قطر.. ملامح دعم السلفية الجهادية

تحاول الدوحة جعل الخلاف معها خلافا دينيا

دفعت الظروف والمتغيرات حكام قطر إلى عدم التقيد بأيديولوجية محددة، وانتهاج سياسات أكثر براغماتية تمكنهم من تحقيق العديد من النجاحات على المستوى الخارجي، وتكسبهم المزيد من الشرعية السياسية لحكمهم، فكانت إحدى الاستراتيجيات التي اختارتها قطر للدفاع عن نفسها استيعاب واستضافة جماعة الإخوان المسلمين منذ أوائل الستينيات، على الرغم من العقيدة السلفية للدولة القطرية التي تتعارض مع الأيديولوجية الإخوانية، حيث تنادي الأولى بالطاعة التامة للحاكم وعدم الخروج عليه، بينما كانت ترفض الثانية -بشكل خاص- النظم الملكية خاصة المتحالفة مع الغرب، كما تمكنت الدوحة من التوظيف الجيد لطاقات الجماعة في إدارة العديد من الملفات الخارجية، مقابل السماح لهم بنشر أفكارهم عبر وسائل الإعلام.

وانطلاقاً مما سبق، يمكن النظر للاحتضان القطري لجماعة الإخوان المسلمين بأنه محاولة قطرية للتخلص من عباءة التبعية لجارتها السعودية ذات العقيدة السلفية، فاتجهت للجمع بين التناقضات الأيديولوجية السلفية والإخوانية، إلا أنه بانقلاب حمد بن خليفة على والده، بدأ الانقلاب على النهج السلفي والتبليغي القطري؛ حيث رأى حمد بن خليفة أن فكر الجماعة هو خير من يناهض الفكر السلفي السعودي، خصوصاً في ظل طموحه غير العادي لتزعم إدارة شؤون المنطقة، ومساعيه الحثيثة للتخلص من العقدة القطرية المتلازمة الخاصة بضآلة حجمها، والتي تؤثر بشكل كبير على فاعلية سياستها الخارجية على مستوى كل من الدائرة الدولية، والأخرى الإقليمية، خاصة الخليجية منها والعربية؛ إلا أن الطموحات القطرية تزايدت مع تنازل حمد بن خليفة لابنه الأمير تميم بن حمد عن الحكم في 25 يونيو (حزيران) 2013؛ حيث اعتمدت الدوحة على جماعات الإسلام السياسي بأيديولوجياتها المختلفة، خاصة الإخوانية منها، كآلية لضمان فاعلية دورها.

تعاون مع الإسلام الجهادي

التعاون بين قطر والتنظيمات الإرهابية، خصوصاً في ظل الدعم القطري الكبير لهذه التنظيمات، تحت غطاء دعم التوجهات السلفية في المنطقة، من أجل نشر الدعوة الإسلامية، وتطبيق الشريعة الإسلامية، دفع هذه التنظيمات إلى الدفاع عن قطر بكل قوة خلال أزمتها الأخيرة مع دول المقاطعة، حيث صورت الخلاف السياسي بين الطرفين، على أنه معركة بين الإسلام الذي تمثله قطر، وبين أعدائها حلفاء الصليبيين، الذين تمثلهم «دول المقاطعة»، حيث تنوع الدعم الذي قدم لقطر من عدد من التيارات المتطرفة ورموزها، مما كشف عن الوجه الحقيقي لكل من الطرفين، حيث إن كلاً منهما يوظف خطابه الديني من أجل تحقيق مصالح ومكاسب سياسية، من خلال مناصرة الحليف الذي يمكن أن يقدم له الدعم والمساندة.

فبعد إعلان الدول الأربع المقاطعة، أقام الأمير تميم بن حمد يوم 6 يونيو (حزيران) 2017 مأدبة إفطار لعدد من الدعاة، كان على رأسهم يوسف القرضاوي الذي قام الأمير بتقبيل رأسه، وفي المقابل تعددت أشكال الدعم والمساندة التي قدمتها التيارات المتطرفة لقطر في تلك الأزمة، حيث لم تقتصر على تيار بعينه، كما أن هذا الدعم قد اتخذ أكثر من شكل، ما بين الدعم «الفردي» و«الجماعي»، ويمكن تحديد أهم ملامح هذا الدعم في الآتي:

كما جاء الدعم لقطر أيضاً من مؤيدي «داعش»، حيث شن الداعية الكويتي حامد عبدالله العلي المعروف بتأييده لأبي مصعب الزرقاوي (الأب الروحي لداعش)، هجوماً على قرار المقاطعة، وأصدر فتوى في 6 يونيو (حزيران) 2017، بعنوان، «حكم الشريعة في الحصار الجائر على قطر»، كما سارع عدد من رموز وقادة الإخوان، على رأسهم يوسف القرضاوي، إلى دعم وتأييد قطر، الأمر الذي يشير إلى دعم رموز التطرف لقطر في تلك الأزمة، في حالة نادرة من التوافق بين أصحاب هذه التوجهات المختلفة، مما يدل على عمق العلاقة بين قطر والتيارات المتطرفة بأشكالها المختلفة.

الدعم القاعدي: لم تقتصر المساندة لقطر من قبل التنظيمات المتطرفة، على الدعم الفردي من قادتها ورموزها، بل تعدتها إلى الدعم التنظيمي الصريح، من قبل تنظيم «القاعدة»، الذي سارع إلى دعم قطر في أزمتها الحالية، عبر مجلته الأسبوعية «المسرى»، الناطقة باسم تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب»، فرع اليمن، وذلك في عددها الصادر في 6 يونيو (حزيران) 2017، تحت عنوان «قطر في مرمى النيران، وأكبر انقسام سياسي تشهده دول الخليج العربي».

دعم المؤسسات الدينية غير الرسمية: لم تتوقف مساندة التيارات المتطرفة لقطر في مواجهة قرارات المقاطعة، عند التنظيمات الإرهابية فحسب، وإنما تعدتها إلى المؤسسات الدينية غير الرسمية، التي يسيطر عليها عدد من رموز وقيادات هذه التيارات، مثل ما يعرف بـ«الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين»، الذي يترأسه يوسف القرضاوي، حيث أصدر بياناً في 8 يونيو (حزيران) 2017، يحرم فيه مقاطعة قطر من الناحية الشرعية، وفي السياق نفسه، أصدر نائب رئيس الاتحاد: المغربي أحمد الريسوني، بياناً مشتركاً مع الكويتي حامد بن عبدالله العلي، على شكل فتوى شرعية، يصفان فيه قرار المقاطعة بـ«الحصار الشنيع المحرم، الذي لا يجوز السكوت عليه، وأن الساكت عليه شيطان أخرس».

دعم في الداخل والخارج

كما قامت مؤسسة دينية أخرى غير رسمية، تطلق على نفسها، «الجبهة التنسيقية لعلماء أهل السنة» ومقرها إسطنبول بتركيا، بإصدار بيان في 11 يونيو (حزيران) 2017، وقّعه (100) عالم من مختلف دول العالم -على حد زعمهم- يعلنون فيه بشكل صريح أن «مقاطعة دولة قطر وحصارها حرام شرعاً، ولا تجوز المشاركة فيه، بأي حال من الأحوال». كما ساند قطر أيضا، «هيئة علماء المسلمين في العراق»، التي صرح المتحدث الرسمي باسمها يحيى الطائي، بأن «حصار قطر لا يجوز عقلاً ولا شرعاً». وتكمن خطورة دعم هذه المؤسسات، كونها ينظر إليها على أنها موازية للمؤسسات الدينية الرسمية، مما يجعل العديد من الناس يعتقدون بصحة الفتاوى الصادرة عنها، ولا سيما أن رموزها لهم جماهيرية في مناطق متعددة.

لم يقتصر الدعم على قطر فحسب، بل تعداها إلى حليفيها، وهما تركيا وإيران، بعد دخولهما على خط الأزمة، وإعلانهما التضامن مع الدوحة في مواجهة دول المقاطعة، حيث سارع البرلمان التركي بالموافقة على نشر قوات تركية عسكرية في قطر، وفتح قاعدة عسكرية لها هناك، في حين سبقتها إيران بالإعلان عن تزويدها لقطر بما تحتاجه من سلع غذائية، حيث قامت بإرسال خمس طائرات، محملة بالمواد الغذائية.

أدت هذه الفتاوى السلفية، من قبل السلفية الجهادية، وجماعة الإخوان المسلمين، إلى دعم عدد من التنظيمات المتطرفة لكل من تركيا وإيران، بالرغم من الخلافات العميقة بين الطرفين، خاصة بعد تصوير الجماعة تحالف الدولتين مع قطر على أنه تحالف مع الحق في مواجهة الباطل، وبالتالي يمكن القول: إنه في ظل هذا التحالف سوف تعمل هذه التنظيمات على تطوير علاقاتها مع الدولتين، إرضاء لقطر، حتى تضمن بقاء التمويل والمساندة التي تحصل عليها.

في ظل العلاقة القوية بين قطر من ناحية والتنظيمات السلفية من ناحية أخرى، مما أدى إلى دفاعها عن الدوحة في أزمة المقاطعة بهذا الشكل، فهذا ما يمكن أن يكون له عدد من التداعيات، منها تقوية التحالف بين قطر و«التنظيمات الإرهابية»، حيث إن رفض قطر مطالب الدول المقاطعة، التي تم الإعلان عنها خلال شهر يونيو (حزيران) 2017، وعلى رأسها المطالبة بقطع العلاقة مع التنظيمات الإرهابية ورموزها، ووقف الدعم والتمويل، ورفض قطر لهذه المطالب، يمكن أن يؤدي غالباً إلى تقوية العلاقة بينها وبين السلفية الجهادية، لأنها ستنظر إلى قطر على أنها الحليف الموثوق فيه، الذي لا يتخلى عن حلفائه، مما سيجعلها على أتم الاستعداد لتقديم كل ما بوسعها، لمناصرتها وتخفيف الضغط عنها.

من جهة ثانية، فإن سعي قطر الحثيث خلال الفترة الماضية، إلى ارتداء ثوب «المظلومية»، بسب دفاعها عن التيارات الدينية، التي تتظاهر بأنها تسعى إلى نصرة الإسلام وتطبيق الشريعة الإسلامية، يمكن أن يؤدي إلى تعاطف العديد من التيارات المتطرفة، خصوصاً بعض المجموعات السلفية المنتشرة في العديد من المناطق، إلى تسعى دائما إلى أن تبعد نفسها عن العمل السياسي، خاصة أن رموز التيارات المتطرفة التي تمولهم قطر وتساندهم، يعملون على تحويل الخلاف السياسي مع قطر، إلى صراع ديني، تمثل فيه قطر المدافعة عن الإسلام، في حين أن العكس هو الصحيح بالنسبة للدول المقاطعة.