إلغاء الدولة في ظل ولاية الفقيه

في حالة العراق الحشد الشعبي ورجال الدين بدلا عن الجيش والدولة

إن الدولة كيان اعتباري، تختلف هيكليتها في العصر الراهن عن ما كانت عليها في الماضي البعيد، حين ابتكرها الإنسان في مرحلة من مراحل تطوره الإيجابي في دورة الحياة عبر التاريخ البشري وذلك لتنظيم متطلبات الحياة التي تظهر إلى الوجود مع انتقال الإنسان من عصر إلى آخر، ولا ندري ماذا سيبتكر هذا المخلوق العاقل الذي عركته الحياة بعقله الجبار في مسيرة حياته الطويلة نحو التكامل المعرفي من منظومة مجتمعية ينظم بها مقتضيات حياته اليومية بطريقة حضارية راقية للنمو والبقاء على هذا الكوكب الدوار.

فيما يتعلق الأمر ببلدان الشرق، لا يخفى على أحد أنها متأخرة عن الغرب بقرون عديدة في كل شيء، وفي كل المجالات، فلذا أن نمط الحياة السائد الآن في المجتمعات الشرقية شبيهة إلى حد كبير بالحياة التي كانت شائعة في الغرب المسيحي إبان حكم الكنيسة قبل عدة قرون، لذلك نرى في بعض بلدان الشرق لا زالت تحكمه رجال الدين أو أحزاباً طائفية مرتبطة ايضاً برجال الدين سراً أو علناً واختارت لها أسماءاً وألقاباً براقة كـ: آية الله، وحجة الإسلام، والإمام الأكبر، والشيخ، والسيد، والملا، والحزب الفلاني الإسلامي الخ.

في هذه الممثالة سنضع أمام القارئ الكريم كيف أن معاول هدم الدولة ومؤسساتها تحملها رجال الدين بأيديها، أو من خلال الأحزاب الإسلامية التي تسبح في فلكها، وخير مثال الجمهورية الإسلامية في إيران، حيث تجد فيها منصباً أعلى من منصب رئيس الجمهورية إلا وهو المرشد- المعروف باسم الولي الفقيه، وهو مطلق اليد؟ ويشغله الآن السيد علي خامنئي.

إن هذا المنصب الفريد في العالم هو المعول الأول لهدم الدولة، حيث أن رئيس الجمهورية يأتي بالمرتبة الثانية في سلم الوظيفي في هيكلية الدولة! رغم أن نظام الحكم في الدولة اسمه الجمهورية الإسلامية، وقانوناً يجب أن يرأسها من يحمل اسم رئيس لهذه الجمهورية، أي الرجل الأول في الدولة؟ إلا أن في إيران في ظل سلطة ولاية الفقيه حسبما جاءت في الدستور الإيراني في المادة (57) أن جميع مؤسسات الدولة التنفيذية والقضائية والتشريعية تخضع للولي الفقيه مطلق اليد.

على أية حال، أن معلم آخر من معالم إلغاء الدولة تحت حكم رجال الدين هو مايسمى في إيران بـ”مجلس الخبراء” الذي يقف نداً للبرلمان، الذي يسمى مجلس الشورى في إيران ويستطيع مجلس الخبراء إلغاء كافة القوانين والقرارات التي يصدرها ما يسمون بنواب الشعب. بالمناسبة أن مصطلح الشورى الذي يتشدقون به ليس كالديمقراطية التي يزعمها بعض الإسلاميين، أن الشورى محصورة بين الإسلاميين فقط، لا يستطيع الشيوعي والليبرالي واللاديني والملحد أن يشترك في الشورى لأنها كما تقول الآية: وأمرهم شورى بينهم؟. وأسسوا جهاز آخر من تلك الأجهزة التي تلغي مؤسسات الدولة هي اللجان الثورية (كوميتة) أنها تقوم بمهام الشرطة وسلطاتها تفوق سلطات الشرطة بل يستجوبوا حتى أفراد الشرطة بدءاً من مديرها العام نزولاً إلى الشرطي المحلي البسيط.

وأسسوا أيضاً محاكم الشرع، ومحاكم الثورة وهي تقوم بما قامت بها المحاكم المدنية والجنائية. وابتكروا منصباً يفوق في صلاحياته ما منح قانوناً للمحافظ إلا وهو إمام الجمعة وسلطاته كما أسلفت تفوق السلطات الممنوحة للمحافظ؟!. حتى على مستوى الحي، قلصوا دور المختار حين شكلوا ما يسمى بمجالس المساجد التي لها دوراً أمنياً أيضاً. ومنحوا الثقافة إجازة مفتوحة حين ألغوا وزارة الثقافة، واستحدثوا بدل عنها وزارة باسم الإرشاد الإسلامي؟. إن مصطلح الإرشاد يذكرني بـ”محمد حسنين هيكل” عندما صار وزيراً للإرشاد القومي في مصر في عهد جمال عبد الناصر، لكن بعد مرور عدة عقود على تركه لهذا المنصب العنصري صرح ذات مرة في إحدى قنوات التلفزة قائلاً: بعد تبوئي لهذا المنصب.

هكذا السلطة الشيعية في هذه الحقبة الظلماء في الكيان العراقي التي بدأت منذ الوهلة الأولى لتربع أحزابها على دست السلطة باستنساخ نظام الحكم الإيراني. في البدء منعت السلطة المذهبية في بغداد بيع الخمور، لكنها صارت تغض الطرف عن بيع المخدرات التي باتت تغزو العراق!. واستغلت الأحزاب الشيعية احتلال داعش لموصل وقامت بتأسيس ميليشيا طائفية باسم الحشد الشعبي حتى تأخذ دور الجيش العراقي الذي أهمل نهائياً على أيدي هؤلاء الأعاجم بلا شك سيصبح وجوده في قادم الأيام شكلياً كما هو حال الجيش في إيران الإسلامية. وبدل العلم العراقي ترفع هذه الميلشيات.. الأعلام الطائفية من أخضر وأحمر واصفر وأسود!! هنا نتساءل، أهذا سلوك دولة؟

محمد مندلاوي

كاتب عراقي

ملخص مقال: "وسيلة إلغاء الدولة في ظل ولاية الفقيه والأحزاب الإسلامية بسنتها وشيعتها"