بين سندان الإرهاب ومطرقته

حين يحل الحشد الشعبي محل تنظيم داعش، ما الذي فعلناه إذاً؟

من المؤكد ن هناك مَن يرى الأمور بطريقة مختلفة. ولكن تلك الطريقة تقود إلى معان لا تستقيم مع حقيقة أن الإرهاب في جوهره وتجلياته لا يحتاج إلى إعادة تعريف انسجاما مع مصالح هذه الفئة أو تلك.

ترويع المدنيين وإشاعة روح التمييز بينهم وبث أفكار الكراهية وصولا إلى استعمال العنف ضدهم من غير غطاء قانوني يحترم أصول وقواعد المواطنة هو إرهاب.

وهذا ما قام به تنظيم داعش وما دأب الحشد الشعبي على ممارسته في المدن العراقية التي نكبت بسياسات العزل الطائفي ولا يزال سكانها في حيرة من أمرهم من جهة عجزهم وهم العزل عن تقديم براءة ذمة مما جرى لهم ومن حولهم من وقائع، لم يخترعوها بقدر ما نسبت إليهم جورا وبهتانا.

الحشد الشعبي الذي هو قوة طائفية مسلحة هو في حقيقته نوع من عقاب جماعي لمجموعات بشرية كان ذنبها الوحيد أنها سُلمت إلى عقاب جماعي هو الآخر، كان عنوانه "داعش".

في كلا الحالتين هناك غطاء عقائدي مهترئ يشف عن نزعة متوحشة للانتقام من ضحايا تُركوا في العراء من غير غطاء وطني.

وكما يبدو فإن مشكلة تلك المدن التي صار العنف قدرها تكمن في أن الحكومة العراقية لا تتعامل مع سكانها باعتبارهم مواطنين عراقيين هم أهل للثقة، وهم أصل الثقة التي ينبغي على تلك الحكومة أن تضعها معيارا لقيامها بواجباتها.

تلك العلاقة غير المتوازنة وغير السوية هي أساس ذلك العمى الطائفي الذي أصاب الحكومة وهي لا ترى حلا لمشكلات ملايين العراقيين ممن وقعوا بين سندان الإرهاب ومطرقته.

إن تجريم ملايين البشر بذريعة محاربة الإرهاب هو إرهاب تزينه شعارات مضللة، هي جزء من دعاية يمارسها القوي في حق الضعيف. وهو ما يعني أن الحكومة العراقية تدعم إرهابا ضد المدنيين من أجل القضاء على إرهاب تعتقد أنه موجه ضدها وضد مجموعات بشرية تعهدت بحمايتها.

بما لا يقبل الشك أن الحكومة العراقية ليست عاجزة عن حل المشكلات التي ترتبت من جراء دخول داعش على خط الأزمة العراقية باعتباره عنصرا غربيا بل هي ترفض وبشكل قاطع ألا يكون داعش طرفا في مرجعياتها التي تحكم نظرتها إلى المدن ذات الأغلبية السنية وسكانها.

وهو ما يعزز من وجود الحشد الشعبي بديلا لداعش في تلك المناطق.

غير أن ما هو متغير على الأرض لا يمكن ضبطه دائما من خلال المواقف المسبقة، وهو ما يدفع بأطراف متنازعة داخل العملية السياسية إلى أن تتخذ مواقف محكومة بطريقة النظر إلى الحشد الشعبي وطبيعة علاقته بمصير العراق بلدا موحدا.

هناك مَن يرى أن ضبط المناطق الفالتة لا يمكن أن يتم إلا من خلال لتقنيات التي يتبعها الحشد باعتباره منظمة فالتة وغير خاضعة للدولة إلا صوريا. في المقابل هناك مَن يستبعد حصول تطور في العملية السياسية في مرحلة ما بعد انهيار الكتلة السنية التقليدية ما دامت تلك المناطق خاضعة لمنطق الفوضى الذي يحكم حركة ميليشيات طائفية قُدر لها أن تفرض بقوة السلاح هيمنتها على مصائر بشر، تعتبرهم أعداء عقائديين لها.

ولأن أحدا من الطرفين لا ينوي الاصطدام بالآخر لأسباب انتهازية تتعلق بتلاقي المصالح وتداخلها فإن مصير الملايين من العراقيين سيبقى معلقا في ظل صمت دولي، تبدو الولايات المتحدة وهي راعية العملية السياسية في العراق مسؤولة عنه بشكل أو بآخر.

ولكن صمت السياسيين العراقيين مدعوما بصمت العالم لا يمكن أن يغطي على صرخة الم، يمكن أن تنبعث لأسباب إنسانية متخطية حواجز التسويات السياسية. يومها سيكون العراق قد انزلق فعلا إلى هاوية التقسيم. وهو ما سيكون الأكراد عنصرا فاعلا فيه نظرا لما أصابهم من خذلان في المرحلة الأخيرة.

ما لا يتوقع أحد أن تقوى الحكومة العراقية على معالجته يتركز في فكرتها الفقيرة عن محاربة الإرهاب بالإرهاب.