'على مفترق' .. سخونة الأسئلة وإجاباتها

لم يثقل الكتاب بالهوامش والإحالات

كثيرة هي القضايا التي تحفل بها حياتنا الثقافية، وكثيرة هي الشجون التي ترشح بها النقاشات والحوارات في الشأن الثقافي، وكان اقتراب غروب القرن العشرين وتبازغ القرن الواحد والعشرين مناسبة عالمية لاحتدامات فكرية وأدبية أججتها فتوحات علمية فاقت كل التصورات، وفتحت المجال واسعاً لقراءات جديدة تتوقع ما يمكن أن يبقى وما ستجرفه مستجدات الواقع الجديد، وتتلمس الجوهري في طوفان التدوين الذي أتاحته الشبكة العنكبوتية المذهلة.

صالح البيضاني الكاتب الذي تتوزع تجربته بين القصة والمقالة والمقاربات الأدبية المختلفة سواء ما يتعلق منها بحوارات المشهد الأدبي والمثاقفات والتحولات الفكرية التي تتجاوب رياحها على عرصاته، أو ما يتعلق بالهم الصحفي والكتابة الاعلامية يضع بين أيدي قرائه ثمرة جديدة لمثابرته واختلاجات وعيه ومساءلاته الحادة التي اشتبك عبرها مع المتغيرات العاصفة التي شهدناها خلال العقود الثلاثة الماضية انطلاقاً من النقطة نفسها أفول قرن وبزوغ قرن جديد.

لقد أدهشني وأنا أتصفح نسخة الكتاب التجريبية أنني أمام وجبة دسمة ومتنوعة، فيها إحساس حارق بالزمن كمتغير يملي إراداته، وإراداته هي أفعالنا نحن إذ تتقدم باستمرار خاصة في اللحظات التاريخية المفصلية التي تجعلنا نشعر أننا "على مفترق"، وهذا هو عنوان الكتاب الذي يناقش قضايا ثقافية عربية قديمة المأتي، مضت قرون من الدهر وهي عالقة تأخذ بتلابيب حامل القلم العربي شاعراً وأديباً أو كاتباً ومفكراً بشكل عام، وأولها قضية "حرفة الأدب" والمقصود بها الفقر والحاجة التي تصيب قسماً من المشتغلين بالكتابة عبر تاريخ الأدب العربي وهي قضية عميقة الجذور شديدة التأثير عانى منها عدد كبير من رموز الأدب العربي واستدعى إلحاحها مؤلفات تخصصت فيها لعل أشهرها "الفلاكة والمفلكون" لأحمد بن الدلجي المتوفى سنة 838ه – 1435 و"الذين أدركتهم حرفة الأدب" للأديب المصري طاهر أبو فاشا، و"أدب المعدمين في كتب الأقدمين" جمع وتحقيق سالم الدباغ، وغيرها من الكتب التي حفلت متونها بحكايات مؤلمة عن أدباء وفلاسفة ذاقوا الأمرين جراء الفقر والفاقة وقلة ذات اليد، على رأسهم أبوحيان التوحيدي الكاتب العظيم الذي عاش قرابة تسعة عقود "يأكل الكسيرة اليابسة، والبقيلة الذاوية، ويلبس القميص المرقع" ومثله عشرات من معاصريه سرد أسماء بعضهم هو في مؤلفاته مثل المعافى بن زكريا والمنطقي السجستاني وغيرهما، وعرف النصف الأول من القرن الماضي عشرات الأدباء الذين اشتهروا بالفاقة والعوز، وذاعت معاناتهم واشتهر تعبهم من أمثال عبدالحميد الديب ومحمد إمام العبد اللذين توقف عندهما طاهر أبوفاشا كثيراً في كتابه "الذين أدركتهم حرفة الأدب" .

ثمة متغير جدّ بعد منتصف القرن العشرين هو تضمين فقر الأدباء وعوزهم داخل نسيج الأيدولوجيا، كان ذلك في زمن صعود اليسار واعتناق كثير من المبدعين للشيوعية حيث لم يعد العوز عاراً أو مذلة وباباً للشكوى، بل صار سبيلاً للمباهاة كونه ثمن يدفعه المبدع نتيجة انحيازة للكادحين من أبناء الطبقة الفقيرة في المجتمع، وقد أخبرني الشاعر الراحل إبراهيم الحضراني أن الشاعر أمل دنقل عاش سنوات يلبس بنطلون جينز واحد حائل اللون مزرياً، وفي جيب بنطلونه الأيمن بضعة ملاليم، وهو لا يفتأ يدخل يده في جيبه ليلعب بها أثناء حديثه مع الآخرين سائراً وواقفاً وجالساً دون أن يصرفها، فقد كان يأكل ويشرب حيثما وجد أصدقاء من أهل اليسر دون شعور بالمنّة منهم أو شعور بالنقص من جهته.

وهذا ما كان سائداً عند طبقة من المبدعين العرب عامة واليمنيين خاصة حين انكشف غطاء الأيديولوجيا عند نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما أوقعهم في متاعب كثيرة وقد ساهمت الأوضاع التي جدت بعد مطلع التسعينيات في تكاثرهم حتى صاروا ظاهرة لافتة هي ما يتوقف عنده الكاتب ليناقشه بعين بصيرة وفهم نافذ، فهو يرفض تلك الصورة التي "يحاول البعض اليوم جعلها رداءً يتدثرون به لإخفاء عجزهم عن الاندماج بالحياة وعدم الاستسلام لمظاهر الإبداع المزعومة التي التصقت ببعض المبدعين دون غيرهم، وجعلت من المبدع فريسة لمعطيات غير حقيقية تحاول أن تجعل من كل مبدع مسيحاً مزعوماً يكابد الآلام والمعاناة في سبيل الآخرين الذين لا يشعرون بما قدمه لهم من تضحيات من أجل أن يرسم لهم أجمل صور الحياة التي لم يروها ولن يروها أبداً لولا احتراقاته اليومية".

والبيضاني يرفضها ليس من هذا المنطلق فحسب بل من كونها استيراداً غير واع لموضة أدبية سادت زماناً في الغرب في سياق معطيات مختلفة عما عندنا ثم لكونها تحولت إلى شماعة يعلق عليها المبدعون فشلهم، وقميصاً يبتزون به مجتمعهم في الوقت الذي يُتوقع فيه من المبدع أن "يخوض معركة كفاحه الصعبة لتقديم نفسه للمجتمع كحالة استثنائية ينبغي عليه أن يستلهم أهميته ودوره البارز في المجتمع، وأن لا يقع فريسة للصورة السلبية التي رسمها له البعض والمنطلقة من أسس قائمة على الدونية".

يتوقف الكاتب أيضاً عند قضية "المعارك الأدبية" مستعرضاً بأسلوب شيق وسلس تاريخها، ملمحاً إلى بعض محطاتها ومتوقفاً طويلاً عند أبرز تجلياتها في المعارك الطاحنة التي شهدتها مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين على أيدي عمالقة الأدب العقاد والرافعي وطه حسين وأحمد أمين وزكي مبارك وغيرهم، مروراً بمعارك دارت في العراق حول ريادة الشعر، وصولا إلى معارك أدباء اليمن التي اكتفى الكاتب ببعضها مثل معركة الشامي والأكوع، مع التوقف قليلاً عند ما أثارته صحيفة الثقافية عند نهاية التسعينيات، قبل أن يعود لرصد معركة قصيدة النثر في مصر تلك المعركة التي لا تهمد إلا لتبدأ من جديد فائضة في نفس المجرى منذ عام 1998 وحتى اليوم، طرفها الأول على طول الخط الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي وطرفها الآخر مجموعات متلاحقة من كتاب قصيدة النثر الشباب، ويتضح أن الكاتب الذي يستعرض معارك أخرى دارت في الجزائر والسعودية يتعامل مع موضوع المعارك الأدبية من خلال وجهة نظر ترفض ما يشوبها من قسوة وعنف لفظي.

ومن شخصنة تحول رجال الأدب والفكر وحملة القلم إلى تسلية للقراء الذين ينتظرون على أحر من الجمر حلبة المصارعة، ومساخر المتصارعين، فالحقيقة أن التطور النقدي الناتج عن المعارك الأدبية ضئيل جداً، بل إنه ليشبه حلاوة الخرّوب الذي قال التركي عنه حين ذاقه في اليمن "قنطار خشب وأوقية حلاوة"، فالمعارك الأدبية تقوم غالباً كما يقول المؤلف "على خلفية تحقيق مكاسب ذاتية صرفة، أو إرضاءً لنوازع شريرة متأصلة في النفس البشرية، المسكونة بعشق الشر ومكوّناته، حيث يسعى فيها طرفا الصراع، أو أحدهما على الأقل، لإحراز مكاسب منفعية على حساب خصمه، وإن كلفه ذلك افتعال الوقائع، ونشر الأكاذيب، وتلفيق الاتهامات، وتشويه الحقائق، وتدنيس ما هو طاهر ونقي، وغرس مخالبه الشريرة في لحم غيره، ونهش سيرته وإنجازاته من دون أدنى اعتبار للقيم والسلوك والأعراف والأخلاق كونها حالة صراع "قذرة" يستخدم فيها الخصم كل أسلحة الفجور والموبقات، وكل الأدوات المشروعة وغير المشروعة من أجل تحقيق انتصار مزيف، لا يعود على صاحبه في أحسن الأحوال إلا بالخيبة والويلات".

القضية الأكثر صيرورة ووضوحاً هي قضية "السرقات الأدبية" التي يستعرض الكاتب تاريخها الممتد عميقاً في تراثنا، ويفصّل تعدد مستوياتها وتطور دلالاتها، والمصطلحات النقدية المرتبطة بها، وكذلك طرائق التعامل معها من التساهل ثم التعييب إلى حكرها بقوانين الملكية الفكرية، وارتفاع مستوى الوعي بها، نقدياً من خلال الفصل بين التناص كعملية إبداعية والإقتباس والتضمين كاشتغالات ضامنة لحقوق الآخر، والأخذ بوصفه اعتداءً سافراً على حق يملكه الغير، وقانونياً من خلال رفع الدعاوى على السارقين وإصدار الأحكام القضائية التي تدينهم كما في حالة عايض القرني وسلوى العضيدان بل إن الوعي في هذه الناحية قد وصل إلى درجة استصدار الفتاوى الشرعية سعياً لمماثلة سارق النصوص بسارق المال من حيث التوصيف والعقوبة، وقد كان طريفاً أن يسوق المؤلف ضمن نقاشه الواسع ومقارباته المستقصية جملة من الفتاوى التي تعزز الضرب على أيدي لصوص النصوص وتوقفهم عند حدهم.

ولعل الموضوع الرابع من مواضيع الكتاب الذي يندرج في القضايا العابرة للعصور هو الموضوع الأخير "ديوان الأمس .. ديوان اليوم"، الذي يستقصي بشغف وتأمل ذوقي رفيع اشتغال مجموعة من النصوص على انفعالات وجودية نفث أصحابها لحظتهم فيها دون أن يعرفوا أنّ ما صنعوه لحظات لا تموت بل تتجدد دواعيها عبر الأزمنة كلها .. هنا على بساط العرض يحضر الشعراء " الحارث بن عباد، البحتري، المعري، الرندي والبردوني" في جولة معرفية بانورامية تلاحق نبضات القلوب وتؤرخ لتأزّمات الإنسان كما عبرت عنها تلك النصوص.

من روائع الكتاب ودرره موضوع بعنوان "رحلة يمانية مخضبة بالذكريات"، إنه مختلف بلغته واستقصاءاته وعاطفته الجياشة، فهو رحلة شجن واسعة في نصوص إبداعية تناولت معاناة الحروف وارتعاشات القصائد في مهاجر اليمنين ومغترباتهم.

وهو كدأبه في مواضيع الكتاب يستقصيها في السرد من نماذجها الأكثر حميمية وصدقاً، أعني روايات وقصص العبقري محمد عبدالولي الذي تجاوز تعبيره عن الغربة كونها بعداً عن الوطن وحنيناً إليه، لتتحول إلى رمزية لوجود ناقص، وفوات تنتج عنه إدراكات تذبح الوجدان وتسوم القلب والعقل سوء العذاب. كذلك يستقصيها في عديد الروايات التي كتبها يمنيون غرّبهم طلب المعاش، أو شردتهم الصراعات السياسية، وهو وضع يمني متجدد يلوم كل زمن يمني سابقه عليه لكنه يضيف إليه ما هو أزيد وأكثر فداحة، والبيضاني لا يتوقف عند النصوص السردية التي توزعت بيئات إنتاجها من أندونيسيا شرقاً حيث كتب أحمد السقاف روايته "فتاة قاروت" في سبعينيات القرن التاسع عشر إلى الولايات المتحدة الأميركية حيث كتب عبدالناصر مجلي روايته "رجال الثلج" في العقد الأول من الألفية الجديدة.

على أن تتبع البيضاني وبحثه البديع في موضوع الغربة لا يتوقف على السرد، بل يستطرد إلى الشعر، ولما كان شعر الغربة كثيراً كون الشعر قريب المأتى كثير الجريان على ألسن وأقلام الشاعرين بالحنين إلى أوطانهم، فقد قام الكاتب بانتقاء أكثر النصوص صيرورة واعتصاراً لتجربة الغربة، وقد أحسن حين ارتكز على نصوص مغنّاة، أولها قصيدة "البالة" التي أبدع نسجها الشاعر المتفرد مطهر الإرياني ولحنها وغناها الفنان علي السمة، والتي تعد إحدى ملاحم الوجدان اليمني وأجملها تعبيراً عن غربته، وقد عرج الكاتب على نصوص أخرى مغناة أيضاً أبدعها الشاعر المغترب خميس سالم الكندي، علاوة على نصوص للزبيري والبرودني قاربت موضوع الغربة بوصفه جزءًا من اختلال بنيوي سياسي يطال حياة اليمنيين على مر العصور

***

ثلاثة مواضيع أخرى تشكل صلب الكتاب، لأنها تنطلق انطلاقاً أكثر صميمية من قضايا المقترق، وهي قضايا تعدّ الكتابة فيها ملحة وضرورية، بل إنها بمثابة الشهادة على العصر، وطريقة اشتغال الكاتب عليها يؤكد على ما عرف عنه خلال العقدين الماضيين من انغماس في هموم المشهد الثقافي، لكن من زاوية تخصه ووجهة نظر يدأب على تقديم نفسه من خلالها كاتباً يرفض أن يكون جزءً من القطيع، كما أنها من جهة أخرى تعبر عن التصاقه بمستجدات الحياة الثقافية في مجرياتها المتلاحقة، وانهماكه هو في تلك المجريات.

لقد كان صالح البيضاني من أوائل الكتاب اليمنيين الذين تماهوا في عوالم الشبكة العنكبوتية، وارتبطوا بفضائها اللا متناهي، وتقديم اشتغاله هنا في موضوع "الثقافة العربية على الشبكة العنكبوتية" كما نشر أول مرة قبل أكثر من عشر سنوات له أهمية توثيقية لجهة جهود الكاتب المبكرة في الترويج لعوالم هذه الشبكة، وعمله على خدمة المشهد الثقافي اليمني من خلال ما كان ينشره عبرها، ومن خلال مواقعه الشخصية والاخبارية التي كانت من أكثر المواقع فاعلية في هذا المجال، ثم هناك أهمية توثيقية أخرى لجهة المثاقفات التي كانت تحتدم حول وسيلة المعرفة الجديدة، واستشراف آفاق تطورها وهو تطور تصعب ملاحقته، ويستحيل تتبع انهماراته، والمفارقة هنا أن تسارعه جعل مثل هذا الموضوع يبدو قديماً قد تجاوزته القفزات المتسارعة.

ويوضح العنوان الفرعي "اللحاق بالمستقبل على ظهر سلحفاة" الوجع الذي كان الكاتب يشعر به آنذاك نتيجة ما كان يراه من تخلف في بنية خدمة الانترنت في البلدان العربية، من حيث الجانب المؤسسي، وتخلف الوعي بها وبأهميتها من جهة المواطنين عموماً بسبب الفقر، وارتفاع نسبة الأمية، وتخلف مواكبة المثقفين والمتعلمين لها وهم الشريحة المقصودة بالخطاب في كتابته، "فمواقع المؤسسات الثقافية العربية في الغالب لم يطرأ عليها أي تغيير منذ سنوات، وفيما عدا التعريف بالمؤسسة وأهدافها وبعض أنشطتها، لا نجد الغزارة المعلوماتية المنتظرة من هذه المؤسسات" وذلك أيضاً "ما يمكن قوله عندما نشاهد أن أبرز رموز وأعلام الأدب والثقافة العربية غائبة عن الانترنت، على الرغم من أن معظم أدباء العالم، وحتى الشباب منهم، يمكن الحصول على معلومات وافية عنهم من خلال الشبكة المعلوماتية التي تضج بالمعلومات عن أدباء العالم، فيما لا يمكن أن نعثر على المعلومات عن عمالقة الأدب العربي، على الرغم من وجود استثناءات متواضعة في ما يخص بعض الأدباء والمهتمين الذين يحاولون إنشاء مواقع متواضعة لا تتناسب مع حجم وانجازات أعلام العرب الأدبية".

غير أن النقاش يتجاوز هذا الهم إلى هم آخر يتعلق بالكتاب في زمن الإنترنت، وانتشار التخوفات قبل منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة حول مستقبل الكتاب، وخطر اختفائه وظهور الكتاب الإلكتروني بديلاً عنه، وقتها كان النقاش يدور وكأنه نقاش عن أشياء خيالية، فما حدث خلال السنوات التالية تجاوز تطلعات أكثر الناس فرحاً بالشبكة العنكبوتية وترويجاً لخيراتها القادمة، ولقد أثبتت هيجانات الشوارع عام 2011 مقدار التأثير الذي أحدثته مواقع التواصل الاجتماعي التي انتقلت من هوايات التعارف وغرف الدردشة إلى تغيير الأنظمة وعصف الثورات وتأجيج الحروب.

لقد ربطت الشبكة العنكبوتية معظم الكتاب بلوحات المفاتيح على الكمبيوتر وشاشات الهواتف، وصار مألوفاً أن نجد كتّاباً محترفين لم يشتروا قلماً أو دفتراً أو كتاباً ورقياً منذ سنين، هكذا أضحت التساؤلات الأكثر إلحاحاً قبل عشر سنوات ونيف تبدو اليوم بسيطة ومسكينة، ومحدودة التطلعات رغم ما كان يرُى فيها من تهويل ومبالغة آنذاك، لذلك ستبدو اشتغالات البيضاني هنا وثيقة تاريخية تدعو إلى التأمل فهي بمقياس القدماء لم تكتب منذ عقد ونيف لكنها كتبت منذ مئات السنين.

ثمة موضوع آخر يبدو قوي الصلة بموضوع الشبكة العنكبوتية، هو موضوع الحداثة ومستقبل الكتاب، وفيه يناقش الكاتب قضية الحداثة بوصفها قطيعة تامة مع الماضي بما يحملة من تراث فكري وثقافي وأدبي، تأسيساً على تعريف الحداثة من قبل أساطينها ومروجيها في الغرب، والبيضاني يربط رغبة الحداثة في القطيعة مع الماضي بتوجهات الشبكة العنكبوتية لإحلال الكتاب الكتروني بديلاً للكتاب الذي صار حتمياً ذهابه إلى أرفف المتاحف شأنه شأن إنجازات المعرفة المتمثلة في النقوش والألواح والجلود التي سبقت أزمنة الورق، سيبدو هذا العنوان وما تحتة ارتداداً من الكاتب عما طرحه تحت عنوان "الثقافة العربية على الشبكة العنكبوتية" لكنه في حقيقته دوران حول الموضوع، وتساؤلات نابعة من وحي اللحظة في تلك الأيام توثق لمثاقفاتها واهتمامات المشتغلين بهذا الهم حينها.

ويرتبط بهذه المواضيع موضوع آخر الكاتب نفسه أحد المعنيين به على نحو خاص، أعني اشتغال الأدباء بالصحافة، وهو يتناوله كموضوع إشكالي حيث يعتقد البعض أن الأديب الموهوب حين يشتغل بالصحافة يتعرض لإحدى جنايتين إما أن تجفف الصحافة موهبتة وتسطّح أسلوبه وأما أن تشغل - على الأقل وقته – وتسرق عمره وتقلل من مستوى قدرته على الإخلاص للأدب والإنجاز فيه.

والمؤلف رغم كونه أحد المعنيين بهذا الموضوع كأديب يشتغل بالصحافة والعمل الاعلامي، إلا إنه قاربه من نفس المنطلق الذي انطلق منه لمقاربة موضوعات الكتاب الأخرى، أعني الرغبة في توثيق اللحظة وتقديم شهادة ساخنة عليها، فقد كتب الموضوع في فترة اتجه فيها عدد كبير من أبناء جيله قبل عقد ونصف العقد إلى الكتابة الصحفية، وكنت واحداً ممن أسفوا لذلك فقد توقفت بسبب تلك الانعطافة مشاريع شعرية وسردية ونقدية مهمة، صحيح أن تلك الأسماء أضافت للغة الصحافة فجمّلتها، وحسنت نوعياً مستوي تلقيها وقراءتها، لكنها أغرقت أولئك الكتاب بفعل ظروف المرحلة التي تمر بها اليمن في الكتابات المطلبية والسجالات السياسية الآنية التي ينتهي مفعولها بانتهاء زمنها.

يضرب الكاتب مثلاً ببلدان مثل إسبانيا تترسخ فيها تقاليد اشتغال الأدباء بالعمل الصحفي كجزء من تقاليد الكتابة هناك، كما يضرب مثلاً بمصر وكتابها، إلا إنه لا بد من التنويه إلى ثلاث سمات تتصل باشتغال الأدباء في الصحافة أولها أنه ليس كل أديب قادر على حماية عالمه الإبداعي من طغيان الصحافة، والقادرون على ذلك استثناءات، وثانيها أن هناك فارقا بين ممارسة التحرير الصحفي وكتابة المقالات السياسية أو التحقيقات وما شابهها للصحيفة من بعيد، وثالثها سقوط معظم ما ينتجه الكتاب حتى الكبار منهم في السياسة بتقادم الزمن. يذكر رجاء النقاش في كتابه "العقاد بين اليمين واليسار" أن له حوالي خمسة عشر ألفاً من المقالات السياسية التي لم تنشر بين دفتي كتاب.

طبعاً هذه مجرد إطلالات سريعة على محتويات الكتاب هي طُعْمَةٌ مما فيه فحسب، فأنا أهنا أكتب لأبشر بالكتاب وأحتفي به لا لأحرق محتواه.

بقي أن أقول إن الكاتب يضيف بهذا الكتاب إلى منجزه الإبداعي والأدبي السابق، فهذا كتابه الثامن بعد سبعة كتب توالت على مدار ثمانية عشر عاماً مضت من تجربة مميزة بسماتها واستقلالية اشتغالاتها، سواء ما قدمه منها في باب السرد والمتمثل في مجموعاته القصصية الأربع "أحلام ما قبل الطماطم، ظلال ذاكرة تتدحرح، يوميات المدينة ومحاولة أخيرة للحلم"، أو ما قدمه في كتابيه "أقلام وهراوات وكتاب المقالح " أو في عمله التوثيقي "دليل كتّاب القصة والرواية اليمنيين".

كما بقي أن أقول إنني أدين لصديقي الكاتب صالح البيضاني بمتعة حقيقية قضيتها مع كتابه الذي لا تتوقف روعته عند لغته ورشاقة أسلوبه وحسن استقصاءاته، بل إلى كونه قد نشّط ذاكرتي وأعادني إلى لحظات حميمية في العمر والتجربة، وأنا ممتن له أيضاً كونه راعى نوعية الكتاب ونوعية مواضيعه فاكتفى بالإشارة إلى مصادره ومراجعه داخل المتن ولم يثقل الكتاب بالهوامش والإحالات.

شاعر وباحث يمني