الأزهر وابن عربي.. بين القبول والرفض

رفص التصوف الفلسفي

حمل بعضُ الطلاب إلى الشيخ علي جمعة سؤالاً قرأه في مصنف يخاصم فكر ابن عربي على الأرجح، ويتناص مع ما رواه السخاوي في القول المنبي عن ترجمة ابن العربي، يستفسر فيه الطالب عن إمكانية تأويل كلام ابن عربي وكيف يمكن ذلك؟ وقد نصّ العلماء على أن التأويل يلتمس فحسب لكلام المعصوم، وصاحب العصمة التامة هو النبي، أما دون ذلك فلا حاجة بنا إلى التماس تأويل فيمن نطق بما يشبه الكفر، أو ألغز في كلامه وأثار جدلاً فالبعد عنه أولى.

التمس الشيخ جمعة في إجابته من أقوال علماء الفقه وأصوله ما يشير إلى اجتهاد ابن عربي، مثله مثل ابن حزم، اجتهد وأصاب أو اجتهد وأخطأ فهو مأجورٌ، لأنه بين الصواب والخطأ لا بين الحقّ والضلال، كما يتحدث البعض قديمًا أو كما يعاد الحديث عن ذلك اليوم، وفي إجابة الشيخ جمعة أكد أن ظاهرية ابن عربي أثّرت فيه فنحا في كثير من مسائل العقيدة إلى الفكر الظاهري، على أن الأكابر من العلماء عرفوا للشيخ جمعة قدره ولم ينكروا عليه، ومن ذهبوا إلى تكفير الشيخ جمعة هم قلّة ممن لم يفهم عبارته.

الفتوحات المكية موسوعة المعارف

على أن ابن عربي نفسه جعل مقدمة الفتوحات بمثابة الضابط المعرفي لفهم كلامه، فقد كان على وعيٍ بعقلية القارئ الذي سيدهشه هذا الكم من المعارف، التي سبق للصوفية قبل ابن عربي الحديث عن بعضها في إيجاز شديد، لكنه وحده من استطاع أن يصبح بحق ترجمانًا للروحانية الإسلامية.

لم يكن المقام ليحتمل أكبر من هذا، فقد وجّه الشيخُ السائلَ إلى أن الحديث عن ابن عربي حديث طويل، امتد في حياة الشيخ الأكبر وبعد وفاته بقرون، أُلّفت كتبٌ كثيرة في الرد على ابن عربي، وفي القرن التاسع الهجري في مصر حدثت فتنة تشبه فتنة خلق القرآن في القرون الأولى، وتزعّم برهان الدين البقاعي الدمشقي (مفسّر القرآن) حملة لتكفير ابن الفارض وابن عربي؛ وتلقّف أبناء مصر في الوقت الراهن كتابات ابن عربي، فأُعيد نشر ما كتبه البقاعي ومن وافقه باعتبار أن ما يقوله هو الحق المبين، وعلى أساسه تم «فضح الصوفية» و«مصرع التصوف»، ومن مصر انتقلت رسائل البقاعي إلى بلاد الحجاز وأعيد نشرها من جديد وبحث بعض الطلاب عن رسائل مصرية قديمة كُتبت زمن تلك الفتنة، فأعيد نشر وتحقيق بعض الرسائل التي أُلفت في ذم ابن عربي واعتبار كتاباته «قبوحات هلكية» لا «فتوحات مكية»، من العجيب أن رسالة من تلك الرسائل ورد فيها حصرٌ للعلماء الذي يعتقدون في ولاية ابن عربي من المشرق والمغرب زاد عددهم على (180) عالمًا، ومن يميلون لابن عربي ولم يصنفوا في تفسير وشرح كلماته (30) عالمًا من بين هؤلاء من كان مذهبه شافعيًا وحنبليًا ومن كان من أهل الحديث، ومن كان من أهل الفقه، ومن كان من القضاة، كل هؤلاء في وقت واحد على اختلاف مشاربهم وعلومهم اتفقوا على أن هذا الرجل عبقرية قلّ أن يجود الزمان بمثلها.

كُتب لرسالتي البقاعي الذيوع والانتشار عند خصوم التصوف، واعتمدت آراؤه وأفكاره حول مخالفة التصوف الوجودي للثابت من عقائد الإسلام، على أنه لم يتم الالتفات إلى صوفية البقاعي التي يظهرها كتابه عنوان الزمان في تراجم المشايخ والأقران، وكذلك تفسيره للقرآن الكريم هو -بحسب إقراره وتأكيد علماء عصره- لم يكن ليحمل قيمة علمية لولا اعتماده على الحرالي المراكشي الصوفي، صاحب مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل، والمشهور بإتقانه لعلم الحروف من منطلق صوفيّ.. وهو من المدرسة الصوفية الحاتمية نفسها! فلماذا يتمّ اعتماد كلام البقاعي في مسألة ولا يلتفت إلى الأخرى؟ ألا يثير ذلك في نفوسنا سؤالاً حول حقيقة التكفير ودواعيه، وبحث المسألة بشكل أوسع اعتمادًا على وثائق اجتماعية وتاريخية؟!

تقييم أزهري لابن عربي

كثيرون ما يزالون يؤمّلون في الأزهر ويطلبون أن يدلي ببيان حول هذا الموضوع أو ذاك، أو أن يكون له موقف معلن من قضايا دينية بعينها، سنلاحظ إذا عدنا إلى تاريخ مصر أن للأزهر وعلمائه موقفًا تجاه ابن عربي، إذ يروي السخاوي أن للشيخ ابن الفالاتي المصري خُطبة بالجامع الأزهر، وُصفت بالبليغة من قِبَل السخاوي، حثّ الفالاتي فيها جمهور المؤمنين على تجنّب البدع، وتجنّب مطالعة الكتب المشتملة على القبيح والمنكر، جاعلاً الفتوحات المكّية وفصوص الحِكم من جملة تلك الكتب البدعية، وسائر ما يشبهها من المتون والشروحات. وكعادة الخطباء في المساجد الأخرى حتى يومنا هذا، تم تقليد فعل الشيخ، وتبعه من خطباء المسلمين ببعض القرى المعروفة بيقين، اقتداءً بمن سبقهم لهذا الصنيع من علماء اليمن، ورأى السخاوي أن فعل الشيخ يستحق الكثير من الثناء والتقدير، إذ ما فعله يعدّ سنّة من السنن الثابتة!

يمثّل الموقف السابق جزءًا من الهجوم والرفض والإنكار لحضور مؤلفات ابن عربي في مصر، بلد الأزهر الشريف، فهل اختلفت الأمور في وقتنا الحالي؟

الحقيقة أن هذا الموقف لا يعبر عن أكثرية علماء الأزهر، فضلاً عن تعبيره عن العلماء المصريين، ففي فترة متأخرة عن عصر ابن حجر والسخاوي والسيوطي انتبه الإمام الشعراني (إمام التصوف الشعبي في مصر) إلى ما يُقال عن ابن عربي، وانتصر له، وحاول بشكل معرفي أن يقدم هذا التراث للجمهور المتعطش إلى المعرفة الصوفية، لكنه لا يقوى على متابعة نصوص ابن عربي بنفسه، فعرف الشعراني عبر ترجمة موسعة بالشيخ الأكبر، وعمل جاهدًا على اختصار الفتوحات المكية، وقد ظل هذا العمل مخطوطًا حتى طُبع في مصر قبل فترة وجيزة.

كان الشعراني من أكثر الصوفية عناية بكتاب الفتوحات وأحرصهم على دراسته والإفادة منه. ومع أننا لا نستطيع أن نعدّ الشعراني من أتباع مذهب ابن عربي المخلص كالقاشاني وعبدالكريم الجيلي، فإن لملاحظاته على كتاب الفتوحات وتلخيصاته لكثير من محتوياته دلالة عميقة على اهتمامه به وبمؤلفه، كما أن لقصّته في مسألة التلخيص مغزى بالغ الأهمية في مسألة صحة متن الكتاب، وما يحتمل أن يكون مدسوسًا فيه على المؤلف.

اختصر الشعراني (المتوفى سنة 973هـ) كتاب الفتوحات في كتاب سماه «لواقح الأنوار القدسية المنتقاة من الفتوحات المكية» ثم لخص هذا التلخيص في كتاب آخر سماه «الكبريت الأحمر من علوم الشيخ الأكبر»، وكذلك كتب كتاب «اليواقيت والجواهر» وحاول فيه المطابقة بين عقائد أهل الكشف وعقائد أهل الفكر، وملأه باقتباسات من الفتوحات وغيره من كتب ابن عربي.

في أثناء التلخيص استوقفت نظره عبارات في الفتوحات يستعصي التوفيق بينها وبين مذهب السنة والجماعة، فتردد بين أن يذكرها وأن يحذفها. ثم أتيحت له فرصة الاطلاع على نسخة من الفتوحات مأخوذة من نسخة المؤلف في قونية فقال في ذلك ما يأتي:

«وقد توقفت حال الاختصار في مواضع كثيرة منها يظهر لي عدم موافقتها لما عليه أهل السنة والجماعة فحذفتها من هذا المختصر (...) ثم لم أزل كذلك أظن أن المواضع التي حذفت ثابتة عن الشيخ محيي الدين حتى قدم علينا الأخ العالم الشريف شمس الدين محمد ابن السيد أبي الطيب المدني (المتوفى سنة 955هـ) فذاكرته في ذلك. فأخرج إليّ نسخة من الفتوحات التي قابلها على النسخة التي عليها خط الشيخ محيي الدين نفسه بقونية، فلم أر فيها شيئًا مما توقفت فيه وحذفته. فعلمت أن النسخ التي في مصر الآن كلها من النسخة التي دسُّوا على الشيخ فيها ما يخالف عقائد أهل السنة والجماعة، كما وقع له ذلك في الفصوص وغيره».

ويذكر الشعراني كلامًا قريبًا من هذا في اليواقيت والجواهر إلا أنه يروي أن الذي أطلعه على النسخة المأخوذة من نسخة قونية هو الشيخ أبو الطاهر المغربي. والظاهر أن الشعراني –حرصًا منه على تبرئة ابن عربي- قد أسرف في «الحذف» عند تلخيصه للفتوحات فكادت ملخصاته تخلو خلوًا تامًا من العناصر الفلسفية الصوفية التي يتألف منها مذهبه، ولم يظهر فيها إلا العناصر الدينية والكلامية العامة التي يتفق فيها مع السلف، أو العناصر الصوفية ذات الصبغة الأخلاقية أو العملية.