فيتو الحرب على غزة

تصاعد حدة التوترات وحدوث التحامات عسكرية مباشرة بين إسرائيل وكل من سوريا وإيران، ضاعف من التقديرات التي ذهبت إلى عدم استبعاد وقوع حرب، مجالها الأراضي السورية أو اللبنانية.

المتابعون لتعقيدات المشهد الإقليمي، استبعدوا هذا الاحتمال، فحدوثه يعني فتح الباب لسلسلة طويلة من الصراعات، قد تؤدي إلى احتكاكات بين قوى دولية مؤثرة، نجحت في تجنبها على الأراضي السورية خلال السنوات الست الماضية، ووصل الأمر إلى تفاهم على مناطق النفوذ والتعاون التنسيق، بما أبعد شبح الصدام العسكري ولو بالصدفة.

في ظل الحشود التي تزخر بها الساحة السورية، لا أحد يستطيع القطع باستبعاد سيناريو الحرب، لأن المناوشات بين إسرائيل وإيران ارتفعت سخونتها عما كان معروف عنها، بشكل قد يُغير معادلة القوة التقليدية التي ارتاحت لها الأولى ومكنتها من تحقيق تفوق نوعي لافت، لذلك يرى البعض أن الحرب ربما تكون وسيلة إسرائيلية لإعادة التوازن لسابق عهده.

المعلومات الواردة من روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وغيرهم، شددت على عدم الرغبة في الانجرار إلى حرب مؤشراتها تلوح في الأفق وبقوة، لأنه يصعب السيطرة عليها عند الحدود التي يريدها أي طرف، في وقت أصبح فيه السلاح يملأ جعبة الكثير من القوى وفائضه أو اختباره أو تعديل الدفة، من ضمن عوامل عدة تغري بالعدوان.

كبح جماح الحرب في سوريا، لم يحل دون كلام عن نية إسرائيل شن حرب جديدة على لبنان، واستهداف عناصر حزب الله الذي تضخمت قوته المادية والمعنوية عقب انتصارات حققها في سوريا، لكن النتيجة التي تؤجل المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران، هي نفسها يمكن الاستعانة بها لفرملة الحرب على لبنان.

بمعنى آخر، من الصعوبة السيطرة على المدى الذي يمكن أن تبلغه المعركة العسكرية، فطهران التي وقفت إلى جانب حزب الله في الحرب الماضية بصورة غير مباشرة، قد تجد نفسها منخرطة في الحرب الجديدة، ما يخلط الكثير من الأوراق ويجعل من الترتيبات التي تريدها قوى كبرى للمنطقة عملية مستحيلة.

المقارنة بين ظروف حرب لبنان 2006 وما يجري الآن بعد نحو 12 عاما مختلفة تماما، من حيث الأجواء والأهداف والقدرات العسكرية والحسابات السياسية، وإرادة بعض القوى الدولية في السيطرة على التصورات والتصرفات وتحجيم الانفلات أصبحت أقل اليوم، ما يجعل الفوضى مصيرا محتوما لهذا النوع من الحروب المرفوضة.

الحلقة الضعيفة التي يتم الحديث عنها الآن، هي قيام إسرائيل بشن حرب على قطاع غزة، تعيد لها ما فقدته من هيبة وقوة معنوية اثر سقوط طائرة إف 16 بصاروخ انطلق من الأراضي السورية مؤخرا، كاد أن يصيب معه قيادتها العسكرية بالدوار، لأن دلالاته الميدانية كبيرة.

ميل كفة الحرب نحو غزة استند إلى اعتبارات كثيرة، في مقدمتها تجنب الصدام المباشر مع إيران، ومحاولة قصقصة أجنحة حماس العسكرية التي تنامت، ورغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في الهروب إلى الأمام، عقب تصاعد الاتهامات الموجهة له بالفساد، والاستعداد لانتخابات الكنيست المقبلة بتحقيق نصر معنوي.

التجهيز للحرب بدأت ارهاصاته تظهر خلال الأيام المنصرمة، من خلال قصف متقطع قام به جيش الاحتلال على غزة، وإطلاق صواريخ كتائب عزالدين القسام على إسرائيل، وتزايد الالتحامات عموما في الأراضي المحتلة، بغرض تهيئة بيئة مواتية لاشعال الحرب.

الترجيح أيضا اعتمد على ما تمر به حماس من مأزق نوعي، فهي تعاني من انقسام داخلي يتم التغطية عليه، وتواجه صعوبة في التفاهم مع حركة فتح بشأن المصالحة الوطنية والفشل في جدولتها بطريقة عملية.

كما أن عوامل تقليص الدعم الإقليمي بدأت تظهر ملامحها على الفلسطينيين في غزة، الذين حمّلوا حماس، إلى جانب الاحتلال الإسرائيلي، مسؤولية الأوضاع البائسة التي يعشها سكان القطاع، وبات بعضهم يتمنى الحرب بحسبانها وسيلة للخلاص من حكم حماس الممتد منذ حوالي عشر سنوات، أملا في واقع جديد يؤدي إلى انفراجة اقتصادية وسياسية.

كل هذه علامات تبدو حافزا قويا لاندلاع حرب إسرائيلية على غزة، لكن ثمة عوامل مقابلة توقف الاندفاع نحوها، وتجعلها خيارا غير مرغوب فيه، ربما تكون المبررات مختلفة نسبيا عن سوريا ولبنان، غير أنها في النهاية تقود إلى نتيجة واحدة، ويمكن التوقف عند أربعة محددات رئيسية.

الأول: إسرائيل لم تعد تستطيع تمرير رؤيتها كما تريد، وهناك دول كثيرة في العالم غير قادرة على تقبل أو تحمل نتيجة عدوانها المتكرر على غزة، بعد أن أرخت المأساة الانسانية بظلال سياسية على قيادات عديدة، وأجبروا على التفكير بجدية في حلول توقف التداعيات السلبية، فما بالنا إذا نشبت حرب جديدة؟

الثاني: حماس تريد الحفاظ على قوتها العسكرية التي راكمتها خلال السنوات الماضية، وتدرك انعدام توازن القوى بينها وإسرائيل وأي مواجهة ستفقدها جزءا كبيرا من قدرتها المسلحة، وهو ما تنعكس آثاره القاتمة على موقفها في مواجهة غريمتها حركة فتح، بالتالي يجب التعامل مع رغبتها المعلنة في تجنب استفزاز إسرائيل بنوع من الجدية.

الثالث: المحيط الجغرافي الملتهب من السهولة أن تتورط بعض القوى الفاعلة فيه، وتجد في أي حماقة إسرائيلية باتجاه غزة مدخلا لإرهاق إسرائيل، لاسيما أن إيران تملك وفرة عسكرية في سوريا قريبة من إسرائيل، كما أن حزب الله اللبناني سوف يجدها فرصة لخلق واقع يمنحه مساحة أكبر للنفوذ لمجرد تلويحه بدخول الحرب.

الحاصل أن العوامل التي جعلت من غزة جبهة منفصلة عن جنوب لبنان وسوريا ساحة بعيدة عن إيران، تلاشت تقريبا، والمسافات العسكرية والسياسية تتقارب بما يجعل التماهي بينها مسألة ليست صعبة، وهو أحد التفسيرات التي يمكن الاستناد إليها في ردع الحرب المنتظرة.

الرابع: صفقة القرن، وهي المشروع الذي يتبناه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ويعتبر تحقيقه أو حتى الاقتراب منه أحد أهم انجازاته السياسية، وأي عدوان على القطاع يمكن أن يخلط الكثير من الأوضاع، ويمنح القوى المتشددة ذريعة كبيرة للتشكيك في نوايا واشنطن، ومن مصلحتها وقف أي تدهور محتمل، كما أن موسكو لن تفرط بسهولة في ما حققته من نجاحات إقليمية، لذلك الفيتو الدولي هو أول من يوقف الحرب على غزة.