بعد الغوطة.. الإرهاب أرحم

قبل الحديث عن "مجزرة الغوطة" لا بدّ من إعادة التذكير ببعض المحطات التي سبقت ثورة الشعب السوري في 16 آذار/مارس 2011.

كما هو معروف ان النظام السوري من الأب الى الإبن، كان يحرص على الإحتفاض باصحاب السوابق الشائنة والإرهابية في سجونه وهم كثر، لابتزازهم وقت الضرورة فيصدّرهم الى خارج سوريا للقيام بأعمال أمنية او إرهابية ضد أخصامه السياسيين او ضد الدول المعادية له.

فارسل السيارات المفخخة بعد غزو الأميركيين للعراق عام 2003، لإرباكهم.. لكن ضحايا التفجيرات كانوا من العراقيين.. وليقول لأميركا انا الضامن الوحيد لرد الإرهاب عنكم، وهو الراعي الأول له.. وبنى الأب ثم الإبن مملكتهم التي استمرت قرابة نصف قرن.. على نظرية: "رد الإرهاب عنكم مقابل استمرار النظام والعائلة في الحكم" والأب كان "الأشطر" في الإبتزاز.

وفي العام 2007، كانت معركة مخيم نهر البارد بين الجيش اللبناني وحركة "فتح الإسلام" بقيادة شاكر العبسي وهو منتج فلسطيني تابع للنظام السوري.. وقالت "ملائكته" في لبنان "ان مخيم نهر البارد والمدنيين الفلسطينيين 'خط أحمر' لا يجوز الاقتراب منه"، ورفضوا الحل العسكري محذرين من دخول الجيش الى المخيم لتحريره. وكان النظام واتباعه لم يهضموا بعد إخراج جيش النظام السوري المذل من لبنان في 16 آذار 2005، عقب اغتيال رفيق الحريري.

ولا بد من إعادة التذكير ايضا بكلام فاروق الشرع في حديث نشره ابراهيم الأمين في جريدته "الأخبار" عام 2012، يقول فيه: "في بداية الأحداث كانت السلطة تتوسل رؤية مسلح واحد أو قناص على أسطح إحدى البنايات لتبرر قمع المتظاهرين".. التي عمت كل سوريا دون اطلاق رصاصة رغم مجزرة درعا التي اشعلت انتفاضة الشعب السوري.. وشهد شاهد من اهله، ان الثورة السورية بدات فعلا سلمية وغير مسلحة الا بشعارات التغيير الديمقراطي والمطالبة بالحريات السياسية.. الى ان تحقق حلم الشرع، ففتح ابواب سجونه امام معتقليه امثال شاكر العبسي ودسّهم بين المتظاهرين لتشويه وإجهاض ثورة الشعب السوري السلمية.. ثم بدأت قوافل الإرهابيين من كل أصقاع الدنيا تُغرق سوريا.. وعندها تحقق "الحلم" وضع النظام السوريين امام خيارين: "إما ارهاب التكفيريين واما إرهاب نظام الأسد".

ونكتفي بهذه المقدمة التذكيرية للإنتقال الى حديث اللحظة "حرب الإبادة" في الغوطة الشرقية.

في البداية، ان حرب الغوطة الشرقية هي بالحقيقة حرب "التقاطعات" بين النظام السوري وايران من جهة وبين اسرائيل من جهة ثانية، والغوطة هي الملعب والمسرح. خاصة انها معركة روسيا برضى ايراني قبل ان تكون معركة النظام الذي هو الآداة.. لكن الضحايا هم أهل الغوطة.. وقد وُضعوا اليوم ايضا بين خيارين: "ابادة الغوطة او الركوع لإرهاب الأسد".

والصمت الدولي عن إدانة "إبادة الغوطة" خير دليل على تفاهمات روسيا وايران وتركيا والشراكة المتينة والعميقة بينهم وبين النظام، ورغبتهم منه في أعطاء نظام الأسد الوقت الكافي لحسم معركة الغوطة لصالحه ولو كلّفت إبادة كل سكانها.. فها هو لافروف يرفض تحميل النظام مسؤولية الإبادة في الغوطة.. والجنرال فلاديمير شامانوف الذي يترأس لجنة نيابية مكلفة الدفاع أمام (الدوما) يقول: "اختبرنا في دعمنا للشعب السوري أكثر من 200 نوع جديد من الأسلحة". وآخر اختبار روسي في الغوطة الشرقية كانت "سوخوي 57" التي تُعتبر من الجيل الخامس.. ودي ميستورا "قلق" ويتحدث عن ضرورة "تجنّب حدوث مذبحة لأن التاريخ سيصدر حكمه علينا" فيما المذبحة قائمة.. والعرب و"جامعتهم" "يحذرون ويستنكرون ويأسفون" كما غرّد الجبير انهم "قلقون من استمرار هجمات النظام السوري على الغوطة الشرقية".. وكأن الإبادة حاصلة في الفضاء الخارجي. وهكذا يتفرج العرب والغرب "ومجلس أمنهم" على "مذبحة الغوطة" التي حصدت خلال خمسة ايام 500 قتيل من الشيوخ والأطفال. والحبل على الجرار.

واذ لا تجوز المقارنة بين مذابح اسرائيل ومذابح النظام السوري كما يحلو لبعض احزاب "الممانعة"، غير ان مذابح اسرائيل كانت ضد الفلسطينيين فيما مذابح الأسد هي ضد شعبه.

وهكذا، فالمجتمع الدولي لا يتفرج على "المذبحة" فحسب، بل هو متواطئ وداعم ومسهُل لعملية إبادة القوى العسكرية المعارضة التي تتحصن في الغوطة من فيلق الرحمن وجيش الإسلام إضافة إلى مئات آلاف المدنيين.. دون ان ننسى دور ايران المحوري في المذبحة. فالغوطة هي هدية الروسي والتركي لإيران وحزب الله، بموافقة إسرائيلية، تقديرا لدوره الفاعل في قتل الشعب السوري.

والروس نقلوا رسالة واضحة لإسرائيل من عباس عراقجي بأن "معركة الغوطة رسالة تطمين الى اسرائيل وهدف إيران من دخولها سوريا لم يكن فتح جبهة مع إسرائيل، بل مواجهة الإرهاب".

وهل نسينا سحب الاتراك بعضا من الجيش الحر التابع لتركيا من حلب، تسهيلا لدخول القوات الإيرانية إليها.. والمعادلة كانت: "تسكت تركيا عن مجزرة الغوطة مقابل غض النظر الروسي عن معركة عفرين."

اما قول الروس ان هدف الحرب على الغوطة الشرقية هو القضاء على تنظيم داعش فهو كذب لتبرير المجزرة.. وتناسوا انهم في كانون الأول 2017، أعلنوا على لسان الرئيس بوتين "انتصارهم في الحرب على داعش" فكيف ظهر تنظيم داعش بعد شهرين في الغوطة الشرقية؟ فالروس اما كذبوا عند إعلانهم الإنتصار واما يكذبون في الغوطة والأمر سيّان.. انهم يكذبون.

بقي ان نقول، ان معركة الغوطة الشرقية تترجم توافق واختلاف الكبار سواء الإقليميين او الدوليين.. بإعلانهم الصريح ان الساحة السورية كانت وستبقى في حالتي التوافق والإختلاف، صندوق البريد المشبع بدماء السوريين.. بانتظار الوصول الى تقاسم "الجبنة" بين روسيا واميركا وايران وتركيا.. والى حينه ستبقى سوريا ساحة مفتوحة على كل الإحتمالات.

فالغوطة ليست الا الحرب الصغيرة ضمن الحرب الكبرى وهي معركة رسم خريطة التوزيع الديموغرافي السوري.. بعد الإنتهاء من نقل اهل الغوطة ربما الى ادلب.. "مناقلة" سنية - علوية لحماية دمشق.. وليتسنى لإيران رسم حدود نفوذها في سوريا.. وليتسنى لتركيا انهاء معركتها ضد الكرد في عفرين بالتنسيق مع النظام السوري لرسم حدودها الجديدة.

بعد إبادة الغوطة لندع السوري يختار طريقة موته بين الكيماوي والبراميل، او بين الشنق والسحل، او بين الإرهاب والإبادة، او بين صيدنايا وفرع فلسطين.. الشعب السوري تذوق كل الخيارات منذ نصف قرن وهو الأدرى باختيار مصيره المحتوم في هذا "السجن الكبير"!