إما لبنان أو حزب الله

تبدو الولايات المتحدة مهتمة بحزب الله بالرغم من أنه لا يشكل خطرا عليها وعلى مصالحها في المنطقة.

سيكون نوعا من السخرية الفجة لو صدقنا أن القوة الأكبر في العالم قلقة على مصير القوة الأكبر في المنطقة بسبب وجود حزب الله.

واقعيا، ما الذي يمكن أن تفعله ميليشيا رعناء مثل حزب الله لإسرائيل؟

يمكن أن تشكل مصدر ازعاج، وهو أمر غير مسموح به بالنسبة للدول المستقرة. ولأن إسرائيل واحدة من تلك الدول فإن وجود حزب الله على حدودها لابد أن يكون أمرا غير مقبول.

ولكن إسرائيل يمكن أن تتغاضى عن ذلك الازعاج بسبب قيمة ما يقدمه حزب الله من خدمات على مستوى إشاعة الفوضى في الدولة اللبنانية التي لم تعقد بعد اتفاقية سلام نهائي معها.

ما من سفارة إسرائيلية في بيروت وهناك شيء من مقاومة التطبيع.

ولكن هل تحتاج إسرائيل إلى سفارة في بيروت؟

إن التركيبة التي يقوم عليها النظام السياسي في لبنان لا تساعد على اتخاذ قرار واضح في ذلك الشأن. لا يزال كل شيء مرهونا بمصير مقاومة لا يعرف أحد إلى أين ستنتهي بالبلد.

حزب الله الذي يرفع شعار المقاومة ولا عمل له سوى اجهاض المشروع الوطني اللبناني من خلال استباحة الدولة واللعب بأعصاب اللبنانيين.

دولة حزب الله التي هي بديل الدولة اللبنانية هي ما تدفع إسرائيل إلى عدم الاكتراث بغياب علمها عن الأجواء اللبنانية. ليست هناك دولة اسمها لبنان لتعنى إسرائيل بتبادل البعثات الدبلوماسية معها.

وكما أرى فإن الولايات المتحدة حريصة على استمرار ذلك الغياب.

حين يكون الحديث عن لبنان فإن الولايات المتحدة تختصر كل شيء بـ"حزب الله". ليس في لبنان شيء آخر. لبنان البلد والشعب صار عبارة عن ميليشيا يشكل وجودها ازعاجا لإسرائيل ليس إلا.

ميشال عون ووزير خارجيته الذي هو زوج ابنته لا يريان في النظرة الأميركية شيئا من المهانة. فهما مستخدمان من أجل ذلك الهدف. غياب الدولة اللبنانية وحضور دولة حزب الله.

ليس هناك ما يدعو إلى الاستغراب. فـ"عون" هو الرجل الذي فرضه حزب الله رئيسا على اللبنانيين.

في سياق نظام المحاصصة الطائفية يمكن اعتبار عون الكذبة المارونية التي لفقها الشيعة. فالرجل لا يحظى بأي اعتبار لدى موارنة لبنان وهو لا يمثل مصالحهم ولا يمكن أن يكون مؤتمنا على الدستور اللبناني.

كان تعيين عون رئيسا للبنان بمثابة رصاصة الرحمة التي أطلقت على لبنان المحتضر. لقد تم استصغار لبنان من خلال الاستقواء بالسلاح غير الشرعي لحزب الله. وهو ما وقع تحت أنظار الولايات المتحدة وإسرائيل معا.

اليوم تظهر الولايات المتحدة اهتمامها بحزب الله من غير أن تكترث بمصير لبنان. فالدولة التي اسمها لبنان صارت تقع تحت مظلة حزب طائفي، هو جزء من منظومة إيرانية صارت تهدد المنطقة بعنف ما تنطوي عليه من تحديات مصيرية.

لبنان المغيب بقوة حزب الله هو بلد تابع ومستضعَف وليس له من دلائل الدولة سوى رموزها التقليدية التي لا وزن لها على المستوى الواقعي.

ولقد صار معناه عجز اللبنانيين عن احداث تغيير في ذلك الواقع المزري. ولأن الولايات المتحدة تعرف ذلك وأكثر فإن كلامها النظري عن الخطر الذي يشكله حزب الله انما يسبب الخيبة بالنسبة للكثيرين ممن يأملون في أن تقدم القوة الأكبر في العالم على خطوات ملموسة من أجل انهاء كابوسهم.

هناك قدر واضح من الخداع تنطوي عليه السياسة الأميركية في ما يتعلق بلبنان. فمن جهة يكرر المسؤولون الأميركان الجمل التي يصرون من خلالها على اعتبار حزب الله جماعة إرهابية، يشكل وجودها خطرا على الأمن في المنطقة ومن جهة أخرى فإنهم يعزفون عن تذكر الجهة التي هي أكثر المتضررين من ذلك الحزب. وما تلك الجهة سوى لبنان، دولة وشعبا.

حين تغفل الولايات المتحدة خطر حزب الله على لبنان فإن كل كلام يقوله مسؤولها عن ذلك الحزب لا مصداقية له.