الجماعة العميقة.. الإخوان المسلمون في الجامعات

جماعة تلعب دور ظهير الإرهاب

كانت مصر، منذ أكثر من أسبوعين، قد قامت بعملية شاملة لتطهير سيناء من الإرهاب وفلول الإرهابيين والمتطرفين لجماعات من شأنها تسعى لتقويض أمن مصر وآمانها من خلال ملحمة عسكرية تقوم بها القوات المسلحة المصرية الباسلة بالتعاون مع جهاز الشرطة المدنية، فإن بالداخل إرهابا عميقا ينتظر فرصة سانحة من أجل الترويج للفوضى واقتناص مصر كما حدث عقب الانتفاضة الشعبية في يناير قبيل إسقاط نظام مبارك السياسي.

فبالرغم من حرص الدولة والنظام الأمني في رصد كل محاولات جماعة الإخوان المنحلة بحكم القانون والعزل الشعبي لها في الثلاثين من يونيو الأحمر 2013، فإن الجماعة هي المثال الأنموذج لمفهوم الدولة العميقة وهو الأمر الذي لابد أن تفطن له أنظمتنا الأمنية والسياسية على السواء، فمخطئ من يظن أن الإرهاب فقط مفاده إشهار السلاح في وجه المدنيين، أو إعلان المواجهة المسلحة في وجه الوطن، لكن الجماعة وفق منطلقاتها التاريخية تؤمن بفكرة التخطيط الطويل والتنفيذ الأطول وهي التجربة التي مارستها الجماعة خلال ثمانين سنة انصرمت.

والمتربصون بالوطن من أنصار ومريدي الجماعة ينتهزون أدنى فرصة فيما يتعلق بأزمة تعتري الدولة من زيادة أسعار أو ظهور قانون جديد يرتبط بحالة المواطن الاجتماعية أو الاقتصادية لترويج الكراهية والامتعاض تجاه الدولة، وهي سياسة قديمة جدا انتهجتها الجماعة وأعلن عنها وأفصح كل من تمكن من الفكاك من أسرها وقام بمراجعة أفكاره فتخلى عن مبادئ وأفكار الجماعة التي بحق تمثل جوهر الدولة العميقة.

كل ما ينبغي الإشارة إليه هو أن دولة الجماعة العميقة موجودة بعمق في كافة أجهزة الدولة، وعلى وجه التحديد والاختصاص وجودها في نسيج الجامعة المصرية، هذا الأمر الذي ربما غفلت عنه الدولة في إطار اهتمامها بمحاربة الإرهاب المسلح ووجود طوائف وتيارات مثل تنظيم الدولة الإسلامية وولاية سيناء وحركة حسم وغيرها من الروافد التي تمد الإرهاب في الداخل ويتم تمويلها والتخطيط لعملياتها من الداخل.

لكن إذا ما فكرنا على سبيل المثال لا الحصر في تصريحات الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح رئيس حزب "مصر القوية" في بعض القنوات الفضائية التي وجدت في المشهد المصري تسارع أحداث وإحداثيات، نفطن إلى حقيقة مفادها أن الانتماءات القديمة لا يمكن إزاحتها عن التفكير الراهن، فبرغم أن عبد المنعم أبو الفتوح أعلن في لقاءاته التلفازية عدم انتمائه في اللحظة الآنية إلى جماعة الإخوان إلا أنه سقط بحكم التحليل النفسي للأقوال والتلميحات اللغوية في الفخ نفسه أو بالأحرى في العقدة النفسية التاريخية التي تعاني منها الجماعة وهي استخدام مفردات مثل العسكر والجيش والنظام المدني والسلطة الشرعية وصناديق الانتخابات، وهي جميعها مفردات قامت الجماعة للترويج لها سواء في فترة وجود مندوبها المعزول شعبيا الرئيس محمد مرسي وما تلتها من فترات اتسمت بالعنف والكراهية صوب المجتمع المصري.

وهذه الدولة العميقة التي تمثلها جماعة الإخوان لا أشك في وجودها بالجامعات المصرية، بل أتيقن من ذلك، والمشكلة أن هؤلاء المنتمين استطاعوا بفضل سياسات وعمليات إخوانية قديمة في البقاء بمنطقة الظل بعيدا عن أعين القانون وربما الشعب أيضا. لكن ما خطورة هؤلاء المنتمين لدولة الجماعة العميقة وهي المهمة التي لابد وأن يجعلها الرئيس عبد الفتاح السيسي في أولى أولوياته ليس حال فوزه في الانتخابات الرئاسية المقبلة فحسب، بل البدء في معالجتها منذ الآن لخطورة الظاهرة الموقوتة.

فأنصار الجماعة من الأساتذة الأكاديميين بالجامعات المصرية والقابعين وراء أكمنة مستترة دونما شك هم نواة ( حصرية ) في تحفيز طلابهم للعصيان المدني او تأجيج مشاعر الكراهية ضد الرئيس والدولة والوطن أيضا، وما أكثر من نجده منهم في وظائف إدارية بهذه الجامعات وبالضرورة هم أصحاب نظرية الاستلاب والأهل والعشيرة والمنفعة الذاتية التي تختص بهم وحدهم دون بقية الشعب المصري، وهو المشهد الذي وجدناه فترة حكم المعزول محمد مرسي.

فكم من خيط رفيع من خيوط دولة الجماعة العميقة الموجود بالجامعات المصرية يجيد إشعال الفتن من خلال عرقلة سير العمل أو إحداث خلل إداري أو مهني بين أعضاء هيئة التدريس الذين يعملون معه أو تحت إشرافه أو في محيطه، وهي سياسة بالفعل عميقة لدى الجماعة استغلتها بوضوح في أثناء انتفاضة الشباب والشيوخ في يناير 2011 ضد مبارك ونظامه الأمني والسياسي وبالفعل نجحت آنذاك واستطاعت الوصول إلى سدة الحكم بعد ذلك حتى حين إسقاطها التاريخي في الثلاثين من يونيو.

يحترفون سياسات التخويف والترهيب وإيقاع الحذر بقلوب الآخرين، وهي نفس الاتهامات التي يصدرونها اليوم للشباب وهم يصفون النظام الحاكم، وتتداعى ذاكرتي في أثناء اعتصام رابعة الشهير أنه جاءني اتصال هاتفي من أحد المنتمين لجماعة الإخوان العميقة يحذرني من تداعيات مقال لي عن خطورة هذا الاعتصام الذي يعصف باستقرار الوطن، وأتذكر أنني كنت أنتظر مجيئ حادث سعيد في أسرتي الصغيرة، لذلك لم أعبأ بتلك المشاعر التي كانوا يروجون لها من أجل الترويج للخوف والذعر والحذر، لأنها ثقافة تتعلق بسياسة الاغتيال النفسي قبل الجسدي التي احترفوها منذ بداية نشأة الجماعة العميقة.

ولهذا، فإن الحرب الحقيقية للإرهاب ليست فقط في إخماد البؤر الإرهابية بسيناء والقضاء على معاقل الإرهاب والسلاح بها، إنما هذه العملية الشاملة التي يقوم بها الجيش المصري الذي يتسبب كل نهار في الإحباط الجماعة العميقة لابد وأن تشمل الداخل لكن ليس بصورة مسلحة، إنما بضرورة تقصي البحث عن هؤلاء المنتمين للجماعة وفكرها والذين لم يتصورا أنهم وصلوا لأول مرة لحكم مصر ثم هبطوا إلى الأرض وكأن مرادهم هو الحكم المطلق بغير شراكة حقيقية لغير المنتمين لهم لا خدمة شعب عظيم.

إن الجامعات المصرية لاشك تمتلئ بالمئات وربما بالآلاف من أنصار الجماعة ومريديها ودراويشها، وهؤلاء تكمن وظائفهم في تعضيد وتكريس المشكلات الأكاديمية والإدارية اليومية في جامعاتهم، وهم في سعيهم المخطط من قِبل الجماعة يريدون جاهدين في ترويج حالات الإحباط وإصدار قرارات وأوامر إدارية ومهنية من شأنها أن يظن الأستاذ الجامعي أن الدولة تريد تحقيق هذا الأمر، لكن الحقيقة أن الأستاذ الأكاديمي المنتمي سرا من قبل كان انتماؤه علانية يريد بجهد خبيث في زعزعة ثقة الإنسان في نظامه السياسي بل وأحيانا نجد قيادة إدارية يدعي بأن الحكومة أصدرت له تعليمات مباشرة بأن يفعل كذا وأن يمنع كذا، لكن بعد تحري الأمر وبسؤال من هو أعلى منه نكتشف زيفه وكذبه وخداعه.

وما أخطر أن تكون القيادة الجامعية ببعض الأقسام والإدارات نسائية ممن ينتمين إلى دولة الجماعة العميقة، فاكتشافهن يصبح عملية شبه مستحيلة، بل من اليأس التفكير في اكتشاف هذا الانتماء، لذلك فالمهمة لرئيس الجمهورية اليوم باتت صعبة بعض الشئ ؛ لأنه في الوقت الذي ينبغي عليه محاربة الإرهاب المسلح في سيناء والصحراء الغربية عند حدودنا مع ليبيا، فإن إرهابا آخر ينتظره وينتظرنا جميعا بالداخل، وألا وهو الإرهاب المتمثل في التقويض البطئ للدولة المصرية من خلال قيادات أكاديمية تنتمي لجماعة عاقبها القانون والشعب والتاريخ.

بليغ إسماعيل حمدي

كلية التربية ـ جامعة المنيا