أدى إلى نشوء أنماط من المدارس الفلسفية لفهم التاريخ ونقده.

إن ظهور الإنسان ووجوده حسب ما رأى البعض من الباحثين كان قبل أربعة الأف سنة قبل العصر المسيحي، وهذا يعني بالحسابات التقليدية أن هناك ما يقارب من مئتي جيل قد تعاقبت قبل ظهورنا الحالي.

إن القاسم المشترك بين كل تلك الأجيال أن الإنسان يعي أهدافه (حاجاته) كما أنه - أي الإنسان - اشترك مع الآخرين في حماية الأهداف الجماعية وتطبع البعض بالبعض لسد الكثير من غير الحاجات المادية ليتم بأعلى صوره حراك المجتمعات عبر اتساع أفق الحاجة وتنوع المصدر والرغبة في تقوية عامل (الأنا).

كان الإنسان في بدايته قد أخضع الطبيعة لأفكاره البسيطة إذ رأى أنها مجموعة من الأحداث والإرادات المنفصلة لقوى خارجية وتفسيره لكل ما يجري يخضع لضمن هذا المفهوم، وقد اصطبغ هذا التفسير بالصبغة اللاهوتية والذي كان يمثل البدايات البدائية الأولى للفكر الإنساني الذي رأى أن لكل ظاهرة من الظواهر ألهةً ينجبها ويتبناها ويأمرها متى يشاء ليصب غضبه من خلالها على رعيته وهي القضية التي خلقت البذور الفكرية الأولى للإنتباه (لعلية الموت) ومفاهيم العالم العلوي والسفلي ومتطلبات الرحيل والعودة وصراع البقاء ضمن مفهوم لايخلو من (الإرادة الإلهية)، فالإمبراطوريات مثلا تضمحل أدوارها وتحل إمبراطورية بدل أخرى لتتبوأ مكانة فريدة بين الأمم لتقوم بالدور الذي تريده الألهة بالنيابة عنها وهذه الأولوية وهذه المكانة تتم ضمن مفهوم (العنايةالألهية)، لقد ظل هذا التفسير طاغيا لفترة طويلة.

وهو لا يراعي جمع الحقائق ولا جميع الظواهر والمسببات ويغفل الواقع التاريخي كونه يعول كل تلك المتغيرات على أنها (معجزات تاريخية). لقد ضمت فلسفة القديس (أوغسطينوس) في تصوراته عن الكون هذا المفهوم اللاهوتي، ولكن سرعان ما اصطدمت هذه المفاهيم بمفاهيم مناقضة وأكثر رقيا والتي توجت بجهود (فولتير – بطريرك فيرنيي) حيث بدأ التفسير للظواهر لا يعتمد على وجود قوة واحدة بل الدعوة لدراسة الأشياء التاريخية دراسة شمولية حصرا أي الدعوة لتفسير التاريخ تفسيرا علميا يعتمد على تحليل الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية والسياسية التي تستند على طبيعة المتناقضات التي تولدها حركة المجتمعات ضمن حقائقها المادية والنفسية بما في ذلك الأخطاء والنزوات في أي مجتمع ما يسعى لتحقيق أهداف نبيلة أو غير نبيلة.