روائيون يتحدثون عن: لحظات الكتابة المباركة

الكتابة فعل اكتشاف

كيف تكون لحظة ميلاد الرواية؟ لحظة إندلاع الشرارة الأولي واتخاذ الكاتب لقرار البدء بعمل روائي جديد.

إنها لحظات مفعمة بالغموض والتوهج في حياة الكتاب، حيث تأتي الكتابة بطقوسها الحميمة، لحظات نشوء الرواية وتشكلها الأولي إنه التنازل الذي وجهناه لبعض المبدعين.

الروائي محمد جبريل يقول: الكتابة فعل اكتشاف، أرفض التصور بأن الكاتب يبدأ روايته وهو يعرف تماماً صورتها النهائية، فالرواية تكتسب ملامحها وقسماتها أثناء ولادتها، وقد يأتي المولود في صورة غير التي كان يتوقعها الفنان، وربما غير التي أرادها.

ويؤكد جبريل أن الرواية تخطر له أولاً كفكرة لكنه أثناء الكتابة لا يسيطر على الفكرة بصورة مطلقة، فهو يترك للعمل تلقائيته، وقد جعله ذلك يستغرق ثمانية أعوام في كتابة رواية "الأسوار" بينما روايته عن "المتنبي" ألحت فكرتها عليه فعكف عليها وانتهي منها في أسابيع.

والكثير من روايات جبريل يبدو فيها البطل واضحاً، مسيطراً، لا يفارقنا منذ بداية العمل إلي نهايته وثمة تشابه بين الشخصيات في أعماله، وهو يرجع ذلك إلي كون الشخصيات أو معظمها تعبر بدرجة أو بأخرى عن شخصية الكاتب نفسه، ويعتبر التاريخ من أهم المؤثرات على ولادة الرواية عنده فهو يقول إنه "يستعيد التاريخ لإضاءة أحداث معاصرة وقد فعل ذلك في كل رواياته التاريخية مثل إمام آخر الزمان وقلعة الجبل”.

ويقول الروائي محمود الورداني إن الرواية عنده ولدت من الحرب، فهو بدأ كاتباً للقصة القصيرة ولم يشعر بالحاحه إلي كتابة رواية حتي تكشفت له نتائج حرب 1973 التي اشترك فيها عسكرياً مجنداً بعد تخرجه، كان العمل الذي أسند إليه هو الاشتراك في تسلم الشهداء من المستشفيات وتسليمهم إلى مقابر الشهداء، فكتب الرواية عنهم ليقضي معهم وقتاً أطول - كما يقول - والرواية عنده تولد دائماً كقصة قصيرة وقد حدث ذلك في رواياته جميعاً "نوبة رجوع"، "رائحة البرتقال"، "طعم الحريق:، "الروض العاطر".

• سؤال صعب

وتقول الروائية هالة البدري: السؤال عن طقوس ولادة الرواية سؤال صعب مثل السؤال عن ماهية الكتابة ورغم ذلك تحاول الإجابة فتقول: الكاتب مهما عرف من بشر فهو إنسان وحيد، وحدة من نوع خاص، لهذا فهو يحتاج إلى عالم آخر ثري يتخيله ويعيد صياغته، عالم يعرفه أكثر مما يعرف البشر الذين يعيشون فيه، ومن هذه الوحدة تولد الرواية، وقد اخترت موضوع روايتي الأولى "السباحة في قمقم" عن عالم عرفته وأحببته وهو عالم الرياضة، فهي رواية النمو والاكتشاف، فثمة فريق من أبطال السباحة يتصور أن حدود العالم هي حدود النادي ثم تأتي حرب أكتوبر لتغير هذه المفاهيم.

أما روايتي "منتهى" فقد ولدت نتيجة الشرارة الحادثة عن مفارقة فقد عدت إلى قريتي بعد سفر خمس سنوات للعمل لأجدها اختلفت تماماً، ثم حاولت معرفة أسباب هذا التغيير فكتبت رواية "بيض من خشب" وجاءت روايتي "ليس الآن" كمحاولة أخري لمعرفة القرية، أما فى "منتهى" فقد خططت جيداً وأعددت ملفات لكل شخصية ثم كتبت أشياء وأحداث أخرى غير التي خططت لها، ولم تكن الملفات والتخطيطات إلا مادة خام أولية.

• المتاهة كرواية

الروائي إبراهيم فرغلي يقول: أذكر أنني قضيت سنوات طويلة في البحث عن وسيلة لبدء كتابة رواية مختلفة، بعد تجربة طويلة نسبيا في كتابة القصة، وأعتقد أنني خلال التطورات التي كنت أحاولها في بداياتي القصصية كنت أختبر قدراتي اللغوية من جهة، وأختبر خيالي، ثم أختبر رغباتي السردية.

والنتيجة تجسدت في وقوعي على صيغة بناء عالمين متوازيين ثم إيجاد رابط ما بينهما، وبهذه الوسيلة استطعت أخيرا الاستمرار في كتابة روايتي الأولى "كهف الفراشات" والتي بدأت بالطريقة التي بدأت بها أغلب أعمالي اللاحقة عليها أيضا، إذ عادة ما تكون لديّ قصة تبدو واقعية على نحو ما، أشرع فيها، فيما أترقب عصف الفانتازيا بما تقترحه من عناصر خيالية وعجائبية أحيانا لكي أضفرها في متن القصة الواقعية.

وأكد فرغلي: كنت واعيا من البداية لفكرة التجريب الروائي. لم أرغب في كتابة رواية واقعية تقليدية، بقدر ما انشغلت بالبحث عن شكل جديد للرواية، أو ربما عن أسلوب جديد للسرد، وهكذا، اخترت في "كهف الفراشات" المزج بين تفاصيل حياة أو خبرة شاب يعاني من فشل علاقة عاطفية فيرحل إلى شرم الشيخ للاستشفاء والنقاهة،

وفي مستوى آخر يتوازى بالتتابع تناولت أحداث رحلة شخص آخر إلى عالم غامض في كهف مجهول الموقع، يبحث فيه الراوي عن أسئلته الخاصة عن الحب والحياة.

• مشهد بصري مخاتل

أما الكاتبة منصورة عز الدين فترى أنه يختلف الأمر من عمل لآخر، ففي الغالب يبدأ الأمر بمشهد بصري مخاتل ومبتور، وأحياناً بشخصية تتحرك على خلفية معينة، ولا تتضح الأفكار إلّا خلال عملية الكتابة، وأحياناً بعد قطع شوط لا بأس به في الكتابة.

إسكتشات المشاهد الأولى تكون مرتجلة ومرتبكة وثرثارة، لكن مع الوقت وحين أضع يدي على بداية خيط سردي ما، يصبح الأمر أسهل. البذرة الأولى لـ "جبل الزمرد" أتت من ذكرى قديمة جداً، حين أضعت وأنا طفلة في الخامسة أنا وأختي الكبرى الخاتم المفضل لوالدتي، كان خاتماً ذهبياً بفصوص خضراء براقة، وأنا واثقة تماماً أن أختي لا تتذكر هذه الحادثة الآن، وأنا نفسي أكاد أشك في حدوثها أصلاً لفرط قدمها وخفوتها في ذاكرتي.

هذا ما أحبه في الكتابة؛ أنها تفاجئ الكاتب بالكامن في لا وعيه، كما تستهويني فكرة كيف يمكن الإنطلاق من تفصيلة عابرة جداً، لتشييد عمل خيالي مفارق لبذرته الواقعية.

• شرفة على البراح

ويقول الروائي مصطفي البلكي الفائز مؤخرا بجائزة بهاء طاهر للرواية عن روايته التاسعة "ممرات الفتنة": تبدو الحياة دائما وكأنها عرض مستمر، شريط متصل له نقطة بداية ونقطة نهاية، وبينهما التفاصيل الكثيرة التي لا نستطيع أن نهملها، ولا أن نتجاوزها, وكل استراحة في تلك المساحة هي بمثابة عملية تحليل دقيقة قد تشملها هي فقط، أو تكون نقطة ارتكاز، ومنها ننطلق للأمام أو للخلف، لنكوّن عالما يشبهنا، أو نتمناه، أو نحلم به، وتلك الولادة تكون قدرية بمعنى من أوجدها هو وحده المتحكم في مسارها، ومن غيرها الحكاية أو التفاصيل، لذلك تكون البداية دائما غير خاضعة لذات الكاتب ولا يشملها أي قدر من التوجيه، وتظل محافظة على صفاتها حتى آخر كلمة تتحكم في البداية وفي مصائر الشخصيات، والوقت الذي يتم فيه البدء في تشكيل هذا العالم لن يكون إلا بعد أن يمر المبدع بثلاث مراحل، الإدراك، التأمل، المعرفة، وكل هذه المفردات تؤدي إلى وضوع الرؤية، فمتى منحت نفسها للقلم فهي تمضي مع الكلمات، تقيم العالم الثالث، نتاج تزاوج العالم الخارجي, والعالم الداخلي / الخيال.

ويؤكد البلكي أن لكل عمل شرفة تفتح على البراح، فأطل منها لأشاهد ما يدور، قد تكون البداية كلمة أو جملة لشخصية من الشخصيات التي اكتملت وأصبحت حاضرة معي في كل تحركاتي، أكلمهم وأقيم لهم سرادقا كبيرا يجلسون فيه، ويتم بينهم ما يشبه التشابك، حتى إذا ما بدأت جلست كل شخصية في المكان الذي تحبه.

وهذا العالم الثالث، حينما يختار وقت وجوده يكون مكتملا أو على الأقل يعرف حدوده، ويعرف الخطوط الرئيسية، والكثير من الفروع، وحينما يتشكل قد تستجد فروع جديدة فيسمح لها بالوجود، فلا قيد هنا أثناء الكتابة، فكل شيء يخضع للحكاية أو الحالة. (خدمة وكالة الصحافة العربية)