أبو بكر القيسـي.. تاريخ من التنوير في اليمن

لماذا لا نريد أن نفهم؟

"أبو بكر القيسـي.. رائـد مسرح الطفل في اليمـن" عنوان الكتاب التذكاري الذي صدر أخيرا (ضمن مشروع وزارة الثقافة اليمنية ومؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، لنشر مائة كتاب) للباحث نزار القيسي، وقدم له وزير الثقافة اليمني مروان دماج مؤكدا أن القيسي كتب بعضاً من أهم صفحات الحركة المسرحية اليمنية خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، وقد وصل إلينا صوته، نحن أبناء ذلك الزمن المشغولين بالصراع السياسي وإهدار الوقت.

وقال: "مازلنا نتذكر عمله الدرامي التلفزيوني المقدَّم للأطفال (بشبوش وأبو الريش) والظروف التي رافقت إنتاج ذلك العمل الدرامي المقدم على مدار سنوات.

يتمثل حرص القيسي على عمله المذكور في جوانب عدة منها أنه كتب مرةً مقالاً نشر في 19 أبريل/نيسان من عام 1990 دعا فيه الوسطين الفني والثقافي للتوقف أمام هذا العمل بالنقد والتقييم وإلى المشاركة في تطوير هذه التجربة، وهنا ندرك أية ظروف كان القيسي يحاول أن يستمر في مشروعه فيها".

الكتاب ضم مختارات من رؤى أبوبكر القيسي لمسيرة مسرح الطفل في اليمن، وبعض أعماله، وشهادات لفنانين وموسيقيين ومسرحيين ونقاد وصحفيين وتربويين حول القيسي وما قدمه لمسرح الطفل اليمني من أعمال وأفكار ورؤى، بالإضافة إلى عدة ملاحق منها ما يضم صورا لوثائق وشهادات تقدير وجوائز حصل عليها، وكذا ملحق لصور من أعماله.

قال نزار القيسي في مقدمته للكتاب: "قليلون هم أولئك الذين يأتون إلى الحياة، ويصنعون تاريخاً تخلِّد به الأمم، بما قدّموه من خدمات للإنسانية، وما يضيفونه من جديد في الحياة، ترفع من شأن أمتهم، وتجعلها في مصاف الأمم المتقدمة. انطلاقاً من قاعدة إنسانية أرساها رائد أدب الأطفال في العالم الدنماركي هانس كريستيان أندرسن، وهذه القاعدة هي: الكمال الفني يساوى الموهبة مع علم. إنها الفلسفة التي جعلت الفيلسوف والشاعر الهندي الكبير طاغور يخاطب أهل الدنمارك عندما زارهم يوماً بقوله "لماذا تريدون أن يزداد السكان عندكم.. يكفي أن يكون أندرسن منكم".

وأضاف "في هذا الكتاب نلتمس الطريق إلى تخليد رجل نذر حياته لأطفال بلادنا، واتخذ من المسرح وسيلة لتربيتهم وتثقيفهم، متدرجاً من المسرح المدرسي إلى مسرح الطفل والعرائس. ثم إنه لجأ إلى التلفزيون كوسيلة تواصل للأطفال، حتى إنه استحق منهم ألقاب "عمو بشبوش" و"عمو شمسان" و"عمو ميسور".. إلخ، وهي مسميات في كلياتها تدل على شخص واحد أراد ـ بعمله ـ أن يكون رمزاً، أو قدوة للأطفال، وفي ظننا أنه حقق مبتغاه. ولذلك فقد قصدنا أن يكون هذا الكتاب تذكاريّاً. بمعنى أنه أولاً: مختلف عن كل الكتب التي يتم إصدارها في مناسبة كهذه شكلاً ومضموناً، وثانياً: هو كتاب يذهب بالقارئ إلى تتبع التجربة الإبداعية للقيسي كما عبَّر عنها هو من خلال كتاباته ولقاءاته الصحفية، والمتابعات النقدية لأعماله، ومن خلال نخبة من الذين ارتبطوا بهذه التجربة".

في الحوار الذي أجراه عمر مكرم عنتر لمجلة الفنون (عدن) مارس/آذار 1984 قال أبوبكر القيسي عن بداياته "في طفولتي بالمسرحيات التي كان يقدمها رواد المسرح في الخمسينيات ومحاكاتي لهم أمام أقراني في المنزل، وكذا بعض المسرحيات لجيل ما بعد الرواد وأخص بالذكر مسرحية "روميو وجولييت" التي مثل بطولتها الفنان القدير أحمد قاسم، هذا إلى جانب ولعي بمسرح الأراجوز أثناء عرضها في زيارات الأولياء.

في عام 1965 أنشأت أول فرقة مسرحية للهواة باسم المسرح الحديث وعند تقديم أول عمل لها "تقاليد جديدة" اعتقلت من قبل السلطات وألغيت المسرحية. وفي السبعينيات اشتركت والزميل فيصل بحصو في تكوين فرقة المسرح الوطني والمشاركة في أول أعمالها "الكنز" وأسهم في إخراج معظم عروضها الزميل فيصل عبدالله الذي كان لإسهامه أثر كبير في إحداث نقلة نوعية للمسرح اليمني باستخدامه الأسلوب البريختي كأسلوب جديد في المسرح.. بعدها قمت بتكوين عدد فرق مسرحية أهمها فرقة المسرح القومي، فرقة أشيد، فرقة العاصمة.

وأضاف "بداية السبعينيات كانت تجربتي مع الإخراج وتخصصت في المسرح الغنائي وكونت ثنائيا مع الفنان الملحن أحمد محمد ناجي ابتداء من مسرح العرائس (الأسد والفأر) لأديب قاسم ثم مسرح الطفل (أروى والتاريخ) لزين عيدروس. فالمسرح المدرسي (زائر من الأرض) لمحمد سعد عبدالله ومسرح الشباب (القافلة) لأنور باجميل ومسرح الهواة (المسيرة) للقرشي عبدالرحيم سلام وانتهاء بمسرح المحترفين (الفتى منصور المنصور) لعبدالمجيد القاضي. كنت على رأس مؤسسي المسرح المدرسي ووراء بروز رعيل كبير من الموهوبين في التمثيل أمثال: أنيس شاكر، عمر مكرم ومن الفنيين عبداللطيف الحاشدي في الإضاءة محمد التمار في الديكور والرقص الشعبي.

وأشار إلى أن المسرح أداة ثورية في عملية التحول الاجتماعي لصالح الطبقات الشعبية، وذلك بدراسته ومخاطبته لواقع هذه الطبقات، ولكون مجتمعنا يلتزم هذه العملية الثورية منطلقا من مستويات شعبية فإنه يقف على هذه الطريق ومسرح بريخت هو الذي تمكن الاستفادة منه لتحقيق ذلك.. إذ أن المسرح البريختي وهو يلازم حركة التطور في عصرنا قد ظل يحمل أهم السمات للمسرح الشعبي منذ شكسبير.. كونه يقيم علاقات جدلية بين النص والخشبة والجمهور.. وبذلك نشأ المسرح التعليمي – أو كما يقال الذي يغلف اقراصه التعليمية بطبقة من السكر.. وهذا هو ما يحتاج إليه مسرحنا اليمني في الوقت الحاضر.

وأوضح أبوبكر القيسي في حواره "أعطني نصاً جيداً أعطِك مسرحاً.. وأعطني مسرحاً أعطِك جمهوراً مسرحياً.. ماذا تعطينا هذه المعادلة؟؟ هذا هو السؤال. نص جيد، فمسرح لتحصل على جمهور مسرحي.. لماذا لا نريد أن نفهم ذلك؟ وأظن أن المسألة مقلوبة نحن عادة نقدم العربة على الفرس.

وأنا أتساءل لماذا لا يكون المسرح أولا.. وعلى ذلك جرت العادة.. فالمسرح بمواصفاته الفنية.. بعناصره الشائقة، امتداداً من خشبة المسرح بقاعاتها الفنية وحتى طاقمه المتخصص وهي قافلة كبيرة من المهارات والتقنية وانتهاء بالموقع الذي يتم فيه بناء هذا المسرح.

أكاد أجزم أن هذا كله لا وجود له إلا في خيال المسرحيين فقط، ولا حقيقة له في أرض الواقع ما الذي يجتذب كاتب النص إذن لمسرح خلت مواصفاته من كل مقتضيات المسرح التي يريدها الكاتب لتحريك شخوصه وبناء أحداثه وتصوير مشاهده، لذلك لم يكن غريبا أن ينشط كتاب النشرات في منصة الخطابة هذه التي يسمونها خشبة المسرح.

الكلمة لا تولد في فراغ.. لذلك حين وجدت الصحيفة والمجلة ووسائل الكلمة المسموعة ظهرت القصيدة والقصة القصيرة والمقالة. وهكذا شأن المسرحية، فالمسرحية تكتب لتمثل لا لتقرأ، ومكانها هو خشبة المسرح. وربما ظهرت أيضا بعض الصعوبة فيما لو تم بناء هذا المسرح. وأقصد أنه ربما تأخر ظهور النص الجيد، وذلك أثر طبيعي حتى يتسنى لكتابنا أن ينفعلوا ويتفاعلوا من خلال محك التجربة. وهذا يعني استقطاب بعض الفرق الفنية ممن سبقتنا في هذه التجربة. وهذه هي العادة، التقليد أولا ثم التجربة الخالصة. وهنا ربما كسبنا النص المحلي الجيد.

وبقي أن نؤكد أن التخطيط الطبوغرافي للمسرح لا يقوم على تخطيط واضح. بهذا الصدد نقول إن المسرح الوطني - مع الأخذ برأينا السابق عن انعدام وجود المسرح الصح ـ قد أقيم في منطقة انعدام الوزن، كثافة الجمهور المسرحي قد وجدت تلقائياً في منطقتي الشيخ عثمان وعدن والمسرح أقيم في منطقة التواهي وهذه مفارقة لا مبرر لها. فماذا لو أقيم في منطقة الوسط "خورمكسر" مثلا وتفرعت منه جيوب صغيرة على شاكلة المسرح الشعبي.. 50 مقعدا في المناطق الاخرى".

ورأى إن قضية المسرح العربي ليست قضية منصة المسرح، إنما قضية الساحة العربية كلها، هي قضية المصير العربي في الثلث الأخير من القرن العشرين، لذا فما أشد الحاجة في مسرحنا العربي إلى تخطيط مسرحي ضمن إطار تخطيط ثقافي، بل تخطيط اجتماعي شامل، يحقق لقاء الإنسان العربي على أرض النضال والمعاناة، وبهجة التفتح والتجدد والإبداع.. يحقق لقاء الإنسان العربي لقاء حميماً واعياً بحقيقته وحقائق مجتمعه وعصره. والتخطيط لا يعني فرض القيم والمفاهيم والأذواق، إنما يعني تنظيم المجالات وتوفير الوسائل وإتاحة الفرص أمام الطاقات المبدعة كي تعبر وتكتشف وتضيف وتسهم في التغيير والتنوير الفكري والوجداني.

من هذه الرؤيا يحاول مسرحنا اليمني أن يقف بتواضع وبإمكاناته المتواضعة وبإصراره وبفعل توجهه الصائب مسهماً إلى جانب بعض المسارح العربية لتحقيق تخطيط مسرحي ضمن تخطيط ثقافي اجتماعي شامل ليكون معبِّراً عن مرحلة جديدة من الوعي الحقيقي الجاد لمتطلبات ثورتنا العربية.