'الاستسلام المر' .. هل نحن خائفون من تقدم السن؟

هل تعلمين من أين سأبدأ أكلي فيك؟

في نهاية الثمانينيات التقيت بالأديبة والصحفية والمذيعة بلقيس دو سكي في مقر جريدة ملحق العراق الكوردي حيث كنت أعمل فيها، دائمة النشاط والحركة مبتسمة دائما ذو هندام أنيق، تحب الجميع، تساعد وتوجه وترشد، امرأة ذات جمال ودلال، استضافتنا أنا والفنان التشكيلي المغترب الآن في السويد صديقي العمر سالم كورد في بيتها الكبير وجرى بيننا حديث طويل عن الحياة والأدب والشعر والقصة، طموحة وطموحها لا يقف لحدود معينة، علما إني كتبت هذا المقال قبل معرفتي ولقائي معها.

قصة "الاستسلام المر" قصة مهمة لكل امرأة، لكل رجل، لكل إنسان، لكل زمان ومكان، أحداثها الروحية والنفسية تعيش فينا جميعا رضينا أم أبينا رغم بساطتها، فيها متعة فكرية وروحية رغم أشجانها الحزينة، تعال معي عزيزي القارئ لهذا العالم الروحي الجديد الذي يسكن في أرواحنا وجسدنا وإحساسنا.

قصة الاستسلام المر للكاتبة بلقيس دو سكي، تتضمن حيرة، قلقا، صور مرعبة، اضطرابا، قصة نفسية شمولية تمر بكل إنسان، صاغت فكرتها بوعي وبشكل جميل ومبدع، فدخلت في نفوسنا وذابت في أرواحنا وبعمق دقيق لمست وجداننا، يطرأ سؤال قد يكون مهماً، هل نحن خائفون من التقدم في السن؟ هناك نوع من البشر يستسلمون للموت للواقع متكيفين ذهنياً حيث إنه لم يبق لديهم وفي مقدورهم جسدياً، القيام بشيء جديد، ونوع آخر يثور ويعلي هذا التقدم الطبيعي في السن، وشيخوخة جسدهم، وهذا ما تطرقت إليه الكاتبة بلقيس دو سكي في قصتها القصيرة "الاستسلام المر".

أبدعت عندما بدأت بثورة على الشيخوخة.

"ماذا تبغي مني وأنا أرفضك وأتطير منك؟ ولكنك في جسدي تنمو وتكبر ... كما ينمو الجنين في بطن أمه ويكبر ليرى نفسه للعالم ...".

الخوف من التقدم في السن، هو دعوة إلى الشقاء والبؤس، إلى العذاب السرمدي. يقول العالم النفسي هارلود شرمان: "عندما آن أوان رحيل جدتي التي عاشت ثلاثة وثمانين عاما، وقد تجمع الأهل والأحباب والأعزاء حول سريرها وتشبثوا فيها، استطاعت أن تواجه هذه اللحظة السامية وتقول: أنتم يا من تحبونني لا تتمسكوا بي هنا .. أود أن أرحل، فثمة أحباب وأعزاء كثيرون هناك ... سيكون ذلك تحرراً سعيداً". علماً أنها في ذلك العمر، وهي في أفضل حالاتها فكرياً وجسدياً ،ونشاطها لا يتصوره إنسان."

تواصل بلقيس دو سكي بثورتها التي ربما لن تتوقف:

"أحب الناس كلهم إلا أنت ... لأنك تؤذيني، يبتعد الناس عني، أنت سم قاتل تسري في جسدي، تكلم أرجوك ،سوف أصرخ حتى يسمعني الناس ...".

إن هذا الإصرار هو عذاب واحتراق، وهن فظيع، فلا يحسن أن نخشى هذه العملية الطبيعية في التقدم في السن، فإن وعينا الداخلي، إرادتنا الذاتية، بمثابة القوة الحاكمة في الحياة، حتى لو كان جسدنا ضعيفاً، يا ترى ماذا تقول الشيخوخة بعد هذه التساؤلات المؤلمة، وهذا الاضطراب النفسي المفزع ...؟

"أنا ربيب الصمت، بعيد عن الكلام، متناهي الخيال، لا يقف أمامي ولا يمنعني قول وجدل، ولا توقظيني فأنا في نشوة السر انفي جسدك البض ...".

إن المشاعر التي تضعف المعنويات وتسبب ألماً داخلياً وإرهاقا جسدياً مثل الخوف المستمر، قليلة، له تأثير للإنسان المدرك لهذه الحياة، والذي يعتبر نهاية الحياة، ليس نهاية بل بداية الحياة، فالقيمة الحقيقية تكمن في الكينونة، لا في الظاهر من الأشياء، لم تهدأ ثورة الجسد البض على الشيخوخة.

"أنا أرفضك، وأنت مستأنس في جسدي ووجودي، أخاف منك، بالله دع جسدي ...".

لم تنته قوة الشيخوخة بل تزداد جبروتاً أمام هذا الخوف أمام هذا الاستسلام.

"هل تعلمين من أين سأبدأ أكلي فيك ....؟".

يرد عليها الجسد: "لا ... لا ... سأرفضك مهما كلف الأمر ..".

إن هذه الحوارات النفسية، عذابات وآلام، تتلظى النار فيها ... يا ترى من أين تبدأ الشيخوخة ...؟ يرفض الجسد، ويستسلم في نفس الوقت.

"أرجوك ... لا ..لا ... ومن أين ستبدأ يا هذا ...؟".

تزهو الشيخوخة كأنها منتصرة أبداً: "في وجنتيك أنهما ورديتان سآكل منهما واستمر ...".

استمرار الشيخوخة، يعني استمرار الاستسلام، علينا أن لا ننسى أن الله يقرأ القلب، النفس لا الوجه، إلى متى نبقى عبيداً للشيخوخة ...؟ هل نستسلم للشيخوخة التي تقول في نهاية قصة بلقيس دو سكي:

"أنا المرحلة الأخيرة من عمرك، لكائن حي ...".

إن الموت لا يختلف عليه اثنان، لكن الموت بهذا الصراع النفسي، ألم فظيع، فلا يسعنا الهروب من قدرنا في أن نكون ما نكون عليه، إلا إننا نخفق في الانتماء إلى العالم النفسي، حينما لا يوظف الخيال للخروج من رعب هذا العالم الذي لا يتلاءم مع حاجتنا ودوافعنا، نريد أن لا نقع في عزاء الشفقة على الذات والسخط واليأس وحبس أنفسنا وراء جدران وجودنا الداخلي، لأن هذه الحالة تنشأ من فشل الارتباط بأنفسنا أولاً والارتباط والتواصل مع الآخرين ثانياً، ربما هناك رباط يجمع الجلاد والضحية عندما يبلغ الهوس أوجه، لهذا إذا ما خشينا أي عالم ووجدنا صعوبة في مواجهته، هربنا إلى عالم مناسب من صنعنا، وهذا ما يعوض عن قسوة الحالة النفسية التي تحيا معنا، وما نشعر فيه تجاه الواقع الذي يحيطنا.

إن التاج الحقيقي هو في القلب، وليس في أي مكان آخر، فلتكن الحياة أغنيتنا بمعناها الشمولي، قصة بلقيس دو سكي مضمونها عام، رائعة، خاصة أنها جعلت القارئ مشدوداً للنهاية، حيث كانت موفقة ذهنياً، عندما أعلنت عن قوة هذا الذي تتحداه أو تحاول أن ترفضه، طغت على عباراتها حوارات فلسفية، فكرية، وهالات رقيقة على قوة الفكرة وديمومتها بصورة عامة في فكر ووجدان الإنسان بشكل مباشر أو غير مباشر.

***

الدكتورة بلقيس دو سكي كاتبة وأكاديمية عراقية، ولدت في مدينة الموصل، أكملت دراستها الأولية في كلية الإدارة والاقتصاد ببغداد، حاصلة على شهادة البكالوريوس في الفنون المسرحية/ كلية الفنون الجميلة والماجستير في الفنون المسرحية الكردية، والدكتوراه في الأدب والنقد المسرحي الكردي المعاصر.

عضو في نقابة الصحفيين العراقيين، وعضو نقابة الفنانين بغداد وكوردستان، وعضو اتحاد المسرحيين العراقيين.

عملت في الصحافة، وفي التلفاز، وقدمت مجموعة من البرامج الفنية والأدبية، كما أدت سلسلة من الأغنيات باللغة الكردية. ولها مؤلفات منشورة في القصة والرواية والنقد المسرحي صدرت في كتب عديدة.