من رحاب الأسطوري إلى تفاصيل اليومي في شعر شمس الدين العوني

سياق قصيدة النثر ومنظورها التحديثي

تجربة شمس الدين العوني الشعرية التي سنحاول الجوس في بعض شعابها تضمنتها خمس مجموعات شعرية هي على التوالي: ورد الرماد، أمجّد هذا الهذيان، التراب الذي فوقه سماء، سيكون هناك سبب، تحت شمس وارفة الظلال، وشكلت- لتميزها - موضوع درس وتعليق من قبل المهتمين بمنجز القصيدة المعاصرة ووجوه حداثتها.

وقد حرص الشاعر على إثبات شذرات من تلك التعاليق والدراسات في ظهر بعض من مجاميعه، فكانت مرايا عاكسة لانشغالات النص وانتظارات التلقي.

والحقيقة أن المداخل إلى تجربة شمس الدين العوني الشعرية متعددة. ومن جملة تلك المداخل ظاهرتان لفتتا انتباهنا في المجموعتين الأولى والأخيرة، فصغنا منها عنوان مقاربتنا ليكونا جسر عبور إلى بعض خصائصها الشكلية والمضمونية.

وسنقتفي آثار الأسطوري في مجموعته الأولى ونقف على بعض تفاصيل اليومي في مجموعته الأخيرة.

والأسطوري- وفق بنيته الصرفية - اسم منسوب إلى الأسطورة، فلا غرابة أن يحدد هشام الريفي حقيقته من خلال علاقته بها، قال "وإنما الأسطوري "le mythique" أرحب من الأسطورة "le mythe" وأشمل، ثم فصّل المجمل فأضاف "... ونقصد بالأسطوري معين الأسطورة وموادها الأولى. فهو أبعد منها أمدا وأسبق وجودا.

فإذا كانت الأسطورة خطابا جماعيا موروثا، فإن الأسطوري علامات تنبجس من قرار الذات الفرد وإن كان لها أصل ثابت في اللاوعي الجمعي. وإذا كانت الأسطورة خطابا قصصيا فالأسطوري كالأسطورة وقد انحل عقدها وانتثرت حباتها. فهو يأتلف من المقدس والأنماط العليا والرموز النمطية والصور النمطية وهو يشتمل إلى ذلك على الوحدات الأسطورية الدنيا "mythèmes" وهذه وحدات دنيا "كأسماء الأعلام (أدونيس) وأسماء الأمكنة (إرم – عبقر) والأشياء (الرماد)، تقتطع من الأساطير وتفصل عنها. وكثيرا ما ينفرط عقد الأساطير في الشعر فلا يطفو منها على سطح القصائد سوى نثار من العلامات الميثولوجية".

إضافة إلى ما تقدم نقول إنه لا يمكن الحديث عن الأسطوري إلا إذا أجريت مفردات اللغة إجراء يخرجها من حيز العلامة إلى فضاء الرمز، ويشحنها بإيحاءات تفتحها على عالم الأساطير. فكلمة "ورد" – معزولة - علامة أيْ اسم لمسمى في مرجع معلوم، تدركه الحواس بصرا وشما ولمسا، لكنها حين تضاف إلى "رماد" - كما جاء في العنوان - تغدو رمزا أي تكتسب دلالات جديدة يضيق عنها المرجع العيني ولا تحيط بماهيتها الحواس لما في اللفظين "الورد والرماد" من دلالات متعارضة تعارضا كليا، ولكن أولاها "دلالات الورد" تنبثق بحكم التركيب الإضافي من أخراها "دلالات الرماد" مما يجعلنا أمام عقيدة تؤمن بانبثاق النقيض من نقيضه: انبثاق الحياة من الموت، وبتعبير شعري انبثاق الورد من الرماد.

وقتها نجد أنفسنا وجها لوجه مع أسطورة العنقاء أو أسطورة الفينيق الذي ينبعث من رماده، وهذه العقيدة شائعة في المدونة الشعرية المعاصرة. وحسبنا في هذا المقام سياقات من قصيدة درويش: طريق دمشق( "الديوان. مج 2/358) حيث يتجلى إيمان الشاعر بولادة النقيض من النقيض أعني إيمان الشاعر- وهو صاحب قضية - بانبلاج الفجر من ليل الهزيمة الدامس.

قال مخاطبا دمشق:

من الموت تبتدئين، وكنت تنامين في قاع صوتي ولا تسمعين..

...

دمشق! انتظرناك كي تخرجي منك

كي نلتقي مرة خارج المعجزات

وكان في مفتتح القصيدة خاطبها آمرا:

اغتسلي يا دمشق بلوني

ليولد في الزمن العربي نهار

وإيمان شمس الدين العوني بهذه العقيدة لا يبوح به العنوان فحسب بل يعضده شكل التقديم "ص7" ومضمونه أيضا، حيث بدا الشاعر واعيا تمام الوعي بما يفعل، قاصدا إليه عن رويّة وسبق إصرار. فعلى صعيد الإخراج الطباعي يلحظ المتلقي النقاط المسترسلة المحيطة بالملفوظ والصورة الخطية المتقطعة لواحد من عناصره.. أما اللافت في المضمون فهو التصريح بما أضمره العنوان، قال:

ومن أجل أن..

ينبثق الورد

من هذا الرماد

الم.. ت..نـ..ا..ث..ر

هنا..

وهناك..

وفي الانتقال من الإضمار إلى التصريح إعلان عن رسالة الشاعر. وجوهرها انخراط في سلك المدافعين عن عناصر الحياة. وقد جاءت الصياغة صريحة لا لبس فيها ولا غموض بحكم ما في التركيب النحوي من دقة وتفصيل "المفاعيل المحيطة بالفعل والفاعل والنعت الملفت بشكله الطباعي".

ولكن هذه الدقة وذلك التصريح لم يحولا دون بروز ظلال أسطورية في ثنايا الخطاب، بعضها نابع من المضمون "ولادة النقيض من النقيض" وبعضها الآخر مصدره الإخراج الخطي المتفاصل للفظة "المتناثر" حيث تتطابق الصورتان البصرية والسمعية "التقطع" مع الصورة الذهنية "التشتت". فإذا جمعنا الدلالتين "السعي إلى بعث الحياة فيما تناثر من أشلاء الموات" انقدحت في الذاكرة خيوط أسطورة مصرية فرعونية، فيرتسم أمامنا مشهد إيزيس وهي تذرع ضفاف الوادي من الشمال إلى الجنوب بحثا عن أشلاء أوزيريس لتعيد إليه الحياة.

هكذا يبدو شمس الدين العوني منهمكا في تجميع ما تناثر من أشلاء الرماد في أبعاده الرمزية اجتماعية كانت أم ثقافية، فكرية أم سياسية عساه ينفخ فيه من روح الشعر فيستوي كائنا جميلا يزخر بالحياة.

وهل كان يحمّل نفسه هذه المشقة لولا احتراقه بأوجاع بني أمه وانتماؤه "لخريطة ضاقت بمائها والأمنيات". فلا غرابة أن تتفجر استفهاماته في قصيدة "ورد الرماد" (المجموعة ص13) المؤرخة بشهر مارس/آذار 1990 وواقع الأمة في مهب الرياح:

ماذا يقول الفتى لأشيائه؟

والبلاد على ظمإ عظيم

تيه / فوضى

...

بأي صمت يلوذ والخريطة ضاقت بمائها والأمنيات؟

...

أنى للفصول الثقيلة أن تعشقها النوارس؟

هي أسئلة من "ساءه أن يرى الشارع يعانق رماده والنخلة التي خامرها النشيد تهوي فيغدو الطريق يبابا" والحلم سرابا.

لكن إيمان الشاعر الثابت بجدل المتناقضات جعله يلمح خلف عتمة الحاضر الأليم إشراقة "الصباحات القادمة" فانبرى متوعدا أعداء الحياة.. مبشرا بميلاد صباح جديد:

يا الواهمون.. مهلا.. هذي الطريق اليباب

ستعرّي لهفتكم القذرة

- أيها الورد

احترس.. احترس

وسم الصباحات القادمه

رحيلهم ثم.. احترس

تستوقفنا في هذا المقطع لعبة الضمائر وثنائية الحضور والغياب. فأعداء الحياة الحاضرون من خلال ضمير الخطاب في الأسطر الأولى "يا الواهمون - لهفتكم" غابوا - وعبر الضمير أيضا - في السطر الأخير "رحيلهم" في حين أن الحلم المعقود بناصية الآتي "الصباحات القادمة" غدا بفعل التسمية أمرا واقعا ملموسا وبات تأثيره في من حوله مجسدا محسوسا "بقدومه رحل نقيضه". هكذا تبدو الصباحات/ الحلم بحكم التسمية حقيقة ماثلة يعلن قدومها عن رحيل أعداء الحياة.. ولكن لا مناص من الاحتراس.. فمكرهم متعدد وأقنعتهم لا تنتهي.

كما يستوقفنا ما بين "اليباب" و"الصباحات القادمة" من تعارض في الدلالة يفضي تحليله إلى بروز مقابلتين: طرفا الأولى خصب وجدب وطرفا الثانية نور وظلمة. وكلتاهما من الصور النمطية المحيلة على أساطير التجدد والانبعاث. مما يعني أن شمس الدين العوني يواصل في هذا الاتجاه عقيدة الشعراء التموزيين؟ وحسبنا شاهدا على ما نقول إعلانه الصريح عن انتمائه إلى العشب وهو رمز من رموز البعث.

لقد خصه بقصيدة كرر فيها عبارة "منتميا للعشب" أربع مرات، يقول:

منتميا للعشب وأفاخر بأن للريح أعداء

ولي رغبة هائلة:

كل ما لا يقال.. يقال

فقامة البلاد أعلى من الكلام

لقد اختار الشاعر الانحياز إلى رموز الحياة. وترتب على اختياره هذا موقف لا يهادن ولا يداري حتى وإن اقتضى الأمر تجاوز المحظور. فالشاعر مسكون برغبة هائلة في الكلام بل ومتلبس بأسئلة الهتك كما يقول "راجع الجملة الواقعة في آخر المقطع الثاني بين قوسين: وعبدالله كان غريبا متلبسا بأسئلة الهتك

والهتك فضح وكشف:

كل ما لا يقال.. يقال

لأن التي من أجلها يرفع الشاعر حداءه أعلى من كل كلام بما في ذلك كلام الشعراء:

فقامة البلاد أعلى من الكلام

لكن المربك في هذه القصيدة إعلان الشاعر انتماءه إلى الريح أيضا. والريح حين ترد في صيغة الإفراد لا تقترن إلا بالدلالات السلبية، فالريح المفردة- في المخيال العربي الإسلامي – صرصر، أما الرياح الجمع فلواقح. والريح بهذا المعنى نقيض العشب: رمز الخصوبة.. فكيف ينتمي الشاعر إلى الشيء ونقيضه؟ لعل هذا الاستغراب يزول حين نقرأ مقطعا من قصيدته "كلام إليهم" (ص81-83)، أهداه إلى عماد الشيحاوي:

ليس على الريح المجنونة

حرج

حين تسلخ هذا الخراب

تبدو الريح - في هذا السياق - نقيض الخراب، مرادفة للخصاب، وفعلها "تسلخ" عميق الدلالة من هذه الناحية. فهي لا تكتفي بكنس مظاهر الموت بل تجتثها اجتثاثا.

فلا غرابة أن يقيم الشاعر بينها وبين العشب علاقة تناغم وأن ينيط بها وظائف تجعلها دون منازع رمزا من رموز الحياة "تنقي عناصر الحياة من شوائب الموت "ورق الليل - الغصن/الجرح" إلى محمد علي شمس الدين (ص62)، قال:

هي الريح..

تداعب عشب الحياة

تنقي ورق الليل من الورق

تباعد الغصن عن الغصن/الجرح

لكن تفاؤل الشاعر وإيمانه بانبثاق الورد من نثار الرماد يهتزان أحيانا، وأسباب ذلك عديدة منها: تردي الواقع وتواطؤ أعداء الحرية والحياة، نستشف ذلك من سياقات كثيرة أكثرها تصريحا هذا الحوار (ص45):

قلت: الطيور

قال: القفص

قلت: الورود

قال: المقص

قلت: البلاد

قال: العسس

بل وتدركه الخيبة فيلوذ بالغربة حين يكتشف خيانة الصديق وحين تفجؤه ازدواجية الرفيق، فيصرخ مكررا (54):

دع الصداقة ودع الصديق

فكل الذين فتحت باسمهم

ديار القلب

خربوا العشب وخانوا الطريق.

دع الصداقة ودع الصديق

فغربتك والورقة: فردوسك

وحشدهم: وحشة وطريق.

غير أن إيمان الشاعر بانتصار الحياة على فلول الموت يطالعنا من جديد في مجموعته الثانية "أمجّد هذا الهذيان" فتحضر الرموز ذاتها بل ويكرر بعض السياقا. لاحظنا ذلك في قصيدة سماها: "البستان.. الهذيان وورد الرماد" وختمها بمقطع استحضره من قصيدة مركزية في المجموعة الأولى، عنوانها ورد الرماد، قال (ص46):

يا أيها الورد – احترس - وسمّ الصباحات القادمة

رحيلهم

ثم احترس

وإذا كانت المجموعة الثانية امتدادا في بعض وجوهها لما طغى في المجموعة الأولى "النزعة التموزية" فإنها تضمنت ما سمي في المصطلح النقدي ب ـ"تفاصيل اليومي" الذي شكل السمة الطاغية على مجموعته الخامسة: تحت شمس وارفة الظلال. ففي هذه المجموعة بدا الشاعر أكثر انشغالا بمفردات يومه وبدت عدسته أشد احتفاء بتفاصيل المسموع والمرئي. فما تجليات ذلك؟ وما دلالته في سياق تجربته الشعرية؟

نشير بدءا إلى أن الإنشغال باليومي أفرز - في مستوى المنجز النصي - ضربا من الكتابة سمي القصيدة اليومية أو قصيدة التفاصيل. غير أننا لم نعثر- في ما وقع بين أيدينا من بحوث في هذا الغرض - على تعريف شاف ضاف لهذا الجنس من الكتابة.

وكل ما فعله الدارسون قبلنا أنهم حاولوا ضبط خصائص هذه القصيدة الشكلية والمضمونية باعتبارها نقيض خصائص النموذج الذي حاولت تجاوزه معمارا وموضوعا وطرائق إنشاء.

فالناقد الأردني فخري صالح وانطلاقا من أشعار سعدي يوسف مروّج هذا الضرب من الكتابة بما ترجم من أشعار ريتسوس انتهى إلى أنه في "يوميات الجنوب يوميات الجنون" يقتصر على التفاصيل الصغيرة لصناعة قصيدة عارية من الضجيج مكتفية بأقل القليل من العناصر المبتذلة البسيطة التي تصنع الحياة اليومية.. ولفت الانتباه إلى ما في نهايات بعض القصائد من تحول الأشياء غير المتوقع.

وذهب فتحي النصري هذا المذهب حين ربط ظهور هذا التيار في تجربة سعدي يوسف الشعرية بانكفائه على ذاته ابتداء من العقد التاسع من القرن الماضي مما جعل انشغاله بما هو أساسي أو جوهري من حركة الواقع والتاريخ يتراجع ليطفو الفردي والجزئي والعارض من الأحاسيس والظواهر والأشياء.

والشاعر لا يحتفي بها لذاتها بل لما تنطوي عليه من معان خفية تترجم عن مواقفه ورؤاه. ولقد استوقفتنا في المجموعة الثانية مفردة المكنسة وهي من اليومي العابر ومن المبتذل العادي لكن الشاعر زرعها في سياق جعلها حرية بالتمجيد بل لقد صرح بذلك حين خصها بقصيدة عنوانها: "نمدحك أيتها المكنسة" وخاتمها:

لك المجد أيتها المكنسة.

ولا نفهم سر هذا التمجيد ولا سبب ذلك المدح إلا فحصنا متن النص. وقتها ندرك أن مرد كل ذلك وظيفة المكنسة، لم يصرح الشاعر بها، ولكن تعريضه بأشباه الكتبة وهجاءه لنصوصهم التي لا تحمل إلا رائحة الموت يزكيان هذا التأويل فوظيفة المكنسة أبلغ في التعبير عن موقف الشاعر - وإن لم يصرح بذلك - وسعيه إلى تنقية الساحة من:

أشباح ثقيلة...

تلد انهياراتها "..."

أشباح ثقيلة

خاوية كالحطام

ويتضح الموقف أكثر حين نقف على المقابلة الصريحة بين منجزه ومنجزهم، بين عشبته النامية وموتهم الراكض في الكلمات:

أتابع كل ذلك وبي رغبة في الضحك

غير أني أركض خلف نص كالمجنون

فأعثر على عشبة نائية نمت فتعالت

واحتفت بالهواء وبما خلفته طفولة عابره

تلك العشبة خلفت صحراءهم والرياح

فغدوا هم الراكضون موتا متجولا في الكلمات

وقد احتفى الشاعر بتفاصيل اليومي في مجموعته الخامسة احتفاء بيّنا حتى لقد غدت سجلا توثيقيا لسيرته الثقافية وانشغالاته الفنية والإبداعية وهوسه بجزئيات الأشياء والأمكنة انطلاقا من معايناته أو من ذكرياته أو منهما معا كما في قصيدته في "مقهى القشاشين" حيث قادته الذكرى إلى المقارنة بين ماضيها العبق الخصيب وحاضرها الموحش الكئيب:

في مقهى القشاشين

الذي كتبت فيه نص معدن الحال إلى نجا المهداوي

قبل عشرين عاما..

جلست أنتظر فنجان القهوة..

"..."

قفزت إلى رأسي ألوان الذكرى..

"..."

أدركت أن كل شيء تغير

يبخرت رائحة البن

صوت أم كلثوم

الرجال الذين كانوا يناقشون

في هدوء ويطرحون جراح الأسئلة

"..."

لقد تغير كل شيء

وعاد الصمت الموحش

والفوضى "الخلاقة"

وإذا كان الموقف الشعوري الظاهر هو إحساس الشاعر بالغربة والحنين إلى أحضان زمن جميل فإن موقفه الفكري الباطن إدانة لكل ما نجم عن إيديولوجيا العولمة وسياسات الهيمنة وأبرز أدواتها الفوضى "الخلاقة" وقد تحفظ على النعت فوضعه بين علامتي تنصيص إيحاء بنقيضه "الهدامة" وهذه الإدانة تذكرنا بموقف الشابي من سياسة الإدماج في ثلاثينات القرن الماضي (راجع قصيدته: "فلسفة الثعبان المقد"س.)

ومما يلفت الانتباه على صعيد الصياغة هيمنة السرد والسرد الوصفي أو ما سماه فتحي النصري تسريد الشعر. وهو سمة من سمات قصيدة التفاصيل. ومن سماتها أيضا ما سماه جمال باروط المجاز التجميعي أو البنائي حيث تتوالى الصور السردية على أديم الورقة وفق قانون التجاور لكنها تنهض مجتمعة بوظائف متعددة ومثال ذلك قصيدة "بيروت" (ص36) التي سعى فيها إلى التعريف بواحد من شعرائها: محمد علي شمس الدين. فقال:

هو صوتها أو ما دل عليه

وما يدل على صوت بيروت كثير. وقتها ينبري الشاعر في التفصيل فيستحضر من مشاهداته ومن مخزون ذاكرته مفردات أيام بيروت حاضرا وماضيا: ما يتعلق منها بالفن والأدب أو بالسلم والحرب. فينهض معمار القصيدة على قانون التداعي والتجاور وفق آليتي الفصل والوصل. وتتضافر الصور الجزئية بحكم تجاورها في المكان على بناء صورة كلية تفصح عما في بيروت من ينابيع ثراء ودهشة هي سر انشداد الشاعر إليها وإلى من يمثلها في نظره: محمد علي شمس الدين. أليس هو صوتها الناعم أو ما دل عليه؟

ومن خاصيات قصيدة التفاصيل على صعيد المعمار لعبة المفارقة وهي تقوم وفق عبارة فخري صالح على تزويج الأسطوري باليومي واستنبات اللامعقول في المشهد اليومي العادي.

وقد تعددت النماذج في المجموعة الخامسة. ولعل أشدها وقعا في النفس المقطع الأخير من قصيدة: "جدول الرغبات... عصافير أحمد" (ص17-22) حيث وقف الفلسطيني في غزة أعزل محاصرا أمام آلة الإبادة الصهيونية وفسفورها الأبيض:

كانت الأرض تمعن في التحليق

وخلفها جيش من العاشقين...

حيث العصافير

تزين السماء

تدفع بريشها الناعم

غمامات الفسفور الأبيض

وتغني

للأطفال...

لأحمد.

الدلالات: من الدلالات التي يمكن استنباطها من تجربة الشاعر جملة ومن انشغاله بتفاصيل اليومي على وجه التخصيص دلالتان:

1 - انغراس الشاعر في لحظته الراهنة وجوديا وانسانيا:

تجلى ذلك في انشغال الشاعر بأوجاع ذاته وانشغالاتها وهموم الجماعة وتطلعاتها. ولقد صدق رمزي العياري حين قال مصورا علاقة الشاعر بمضامين نصوصه "قصائد تزدحم بالأسماء والأماكن والحنين والذكريات دأب الشاعر على الانغماس فيها إلى حد القلب.

إنه لا يطل من الشرفة ويكتفي بالوصف الهادئ من وراء البلور بل يكتوي بنار العالم ويشرب من جوهر الحياة الخالد. فانغراس الشاعر في لحظته الوجودية عائد إلى إيمانه بدور الإبداع في مواجهة هشاشة الوجود وبشاعة العالم. من هنا كان تمجيده "عبر الإهداء أو الإحالة" للمبدعين مغنين وعازفين، شعراء وفنانين تشكيليين.

ويعود هذا الاحتفاء أيضا إلى إيمان الشاعر شمس الدين العوني بقدرة الفنان على إدراك الجوهر في الهامش والجميل المفيد في التافه المبتذل.

بدا ذلك جليا في حديثه عن جمالية الكلاج عند الفنان التشكيلي حمادي بن سعد الذي "أبصر القصائد تلوح عبر الأوراق وغيرها من العناصر المتروكة". تدخل هذه العناصر المهملة مصهر الفن فتخرج عالما زاخرا بالجمال والمعنى يواجه به الفنان بشاعة عالمنا المعتل:

هكذا إذن أعاد حمّادي بن سعد هامش الأشياء إلى

الجوهر ليصير المتروك في الواجهة نحتا للقيمة..

صرخة الهامشي والمتروك والمنذور

للاضمحلال تجاه ذواتنا.. تجاه المركز.. وتجاه العالم في نظامه الجديد المعتل

لكن هذا المقطع - على خلاف باقي المقاطع - طغى عليه التصريح والنزعة النثرية بحيث بدت طاقته الشعرية في أدنى درجاتها. لكأن هم الشاعر الأول والأخير وظيفة الخطاب الإبلاغية وإيصال رسالة مفادها أن الفنان الحق من واجه بإبداعه بشاعة العالم. فكرة آمن بها وبثها في نصوصه الشعرية والنثرية على حد السواء وحسبنا شاهدا في هذا السياق بعض ما جاء في متابعة ثقافية لاحتفالية تخص الفنون التشكيلية.

قال "هكذا إذن.. يحق لمدينة المحرس أن تفخر بنجاحها في لم شمل أكثر من ألف فنان تشكيلي جاءوا من جهات الكون.. تقودهم فكرة باذخة. القول بجمال العناصر والأشياء رغم حرقة الأسئلة وألم الكينونة ووجيعة الدواخل. والقول بمواجهة التنميط وعولمة كل شيء.. الاقتصاد.. الثقافة.. الأشكال.. الوجوه.. وكل ما هو حميمي وخصوصي.." وهذا شاهد آخر على انغراسه في لحظته الوجودية.

2 - انخراطه في رؤية شعرية متحولة:

ومن دلالات انشغاله بتفاصيل اليومي انخراطه في رؤية شعرية قوامها نص مفتوح على مهب الخطابات، مشرع على تنوع المهارات الإبداعية والتشكيلية. وهي في الحقيقة امتداد لرؤية تحديثية عرفتها الساحة الشعرية العربية مع بروز مجلة "شعر" اللبنانية أواخر خمسينيات القرن الماضي وتنظيرات أدونيس على وجه التحديد. وعرفتها الساحة الشعرية التونسية تحت لافتة "القصيدة المضادة"، و"في غير العمودي والحر".

وهذه الرؤية تقوم على مبدأ التقويض والتجاوز ومن أبرز مظاهرها فرقعة العروض والتخفف من بهرج البلاغة القديمة ونسف الحواجز بين الأجناس وصهرها في لون أدبي جامع اسمه الكتابة.

واحتفاء شمس الدين العوني بهذا المنزع جلي في مجموعته الأخيرة من ذلك مثلا تمجيده لنص الراحل سركون بولص وهو واحد من أقطاب قصيدة النثر والكتابة الجديدة، قال:

مثلما تمكث التفاصيل واللحظات في

القصائد.. يستجمع الشاعر حكايات الكون وهو

يرفس النص الحجري "المألوف" بقدميه الحافيتين

"اللغة الخفيفة".. هي حكايات جميلة تخص النمل

الطائر، الإمبراطور، الفراشة، الغزالة، المغول، الحرائق، السنما سكوب..

ترى ماذا يجمع بين هذه العناصر.. لعله.. بل هو

نص بولص المتشكل بعيدا عن رأسمال الشكل

وبهرج اللغة (ص9-10).

ومن اللافت في هذا السياق اشتمال المجموعة على نص "في الكتابة". هذا هو عنوان القصيدة التي يؤكد مضمونها ما نحن بصدده أعني انخراط الشاعر في رؤية إبداعية مغايرة للموروث، متجاوزة للمألوف، يقول (ص93):

نجد في الكتابة ما يبدو حالما، متوثبا ومصدوما لا

يطلب الاطمئنان.. ثمة إذن وبهذا الشكل نهر من

الأسئلة على ضفافه أطفال يستطيعون أن يفعلوا كل

شيء، من ذلك مثلا خروجهم المألوف عن القطيع

اللغوي في تفاعلاته البائسة واليائسة.. هكذا يتسنى

لهم الوقوف لساعات وبلا ملل أمام مرآة ملطخة

بلون الغبار

تستوقفنا الصورة الأخيرة في الشاهد فتعيدنا المرآة الملطخة بلون الغبار إلى ما في اليومي من تفاصيل تبدو للنظرة العجلى كثيرة الابتذال لكن عين الشاعر تقف أمامها ساعات تتملاها لتستنبط ما انطوت عليه من دلالات.

• الخاتمة:

ما قلناه لا يعدو أن يكون قراءة محدودة ومخصوصة، هي محدودة لأن الوقت لم يسمح لنا إلا بالإطلاع على ثلاثة مجاميع من أصل خمسة. وهي مخصوصة لأنها تنطلق من النص وتعود إليه. فهي إذن قراءة للتجربة بما تقوله نصوص صاحبها بغية الكشف عما فيها من قيم جمالية وقضايا مضمونية تمكن الدارس من تصنيفها وتحديد منزلة صاحبها من حركة التحديث الشعري. وذلك ما سعينا إليه خلال هذه المداخلة انطلاقا من مجموعتيه "ورد الرماد" و"تحت شمس وارفة الظلال".

ومجمل القول إن أغلب نصوص شمس الدين العوني؛ تتميز في سياق قصيدة النثر ومنظورها التحديثي بطاقة شعرية عالية استفادها الشاعر- فضلا عن موهبته - من قراءاته لأعلام الشعر الحديث ولانشغالاته بالفنون لا سيما التشكيلية منها. ولعل هذا يكون مدخلا آخر إلى تجربته الشعرية مقرونة هذه المرة بكتاباته النثرية. وهي لعمري جديرة بمزيد الدرس والاهتمام.

أستاذ الشعر الحديث بالجامعة التونسية