وحدة إسلامية أم مشروع توسعي فارسي

غالبا ما يستعمل النظام الإيراني في خطابه السياسي لغة مراوغة، لا تسمي الأشياء بأسمائها غير أنها لا تتمكن من إخفاء الأهداف التي تسعى إلى تكريسها عنوانا لما يخطط له ذلك النظام.

فحين يتحدث علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الأعلى عن الوحدة الإسلامية فإنه يقصد الهيمنة الإيرانية على الدول التي قُدر لها أن تقع فريسة لأطماع إيران التوسعية.

لقد سمى ولايتي تلك الدول وهي لبنان والعراق وسوريا مستثنيا اليمن، وذلك في محاولة حذرة منه لعدم استفزاز المجتمع الدولي ممثلا بمجلس الأمن الذي صار على مقربة من اتخاذ قرار يدين التدخل الإيراني هناك.

كان الإيرانيون في ما مضى يتحدثون عن محور المقاومة فإذا بهم ينتقلون إلى الحديث عن الوحدة الإسلامية وهي انتقالة تشير إلى اطمئنانهم إلى حجم ما حققوه على الأرض من إنجازات، صارت تدفع بهم إلى الشعور بأنهم يقتربون من هدفهم في إقامة امبراطوريتهم الفارسية الجديدة.

الوحدة الإسلامية إذاً ليست سوى واجهة للمشروع الفارسي الذي سبق للخميني أن طرحه من خلال مبدأ تصدير الثورة الذي اتخذ منه أتباعه بعد وفاته عنوانا للالتزام بخط الإمام.

لم يتفق الإيرانيون بالرغم من خلافاتهم السياسية على شيء مثلما اتفقوا على الالتزام بـ"خط الأمام". وهو ما يجعلنا على يقين من أن السياسيين الإيرانيين، محافظين كانوا أم اصلاحيين لا يختلفون في نظرتهم العدائية إلى العالم العربي الذي يعتبرونه جزءا من اقطاعيتهم.

واقعيا يمكننا القول إن إيران قد حققت جزءا لافتا من مشروعها التوسعي. لكن ما كان ذلك ممكنا إلا من خلال الظرف الاستثنائي الذي صنعه الاحتلال الأميركي للعراق. لقد سلمت سلطة الاحتلال الأميركي الحكم هناك لأحزاب تدين بالولاء لإيران، وكانت غايتها من ذلك الحاق أكبر ضرر ممكن بمَن قاوم احتلالها من العراقيين.

وكما تؤكد الوقائع المأساوية التي شهدها العراق فإن إيران قامت بإداء الدور القذر المطلوب منها بأكثر مما توقع الأميركان.

لقد ألحق العراق بإيران حين حفر أتباعها قبرا لبلادهم وكان الدفان إيرانيا.

غير أن إيران تبالغ كثيرا حين تلحق سوريا ولبنان بإقطاعيتها.

ما لا يمكن أن يقبله العقل السياسي أن تتخلى روسيا عن سوريا لإيران مثلما فعلت الولايات المتحدة بالعراق. فسوريا بالنسبة للإدارة الروسية هي جزء من مشروع نفوذها العالمي. لذلك لن تسمح روسيا لإيران إلا بإداء مهمات مؤقتة من خلال ميليشياتها.

أما في لبنان فإن الأمور أكثر تعقيدا من أن يتمكن حزب الله من وضع البلد بتاريخه وشعبه وثقافته وتنوعه تحت الابط الإيرانية.

ما يبدو بالنسبة لإيران وحدة إسلامية هو في حقيقته مصيدة لها.

فإيران وإن استعانت بعملائها المحليين في العراق ولبنان وميليشياتها في سوريا لن تتمكن من فرض سيطرتها على شعوب حية.

لقد لعبت دور الراعي الطائفي وهو دور لا ينسجم مع روح عصرنا الذي يحارب العنصرية.

إضافة إلى ذلك فإن النظام السياسي في إيران القائم على الاعلاء من شأن العرق الفارسي واهمال الاثنيات الأخرى التي تتألف منها الشعوب الإيرانية لا يفهم عمق وقوة الفسيفساء العراقية والسورية واللبنانية.

إيران غير قادرة على احتواء ما تظنه جزءا من اقطاعيتها بالرغم من النجاحات التي حققتها في ظرف استثنائي تمر به المنطقة.

ما أن يزول ذلك الظرف حتى تبدأ إيران بالانكماش وسط كراهية ليس لها حدود من قبل الشعوب التي اكتشفت مدى قدرة نظام الملالي على التلاعب بالألفاظ بحيث تقول شيئا وتفعل عكسه.

لن يطول مقام إيران في العراق وكذلك في سوريا. وذلك مرتبط باستعادة شعبي البلدين لوعيهما القومي والعزوف عن الانزلاق إلى هاوية الفتنة الطائفية التي لا تورث إلا التخلف والهمجية والانغلاق والضعف.