بلاد ممر الرافدين!

من الحكايات الطريفة التي سمعتها وانا صغير، واستقرت في ذهني الى اليوم، ان احد الاشخاص، كان صديقا لاحد الاقطاعيين في الريف، وكان هذا كثير التواجد في مضيف صديقه الاقطاعي، الذي كان عامرا بجلاّسه، حيث القهوة والاحاديث التي يزجّي بها الفلاحون وقتهم بعد فراغهم من اعمالهم مساء. وبعد ثورة 14 تموز 1958 التي صادرت اراضي الاقطاعيين، هاجر هذا مع عائلته الى العاصمة بغداد، حيث هناك قصره الذي بناه من قبل، ومصالحه التي كان يتابعها عن بعد حين كان في الريف، وبات يتابعها عن قرب بعد ان غادر الريف الذي لم تعد له مصلحة للبقاء فيه.

لم ينقطع الشخص الصديق عن صديقه الاقطاعي، او الذي كان كذلك، وظل يسافر باستمرار الى بغداد، لكنه مع الايام وجد ان حرارة الترحاب به اخذت تقل تدريجيا، ولم يجد الاهتمام القديم، ووجد ايضا ان ايقاع حياة العائلة تغير بشكل واضح، وبات كل شيء لديهم مقننا وليس كالسابق، حيث كان البذخ المستمر نتيجة الواردات الضخمة التي يحققها الاقطاعي بجهود الفلاحين! فنبهه احد معارفه بان ذهابه المستمر الى صديقه ليس صحيحا، وان عليه ان يكيّف نفسه لزيارات متباعدة ليبقي على حبل الصداقة، من دون ان يثقل على صديقه وعائلته التي تكيفت مع ايقاع جديد للحياة، يختلف تماما عن ايقاعها القديم.

في ثمانينيات القرن الماضي، قرانا في الصحافة، تقارير تتحدث عن حروب المياه القادمة، وكيفية الاستعداد لذلك، ليس للحرب بالضرورة، بل لتجنب الجفاف من خلال تقنين استخدامها، ولعل البعض وجدوا، في حينه، ان هذه الطروحات مبالغ فيها، لان من يقف على ضفاف نهر دجلة، لاسيما في موسم الربيع، يجد انه قد يتمرد على جرفيه في اية لحظة ويغرق بغداد. لكن الشيء الذي لم نكن نفكر به كثيرا ان هذه المياه، تنبع من دولة مجاورة وليست من اراضينا، وان كرم الطبيعة في تلك السنين، وكثرة المياه التي كنا نحار في كيفية تصريفها، كانت ينظر اليها من قبل العلماء المعنيين بعين مستقبلية مختلفة، لادراكهم ان التغيرات المناخية ستنعكس على الطبيعة وستجبرها على ان تكون بخيلة في رفدنا بالمياه التي تتدفق الينا من تركيا عبر نهري دجلة والفرات، وان هذه القراءة العلمية لم يغفلها المسؤولون الاتراك، فبدأوا ببناء السدود على اراضيهم، ليخزنوا المياه البيضاء للايام السوداء! وهو ما حصل. ولعلنا اليوم نعيش في قلب تلك التصورات والاحتمالات القديمة.

اواخر السبعينيات، بنى العراق سدودا لمعالجة موضوعة المياه، تحسبا للمستقبل، لكننا بقينا بحاجة الى المزيد من السدود او الاجراءات التي يعرفها اهل الاختصاص لنجعل جميع المياه التي تدخلنا تحت تصرفنا فعلا، بدلا من ان تذهب هدرا، وهو ما يحصل لدينا للاسف. لان علاقة الانسان بالثروات الطبيعية اختلفت عن السابق، وباتت اكثر تعقيدا، تبعا لتعدد اشكال استثمارها. فالأنهار لم تعد فقط للسقي والغناء على ضفافها الخضراء! لكن ثقافة ذلك القروي في نظرته للعلاقات الاجتماعية، ظلت تحكمنا في علاقاتنا السياسية والاقتصادية، على الرغم من تغيّر الدنيا وتبدل احوال المناخ، وبقينا نعتقد ان الكرم يأتي من شيء ومن لاشيء ايضا، وانه نفسه في كل ظرف وفي كل حال، وهكذا صارت مياهنا تنتحر في شط العرب، لاننا لم نقننها، لنبقي على بلاد الرافدين اسما ووصفا للعراق، وليس بلاد ممر الرافدين، او هكذا يبدو وصفها اليوم.

اذا كانت الحروب والحصار سابقا، سببا في عدم انجاز بعض مشاريع المياه الاستراتيجية التي بدأت قبل عقود، فان موازنات الاعوام الخمسة عشر الماضية، كافية لانجاز تلك المشاريع وتضيف اليها لو خلصت النيّات. لكن المياه في العراق صارت كالنفط تماما، اذ تدخل العراق وارداته الكبيرة، وتخرج منه بعد ان ينفقها العراقيون على السلع والمواد الغذائية التي يستورد العراق ما نسبته تسعا وتسعين بالمائة او اكثر منها! وبذلك لم يبق النقد بحوزتنا او يدوّر في اسواق البلاد من خلال حلقة اقتصادية متكاملة، كوننا لا نمتلك العقل العلمي الذي يستحضر المستقبل وكيفية التعامل مع الازمات قبل وقوعها.

تركيا تقول ان كمية المياه التي تدخل العراق كافية، لكن العراقيين لم يحسنوا التصرف بها، وانها تعمل على استثمار المياه التي تنبع من اراضيها باشكال مختلفة، كالطاقة والسياحة وغيرها، وتجد ان هذا من حقها في ضوء تطور الحياة، واستثمار هذه الثروة لاغراض متعددة، ونحن بقينا نعتقد ان اتفاقيات المياه القديمة، وحكاية حقوق الدول المتشاطئة، تضمن لنا استمرار جريان دجلة والفرات كما كانا قبل قرن من الزمن واكثر! ولا نريد نعرف ونعترف ان قلة المياه من مصادرها، تزامن مع تنوع استثمارها في كل دول العالم.. فهل نحتاج الى احد اقاربنا لينبهنا الى ان الزمن تغيّر، وان علينا ان لا نكون ثقلاء على الاصدقاء والجيران.. وعلى انفسنا ايضا؟