'فك شفرة' .. تمارين على التعايش

سرد رائق ممتع

رواية "فك شفرة " الصادرة عن دار نهضة مصر هذا العام تحكى عن بيت ذى قباب جمع عالمين وزمنين مختلفين بفصول على هيئة الأيام السبعة التي قضاها الأولاد في بيت أبلة "تماضر"، وهذا يكفي لتتحقق دراما وتشويق وأحداث وسرد رائق.

رواية مدهشة ذات حبكة محكمة وشخصيات مرسومة بعناية فائقة واللغة بطلة العمل ترسم من خلالها الكاتبة عفاف طبالة بلغتها الرشيقة التي تلائم سن اليافعة عالما بكل تفاصيله داخل منزل "تماضر".

وبهذه اللغة الرشيقة والحوار النابض استطاعت التغلب على كثير من المشكلات منها أن الحدوتة مكرورة وسبق طرحها كثيرا حيث تدور حول تصادم عالمين، عالم الجدة الذى يمثل القديم وعالم "الطفولة" والذي يمثل المعاصر والجديد بين التكنولوجيا الرقمية الذي يمثله شهاب الطفل الذي يجيد التعامل مع الأجهزة الرقمية وصفحات التواصل الاجتماعي وبين الحياة البدائية البسيطة في الريف التي تعتمد على السيارة القديمة المعطلة وحراسة الكلاب وبيض الدجاجات ولبن العنزة.

تلك العزلة التي اختارتها تماضر بعد هزيمتها كمعلمة وتربوية فشلت في تحقيق أفكارها التي اصطدمت بنظريات تربوية قديمة وفق لوائح صارمة، اختارت تماضر منفاها هناك في البيت ذي القباب بعيدا ونائيا.

ربما لا تفوق "فك شفرة" رواية "البيت والنخلة" لذات الكاتبة لأسباب يصعب سردها هنا.

يغزو الأطفال بيت تماضر ذا القباب بعد أن أجبرت ليلى الأم على إرسالهم إلى تماضر معلمتها وزميلتها قديما حتى تعود من سفرها الاضطراري. يجمع البيت ذو القباب بين عالمين وزمنين تجاورا جبرا. وتنجح تماضر بخبرتها في مجال التربية في التعامل مع الجيل الجديد، وينجح الأطفال في إخراج تماضر من عزلتها والعودة بحماس لمشروعها عن إنشاء جمعية.

لا شك أن "فك شفرة" أجابت عن كثير من الأسئلة الصعبة التي تدور بعقول الجيل الصاعد بل ورسمت شخصيات فاعلة لهم وذكية فلم تطرح طفلا غبيا قليل المعرفة ساذجا في مقابل الكبير الذكي الواعي المعلم.

تلك النمطية لم تعتمدها الكاتبة وإنما أبقت لكل جيل قدراته ومهاراته، ومن هنا جاء التلاقح بينهما ونقل الخبرات والعلم والتجارب بل كانت الشخصيات الصغيرة داخل الرواية ذكية لديها معرفة وشغف بالجديد والحديث والتكنولوجيا. ومن ثم نجحت في تحقيق غايتها المتمثلة في أن لكل جيل أدواته وقدراته، وعلى الأجيال أن تتلاقى لنفتح عالما من المعرفة فقط على كل جيل أن يحاول أن يفك شفرة الجيل الآخر.

ولكن هناك بعض الملحوظات التي تثير عددا من الأسئلة لدى كاتبة بحجم عفاف طبالة منها: ما الذي يدعوها لطرح شخصية نمطية مكرورة "تماض"؟! المرأة التي تعمل بالتربية والتعليم وتركت عملها لإعتراضها على طريقة الأداء، تشبه طبعا شخصيات كثيرة طرحت دراميا حتى على الشاشة مثل "أبلة حكمت" حين تدور الأحداث حول شخصية الجدة أو المرأة العجوز أو الكبيرة التي هجرت الحياة وانعزلت ثم لسبب أو لآخر تعود للحياة على يد أطفال، فلا شك أن هذا العالم تم طرحه أيضا مرات ومرات سواء روائيا أو على مستوى حتى الأعمال السينمائية، وهناك حتى أفلام طرحت هذا العالم مما يدعونا للسؤال عن سبب إعادة طرحه.

يزعجنى جدا طرح المأساة المتجسدة في شخصية البنت "أمينة" حين يتربص بها القدر وتفقد أبويها ثم يكون عمها شريرا وزوجته شريرة هذه المأساة ثم زوجة العم الشريرة التى تريدها كخادمة ثم محاولة تزويجها وهى قاصرة، كسب التعاطف مع الشخصية بات الحل السهل لكسب تعاطف القاريء معها ولا يوجد مبرر درامي لكل هذا البؤس، إنها مأساة غير مبررة دراميا حين يترصد القدر لفتاة صغيرة "أمينة" هي محاولة الكاتبة لصنع مأساة تشبه المأساة اليونانية القديمة حين نجد بطلا معذبا دائما ومحاطا بالآلهة الشريرة التي تترصده بلا سبب.

أزعجني أيضا أن يقف محرك البحث على النت في مواجهة القديم القاموس الورقي دون مبرر درامي مهم، ولم يكن هناك داع له وهو معرفة مصطلح الطعام "قرديحي"، وقد قمت بنفسي بعمل تجربة البحث عن معنى كلمة "قرديحي" ووجدت سيلا من النتائج الصحيحة لذات المعنى الذي أوهمتنا الرواية أن محرك البحث لم يتمكن من أن يسعف الولد في معرفته. وهذا يعني هدم نظرية "تماضر" في أن تثبت عدم قدرة التكنولوجيا الحديثة عن إسعافنا بكل ما نريده من معلومات لكنها ضربت مثلا غير ملائم لتثبت حاجتنا للقاموس الورقي.

هل هذا يمر على عقل الطفل المعاصر سيقول لنا المعنى موجود فعلا؟! برغم أنها قضية محسومة والأجدى هو قدرة تلك الأداة الحديثة على تقديم المعلومة لكنها لا تقدم المعرفة ويبقى على العقل أن يحلل تلك المعلومات وأن يستنتج منها وأن يدققها أحيانا حتى لا يقع فريسة للشائعات.

مما استوقفني أيضا هو طرح قضية سرقة الآثار وتلك الحكاية عن سرقة قاعدة التمثال وربما توظيف قصة الآثار تحتاج إلى إعادة نظر فالسبب لوجود الأثر "قاعدة التمثال" في منزل تماضر سبب لن يمر على عقل الأولاد وربما يكون هناك ألف سبب لوجوده غير ما ذكرته الرواية. أيضا أظن الحكاية مقحمة لإضفاء جو التشويق والإثارة فهي برمتها يمكن سردها منفصلة عن جسد الرواية.

الالتجاء إلى التبرير السهل وحين تسأل مثلا من أين عرف اللصوص أن تماضر طلبت من هيئة الآثار رفع الأثر من بيتها حين حضروا متنكرين في زى رجال الآثار؟ سترد الرواية من الولد شهاب على صفحته على الفيس فقد ذكر كل شيء. ولو كان عن طريق عيونهم داخل هيئة الآثار مثلا لكن كان جل اهتمام الكاتبة هو إثبات خطأ الولد.

أيضا وضع القديم في مواجهة الحديث مثل الناموسية القديمة وفائدتها والحديث هو المبيدات الحشرية الخطرة، وهنا لا قديم ولا حديث فارتداء الملابس الثقيلة في الشتاء لا علاقة له بالقديم ولا حديث بل رغبة الكاتبة فى إثارة قضية لا مكان لها، لم يتعود طفل المدينة على الناموسية فمن الطبيعى أن يرفضها، مثل أكلة الفطير أو حلب العنزة.

أيضا عند فقد شبكة المحمول واستحال تتبع اللصوص فكانت مهمة الجمال، وهنا يأتى الحديث عن أهمية القديم سيقول لك الشاب هناك سيارات الدفع الرباعي، هناك طائرات الهليكوبتر، هناك وسائل حديثة يمكن الاعتماد عليها وطبعا لا يمكن الرد بأن الجمال هي الوسيلة المتاحة لأن العودة للقديم كوسيلة حتى يكون مبررا لضرورته ألا يوجد بديل أقوى وأسرع؟

الحديث عن ضرورة الجمال لوعورة الجبل كمن يقول إن بيضة الدجاجة قديمة فهل يعقل أكلها حديثا؟! لو نتحدث عن قيم فالأمر سيختلف حتما ـ حسب فهمى طبعا ـ قيم ثابتة راسخة في مواجهة قيم استهلاكية نفعية ربما يكون أجدى من طرح محرك البحث في مواجهة القاموس الورقي أو الجمال في مواجهة فقد التتبع بما يشي بعجز التكنولوجيا، وهذا في رأي خطير جدا إذا رحنا نخيف الأولاد من التعامل مع ضرورات العصر وأدواته وتحدثنا عن إخفاقها لا جدوى مهما استطعنا لن تسير الأمور عكس اتجاه التقدم.

مهما كانت وعورة الجبل هناك حلول تقنية وهناك شبكات الستلايت. وخاصة أن الصغير لم ينكر أهمية هذه الأشياء، ولأن الصراع في عقل الكاتب نفسه فهو يقدمه، أما أطفالنا فليس لديهم هذا الصراع بتلك الحدة.

لذا فطرح فكرة التأثير والتأثر بين الجيلين وتأثير كل منهما فى الآخر بادية كشمس الضحى لكنها اكتفت بالظاهر دون العمق أو الجوهر فمثلا القضية ليست في استخدام النت ولا في صفحة على الفيس بوك، القضية أعمق حين تتناول القيم التي اندثرت والأفكار التي تاهت عن الهوية والحضارة ولم تكن المسألة فقط في طرح قدرة الولد على حلب العنزة أو جمع البيض, القضية لو كان هؤلاء الأولاد لا يؤمنون مثلا بقيمة الأثر ولا بقيمة الحضارة القديمة أو أبدوا مقاومة في تناول طعام صحي طازج في مقابل طعام تيك أوى مليء بالأضرار أو الاعتماد فقط في جمع المعلومات على شبكة النت دون مراجع أخرى يمكن الحديث عن تلك القضايا.

يقينا لصوص الآثار أكثر معرفة بقيمة الأثر من كثيرين، لصوص الآثار ليس جهلة بل على علم تام بكل قيمة للأثر الذي يريدونه فمن غير المعقول أن يكون شهاب أعلم بفكرة علامة الخرطوش منهم؟! والاتكاء على تلك في كشف هوية اللصوص غير معقول؟

أظن ظهور ورقة بيانات شهادة ميلاد أمينة بالصدفة لم يكن موفقا دراميا لأن العثور على بيانات ميلادية لأي شخص ليس مستحيلا حتى ولو لم يكن على صلة قرابة، ثم كيف حصل عمها صالح على الوصاية على أمينة دون بيانات ميلادها؟! ومن غير شهادة الميلاد لا صلة بين أمينة وعمها من الأصل؟! ولكن ظهور ورقة البيانات بالصدفة كان له أثر درامي حين كشفت به تماضر زيف ورقة التسنين لزواج أمينة وتلك مناسبة لتجد الكاتبة فرصة لطرح زواج القاصرات في اللحظة الأخيرة دون حساب وربما في المواجهة" (ص 131).

ومقدمة هذا المقطع يشي بأن الكاتبة تعلم مسبقا بأنه مشهد سينمائي بامتياز ومعاد ومكرر آلاف المرات لذا حاولت تقديمه باستهلال أن ما جرى ربما يشبه عرض مسرحي وهو فعلا كذلك. العم يحضر على عجل يدعي خطف البنت الصغيرة. أمينة تظهر وتعلن أمام الملأ أنها ليست مخطوفة. وفى الوقت الذي يعلن العم صالح أن ابنة أخيه قاصرة ومخطوفة يقدم شهادة تسنين بأنها كبيرة ويمكن زواجها؟! يتزامن ذلك المشهد السينمائي بامتياز مع دوي سرينة الشرطة التي جاءت بالصدفة تحمل المأمور المتأخر.

لا يمكن تدبير الدراما بهذا الإحكام حضور أمينة يتزامن مع نهاية الاجتماع مع حضور المأمور مع حضور صالح إلا في أفلام الأبيض والأسود، ثم يتساءل المتفرج كيف حدث كل هذا مصادفة؟

خروج تماضر من عزلتها والعثور على الأثر والقبض على اللصوص وتعلق الأولاد بتماضر وحبهم لها كلها نهايات متوقعة ومفرحة وكل الأمارات والعلامات تشي بها ولم يقع شيء خارج التوقع.

أعجبنى طرح الحيوانات في الرواية، الكلب والعنزة والقطة، بدت كائنات حية فردت لها الكاتبة مقاطع رائعة.

الرواية مليئة بالعظات والتوجيهات التربوية الواضحة والبادية طبعا عن قصد وبوعي تام, استمتعت بالقراءة وهذا يكفي. تلك الهنات التي تحدثت عنها لا تعيب جسد الرواية الممتد بسرد رائق ممتع وشخصيات بدت مثالية بعض الشيء لكنه واقع روائي.

انتهت الرواية بالتقاء الجيلين واكتشاف كل منهما للآخر وفك شفرته ليجد كل منهما في الآخر شيئا مهما المعرفة والحب، سحر المكان، البيت ذو القباب والبوابة وقاعدة التمثال والسيارة وحديقة الجبل الوعر.

لا شك أن للكاتبة عفاف طبالة لغتها الخالصة وسردها الممتع وحبكتها المشوقة لعلها برواية "فك شفرة " تضيف إلى رصيدها وتمنح المكتبة العربية رواية ماتعة.