'الساخر العظيم' .. تشق طريقها الى عالم الإبداع والتميز!

أسلوب سردي ساخر

في كل مرة يفاجئنا الروائي والكاتب العراقي والمثقف الواثق من نفسه ومن قدراته الإبداعية المتميزة، أمجد توفيق بعمل أدبي روائي فريد من نوعه، فكانت رواية "الساخر العظيم" التي صدرت عن احدى دور النشر الاردنية، فتحا جديدا في عالم الرواية، بعد احتلالين غاشمين شهدهما العراق: الاحتلال الأميركي واحتلال داعش البغيض!!

أجل.. المفاجأة هذه المرة كانت أكبر تأثيرا وأكثر وقعا وقدرة على إرغام المتلقي على ولوج عوالم فصولها، دون ملل أو كلل، بالرغم من ضخامة الاصدار، وهو من الحجم المتوسط، حتى عدت رواية "الساخر العظيم" قمة في السرد الموضوعي الساخروالاثارة الأدبية المرغوبة، وكيف يكون بمقدور الروائي أن يجمع بين الخصال الوطنية وقيم البطولة، لشعب بأكمله، وبين أسلوب سردي أدبي يرتقي الى عالم الإثارة والتشويق، وكانت المواجهة مع داعش، أكثر فصول الرواية إثارة للرعب، ولحرب دامية، أرادت ان تصادر تاريخ مدينته، وهي محافظة نينوى، مثلما حاولت مصادرة تاريخ محافظات عراقية أخرى عزيزة، وهي تشدك إلى فصولها الثمانية والخمسين، دون ان تشعر بالتعب!!

لقد حرص الروائي والصحفي والكاتب القدير أمجد توفيق في روايتين صدرتا بعد الاحتلال الأميركي للعراق، الأولى: "الظلال الطويلة" التي صدرت قبل ثلاثة أعوام، وفي الرواية الجديدة التي صدرت بعد احتلال داعش لنينوى "الساخر العظيم" ان تكونا الصوت العراقي الأكثر قدرة على توثيق الحس الوطني بجرأة أدبية قلما لامست أعماق الواقع العراقي وعاشت معاناته القاسية والأليمة، فكانت رواية "الساخر العظيم" إحدى أهم المحطات الفارقة في زمن لا بد وأن يدخل في تصنيف الرواية التاريخية شئنا ام أبينا.

وقد ابدع الرجل في صياغة قصة عائلة موصلية على مدى 58 فصلا من فصول الرواية ليكونوا أبطالها ومن خلالهم تتمثل دوافع الإصالة العراقية وقدرتها على مواجهة الهم العراقي وفي الدفاع المستميت عن أرض العراق ووقوفهم الصلب بوجه كل المحاولات التي سعت لتركيع أبناء نينوى أو الهيمنة على مقدرات تلك المحافظة، إلا أن إصرار رجالات نينوى على مواجهة احتلال داعش الأخير ومن قبلها الاحتلال الاميركي، لتصور بإسلوب نقدي عراقي يرتقي الى مستوى ما تتطلع اليه الشخصية العراقية ذات العمق الوطني والتاريخ المشرف، لمرحلة قريبة جدا من تاريخ العراق.

وكانت ممارسات داعش الاجرامية وسلوكها المنحرف، إحدى أهم المحطات التي توقف عندها طويلا الروائي، وهي محافظته التي لم يتخل عنها والتي كانت سجل حياته في زمن الصبا حتى تمكن من نفسه وركب سلالم الإبداع، وقد تنقل الرجل بين الصحافة والأدب والثقافة والفلسفة في تناغم رائع، أبقاه أحد أهم من سطروا وقائع تلك الأحداث المريرة في رواية أدبية ملحمية تجمع بين الواقعية والسخرية من مرارة هذا الواقع، لتبقي ديناميكية الرواية في تصاعد لافت ليس بمقدورك الا ان تتعرف على المزيد من أحداثها، وأن عايش العراقيون الكثير من فصولها، لكن تبقى ملهما لمن يريدون أن يتعرفوا على تلك الفترة العصيبة، في وقت حفلت مآثر أهل نينوى ببطولاتهم ومقاومتهم لصور الاحتلال الغاشم، وهو ما يفتخر به أبناء نينوى أنهم كانوا العراقيين الوطنيين الذي يرفضون الذل والمهانة والاستكانة لأي احتلال سواء كان أميركيا ام داعشيا، أم احتلال بصيغة أخرى.

كلا الاحتلالين وجهان لعملة واحدة، وهما يهدفان الى ترويض أبناء تلك المدينة الفاضلة وماضيها الوطني العراقي العروبي العريق، لكن شجاعة أهل نينوى وإصرارهم على مواجهة كل محاولات الغزو وإلحاق الهزيمة هي من تبقي تاريخ تلك المدينة الناصعة البياض مشرفا ترتفع به رؤوس أبنائها إلى الاعالي، حالها حال أغلب المحافظات العراقية التي رفضت الخنوع للأجنبي أو من حاول أن يمس شرف العراقيين والعراقيات، فكانوا عنوان فخرها على مر التاريخ!

رواية "الساخر العظيم" حاولت أن تسخر من الزمن ومن المشعودين والمنافقين والدجالين ومن المتواطئين ومن الظلم والزيف والخداع في السلوك والممارسة لكثيرين، وتكشف واقعا مريرا، كان يمزق قلوب الملايين من العراقيين الذين عانوا ما عانوا من صنوف احتلال داعش وعدوانها البغيض!!

ومن يتمعن في مضامين الرواية يجد ان للزمن أهميته ودوره الحاسم الذي يتركه على مقدرات البشر، والمثقفون هم (أسرى) لتقلبات الحياة وهمومها، ولكنهم في المقابل قادرون على الخروج من ضغوطها ومتاهاتها ليرسموا عالمهم هم،ويتركوا (بصماتهم) ويكون لوجودهم (معنى).

مضامين الرواية تعني أن الزمن هو الساخر العظيم الذي يسخر منا جميعا وهو يلقي بكل أثقاله علينا، وهو من يفرض إرادته على بني البشر، بضمنهم المبدعين، وهو من يقرر لنا شكل الحياة أو الموت الذي ينتظرنا. أما (الخلود) الذي يبحث عنه المبدع فهو فيما يقدمه من عطاء ثقافي واإبداعي وقيمي، وتكون هي نتاجه الذي يبقى في النهاية، يكون له (خليفة) ورافدا لن يتوقف جريان نهره، فالشمس من وجهة نظر الكاتب، وكما أشار اليها في مقدمة روايته تمر على كل الكون وعلى ملايين البشر دون أن تنظر إلى حال هذه المجموعة البشرية أو تلك، وما اذا كانت أحوالها حسنة او سيئة، مفرحة أم حزينة، وكذلك النهر، فهو لا يعرف ان من يجلس على جانبيه عاشق أم قاتل، وهو لا يدرك مشاعر كل من يمرون بقربه ولا يعرف أهواءهم ولا أمزجتهم، وهكذا الحياة، يمر عليها البشر وأقدارهم هي من ترسم لهم معالم خطواتهم، والى أين يسيرون وأين يتجهون وكيف تنتهي أحوالهم وما يؤول اليها مصيرهم!!

وربما تشكل الرواية الاخيرة لأمجد توفيق إحدى المحطات الفارقة في عالم الإبداع الروائي للكاتب المبدع والقادر على ان يحدث ما يشبه (الانقلاب) في عالم الابداع الأدبي الثقافي، كما أسميته في مقال سابق قبل فترة واعيد تأكيده الان لأهميته لما يحتويه من فلسفات وعبر ومواقف وسلوكيات وقيم، وتكاد تكون (قنبلة الموسم) لما تحتويه من أفكار مبدعة مثيرة وبأدوات مختلفة عن تلك الروايات التي شهدناها من قبل، ففي كل رواية تكون أدواته مختلفة تماما وهذا سر أي مبدع، فلكل مرحلة أسلوبها وطريقة كتابتها ومضامين أفكارها، لكن رواية "الساخر العظيم" هي من تعيد الثقافة إلى أفقها الرحب وعالمها المثير.

وقد يجد فيها المتمعنون بقراءتها على أنها كأس شرابهم الذي يسحرهم، ويتمعنون في كل هذا الكأس الكثير للانتباه، ليكون مبتغاهم الى ما يحلمون به من ارتقاء سلالم المجد، ولكي يرتقي الانسان بعقله وأفكاره، لكي يتحدى الزمن، ويبقى الانسان المبدع (الرقم الصعب) في معادلة الثقافة في عالم اليوم!!

دخول مشوق لمقدمة فلسفية رائعة حاول الروائي الكاتب أن يبدع فيها ليرغم القاريء على دخول عالم تلك الرواية وفصولها المطولة، ولهذا تراه يقول في مقدمة تلك الرواية: "أنا الراوي العليم الذي قرر أن يكشف عن وجهه، ويتخلى عن مساحيق التجميل، ويمزق الستارة التي يختفي وراءها ".

ويضيف "أنا الاله في مملكتي، أشيد روايتي العظيمة. ومتعتي أن أسخر، وأعلم رعاياي فن السخرية العظيم الذي لا يتحقق أو ينفتح على معناه دون القدرة على السخرية من الذات. أنا رب مملكتي، أنا الراوي العظيم كلي المعرفة، قررت أن أفتح السخرية على معناها، عندها فقط، ستحقق عظمة روايتي أو مملكتي ".

للكاتب أربع روايات سابقة هي "برج المطر"، و"طفولة جبل"، و"الطيور الحرة"، و"الظلال الطويلة". وقد لاقت رواجا كبيرا بين قرائها. وآخرها رواية "الساخر العظيم" الاكبر حجما والاكثر إثارة للاهتمام !