جِدّة الأنساق الثقافيّة في قصص يعقوب الشاروني

البداية مع قطعة شيكولاته

في إحدى أمسيات مختبر السرديات بمكتبة الإسكندريّة، تمّ الاحتفاء بالكاتب الكبير يعقوب الشاروني، سيرته وأعماله، ومن بين المتحدّثات كرّرت هبة عبدالفتاح تعبير "بابا البجعة" مرات عدّيدة مبديّة إعجابها بقصة مرمر وبابا البجعة، التى انتصر الشاروني عبرها لأبوة البشر للطيور الضعيفة، وذلك عندما قدّم شخصية عمّ فتحي مُسَخِّرًا نفسه لبضع سنوات من أجل إطعام بجعة قضم التمساح منقارها، بعدما حاولت انتزاع حريتها والتحليق خارج الحاجز لتحطّ فى بحيرته، وكأنـّي فهمت حينذاك أنّ المتحدّثة هبة قصدت تسميّة الأستاذ الشاروني بـ: بابا البجعة.

وعلى الرغم من إتقان الرسّام لصور ولوحات تلك القصّة، إلا أنني أضمرت له ملامةً عندما بحثت عن ملامح مشتركة بين صورة العم فتحي ووجه يعقوب الشاروني السمح، فلم أجدها، لمته لأنّ هذه الفيوض الإنسانيّة التي تغمر ملامح وجه الشاروني، لا بدّ من انعكاسها في قصصه الطفليّة، في ملامح أبطالها الأخيار والمحبّين والشجعان، عندما كان طفلاً وفي شبابه وكهولته وشيخوخته.

ويتساءل المرء: ألا يستحق الشاروني ألقابًا تتعلق بموضوعات قصصه؟ وما الضير من مناداته بـ: بابا البجعة؟ ألا يستحقّه؟ لقد أشبعت قصص الشاروني التى تجاوزت الأربعمئة بمنظومة القيم الإنسانية من النواحي السياسية، فعالج مشكلات العدالة، الحرية، المساواة. والاجتماعيّة التي تحضّ على احترام الأسرة والتسامح والتكافل والمسؤولية المجتمعيّة تجاه المشكلات النفسيّة مثل قصة "منيرة وقطتها شمسة". والاقتصاديّة مثل: تقديس العمل والحفاظ على الثروة. والثقافيّة التي رسّخ لدى من يتلقى أعماله تكريم العلم والبحث عن أسباب المعرفة والإبداع ومواكبة العلوم العصرية، إضافة إلى معالجته للقيم الوطنية، كقصتى "النصر أو الشهادة" و"رفعنا العلم"، والقيم الجسدية والصحية.

ولعلّ انتصاره لمشكلة المرأة وللأنوثة، ولجيل التكنولوجيا الرقميّة الذي رأى في أطفاله مخلّصين لعذابات بشرٍ خاضعين لمجتمع أبوي بطريركي، مَيَّز أعماله وقصصه، وبذلك، لم يعد الشاروني بابا البجعة فحسب، بل صار يستحق أن يلقّب بابا فتحي، وبابا رادوبيس، وبابا قطر الندى، وبابا حسناء، وبابا الطفولة المهملة، وبابا الأنوثة المعذّبة، وبابا آلام البشر وآمالهم، ... وبابا الطفل عاصم ابن العشر سنوات التوّاق للمعرفة، وسط مشكلات خاضها في قصة "صندوق نعمة ربنا"، فدلّ من خلالها إلى قيم المجتمع الأبوي المهيمن على أمّ عاصم والقيمين على تربيته في بيته ومدرسته، أكانوا ذكورًا أم إناثـًا.

عاصم طفل ينتج أفكارًا خلاّقة، فمن قراءته لقصة الأميرة والأقزام تخيّل موقفًا تمثيليًّا جسّده على رفيقه في الفصل الدراسي، إذ صبّ صلصلة حمراء ودلقها على رأسه، ثم استبدل كراريس التلاميذ بغية أن يصححوا دفاتر بعضهم، لأنّه لاحظ أن مدرّس الرياضيات لا يصحّح دفاترهم. وفي موقف ثالث كتب درس القراءة مرّة وصوّره بورق الكربون ليتمّم عشر نسخ طلبها مدرّس اللغة العربية من تلاميذه على سبيل العقوبة، في كلّ الحالات كان عاصم هو "سبب المشاكل" بحسب تعبير أمّه التي تشدّ بشعرها غيظًا منه، وكانت عقوبات الإدارة والمدرسين القاسيّة تنهال عليه. لكنّ المديرة، المرأة، أدركت أخيرًا بحسّها الأنثوى قيمة ما يفكّر به عاصم وعالجته بأن طلبت منه الإشراف على جمع فتات الخبز وبقايا المأكولات في صندوق حفظ النعمة، فنجح نجاحًا باهرًا بتنظيف فناء المدرسة، وانعكس حوار المديرة، الأنثى، مع عاصم، الطفل، على نشاطه التعليمي، وأضحى طبيبًا لامعًا.

توجّه الشاروني بقصة صندوق نعمة ربنا، وبمعظم قصصه، إلى لأطفال وأربابهم بذات الوقت، لأنـّه أدرك أنّ مواطن الخلل متغلغلة في بيئة المربّين المجتمعيّة، وليس في براءة الطفولة، لذلك يدفع بشخوص قصصه ليكونوا القدوة حينًا، كما أراد من شخصية مديرة عاصم.

وفي قصة "البداية مع قطعة شيكولاته" أظهر الشاروني موقف والد طفلٍ شجّع صديق ابنه الفقير منذ طفولته بإعطائه قطعة شوكولا مكافأة لتركيبه شكلاً فنيًّا من المكعبات البلاستيكية، فكانت حافزًا له ليصير فنانًا مشهورًا. وفى ذات الكتاب، يعقبها بقصة "قليل من الراحة فوق السلالم"، ليقدّم نماذج من الكبار يؤذون طفلاً، بدءًا من أمّه التي تخرجه من المدرسة ليشتغل لدى بقّال، ومرورًا بنماذج من أصحاب الشقق القساة الذين لا يقدّرون تعبه، ويعتدون عليه بالضرب، وحراس البنايات الذين يمنعونه من استخدام المصاعد، وليس انتهاء بالبقال الجشع الذى يصفعه ويحرمه من أجره الذي يكون سببًا لعقاب أمّه له، أيضًا، لأنـّه يضيّع نقوده، ثمّ يُبقي الشاروني الطفل فتحي عرضة لحلمه بالاطلاع على كتاب من الكتب التي لمحها بإحدى الشقق التي أوصل إليها طلبًا من البقالة.

إنّ انتصار الشاروني لروح الأنوثة التي أفعم بها قصصه، تومئ إلى انتصاره للجانب الأنثوي في حياة المجتمع، ويعزّز رؤيته بتمكين الذكور من معظم أفعال الشرور في أحداثها، كما أنـّه لا يُخفى حنينه لطفولته، حنينه لحكايات أخواته وجدّته الموجّهة للإلفة والمحبة والسلام، حتّى تغلغلت أنساقًا خيّرة في أفعال شخوص قصصه. وبالمقابل غاب عن قصصه عالم حكواتي المقاهي، الذي يحكي سير البطولات المبنية على التعصّب للقبيلة أو الطائفة، وانصهار الفرد في بنيتهما المتسمتين بالانغلاق وبثّ الأحقاد وكراهيّة الآخر والافتخار بالذات الجمعيّة. وبذلك فقد وظّف الشاروني حكاياته بما يخدم عالم الطفولة البريئة، وأقصى عنها سير الفحولة الذكورية، التي لا تؤدي إلا إلى مزيدٍ من طاقات الغضب المَرَضية.

في كلّ قصص الشاروني التى أتيح لي الاطلاع عليها، لم أجد فيها توجهًا يُشجّع على العنف أو على تفوّق الذكورية، إلاّ بالمقدار الذي تتعارض مع أفعال أنثوية أو طفليّة، بهدف الكشف عن جوهرهم الإنساني، ففي رواية "سر ملكة الملوك يقدّم الكاتب الملكة حتشبسوت، الشخصية التاريخية التي قادت شعبًا منذ آلاف السنين. ثمّ يقدّم "حسناء" ذات الإرادة الصلبة بمواجهة الصعاب، وغضب الطبيعة في قصة "حسناء والثعبان الملكي". ويعالج في مسرحيته "أبطال بلدنا" شخصية قطر الندى الشابّة المصريّة التي خطفها الفرنسيون، ثمّ قدّمت حياتها قربانًا لحريتها ووطنها على يد جندي فرنسي عندما حاولت الفرار من الأسر سباحة بالنيل. وينتصر لرادوبيس الفتاة التي اختلط دمها المصري بالدم اليوناني، سندريلا المصريين القدماء، في "حكاية رادوبيس"، التي بهرت ملك مصر برجاحة عقلها وحدّة ذكائها وعُمق حكمتها ورقّة مشاعرها نحو كل مخلوق، فاختارها زوجة له. وللجدّة في "سرّ الجدّة" و"معركة طبيب" التي يستشيرها رجال القرية لتدلّهم على دروب ليتجاوزا محنهم ومشاكلهم. ويخلّص حكاية الأميرة حياة النفوس من أسطرتها في روايته "طيور الأحلام"، ليُظهر عقلانية المرأة وواقعيتها أمام الحماقات الذكوريّة. ويقدّم نماذج نسويّة فاعلة فى "أسرار بيت الطالبات"، وفي " مرمر ودواء ماما" يُظهر براعة الطفلة عندما تـُمنـَح الثقة من أمّها.

وفي "كنز جزيرة عروس البحر" يقدّم "سماح" الابنة التوّاقة لدخول مغامرة المعرفة، فتدلّ أباها عالِم الآثار على موقع السفينة الغارقة. ثمّ يعالج شخصية ريم التي تضاهي أخاها في أثناء مغامرة فضائيّة، وذلك في روايته "سفن الأشياء الممنوعة"، يحكي الشاروني قصته كمن يعيش بالمستقبل، وهو يقدّم فتاة وشابًّا صغيرين يعيشان خارج أطر المجتمع الأبوي الذكوري، يصورهما أنموذجين للشباب المتطلع إلى حياة مغايرة لأحوال التخلّف والقهر.

فس قصة "الأبناء لهم أجنحة" ينتصر للطفولة التي تلاقي حيفًا من الكبار وظلمًا، ويجعل من الطفل منقذًا لمشروع زوجة العم، التي أضمرت له نفورًا غير مبرّر، وذلك بإصلاحه الكمبيوتر ثمّ تقويم حسابها المصرفي.

وفي قصة الأمير الجبان يكشف عن تخفّي أميرة بزي الرجال لقيادة الجيش، ليؤكّد تفوقها على الرجال.

رواية أخرى موجّهة لسنّ الفتوّة، يبدأها الشاروني بإشاعة النسق الثوري الذي تحمله الرواية بدءًا من عنوانها، "ثورة في بيت الأسد"، عنوان لا لبس فيه في فهم مقاصد الكاتب، ثورة أمهات على أنانية الأسد الذي كرّس تقاليد باليّة تمنع كائنًا من كان مساعدة حامى قبيلة الأسود، فتثور اللبؤة - الأنثى - المرأة – الأم، وتشجّع الأخريات على التّوحّد لمواجهة المعتدي، وعند الشروع بالتحرّك تحفّز أشبال – شباب - صغار الأُسُود، فتبدأ الثورة ضدّ سلوك الزعيم القهري وضد التقاليد وضد التفتت، إنـّها دعوة للاعتماد على الأنوثة أولاً، عين عقل أطفال وأشبال الجماعة، وتشجيعهم للشروع بالثورة على المتسلّط.

إنّ انتصار الشاروني للأطفال طاغٍ على عالمه القصصى، فها هو ذا حسين يمسك باللصوص بعد إدراكه عدم وجود عفاريت في قصة "عفاريت نصف الليل"، ليثبت فساد التفكير الخُرافي.

وفي قصة "أبناء فى العاصفة" ينقل الحكمة من الكبار، المتنافسين لدرجة المرض، إلى الطفلين اللذين استطاعا حلّ مشاكل أبويهما، وأصلحا حالهما، فينذهل الكبار أمام معارف جيل الصغار.

إنّ هذا التوجّه الاجتماعي في قصص الشاروني منحه ريادة أدب الأطفال بمحطة مغايرة لريادة كامل الكيلاني، الذي عالج بقصصه الطفليّة موضوعات مستمدّة من التراث الشعبي والأسطورة والميتا تاريخ، بينما الشاروني انتزع ريادته المستمدّة من أفقه التربوى المجتمعي، فاضحًا العيوب النسقيّة في بيئة المجتمع، مؤسّسًا لأنساق ثقافية وقيم مجتمعية جديدة.

لم يقف الشاروني عند حدّ معيّن، أو ينغلق على ثقافة محددة، بل انفتحت قصصه على الثقافات الأخرى، وتضمنت الحوارية والتعددية الثقافية، وظلّ يتجدّد مع متغيّرات الحياة المعاصرة حتى يومنا الراهن.

وكما هو معلوم فقد فاز يعقوب الشاروني عام 2016، بمرتبة الشرف الأولى العالميّة، لاختياره واحدًا من أفضل كُـتّاب العالم في أدب الأطفال، وذلك عن روايته "ليلة النّار" من "المنظمة العالمية لكتب الأطفال" بسويسرا، التي أكّد فيها انتصاره لجيل الأطفال، الجيل الأكثر قدرةً على أن يكون فاعلاً في محيطه.

في ليلة النّار قدّم الشاروني الفتى النبيه وأخته ياسمين على حيرة من فوضى حريق سوق حيّهم، وعلى استياء من الأخطاء التي يكرّر الكبار ارتكابها، فما كان منهما إلاّ أن شرعا بإنتاج الأفكار عندما التهمت النار السوق برمته، فقدّما الحلول الناجعة لمشاكل الكبار ابتداء من إطفاء الحريق، ثمّ بكيفية إعادة بناء المحلات التجارية بالطوب، وليس انتهاء بتحفيز الأب للتنازل عن وثيقة ملكية للأرض التي بُنِى عليها السوق لمصلحة أبناء الحي.

خلّص الشاروني قصص الأطفال من الميتا تاريخ والأسطرة وحكايات الخُرافة، ودفع أدب الطفولة على درب معالجة تيمات اجتماعيّة، كاشفًا خطورة عيوب المجتمع التسلّطي الذكوري العربي، وداعيًّا للتفكير العلمي في مواجهة التفكير الخُرافي، بأسلوب مشوّق واضح، وقد جعل معظم أبطال قصصه مِن الإيجابيين، أطفالاً أو نساء، وحفّزهم على الولوج في مغامرة المعرفة، لتعينهم على انتزاع حقوقهم وامتلاك مصائرهم بأيديهم، كما قدّمهم الأكثر قدرة على تقديم الحلول، والأكثر فعالية في مواقف حياتية تنمّ عن مشاكل يعيشها مجتمعهم.

استقى الشاروني من مخيال الذاكرة الجمعية كثيرًا من قصصه، وحرص على صبغها بروح العصر، وعلى تحميلها دلالات عن مشكلات مجتمع مؤسّس على تاريخ القهر القروسطي، وبذلك عالج معظم أهداف الطفولة السلوكيّة المندرجة على سلمّ القيم المعرفية والجماليّة، منها المتعلّقة بالوطن والتربية والأخلاق الرفيعة، وأخرى بالعلم والعمل والبيئة والفقر ورعاية المواهب وغيرها، وبناء على ذلك حصل الشاروني عام 2002 على جائزة الآفاق الجديدة من معرض بولونيا الدولي بإيطاليا عن كتابه "أجمل الحكايات الشعبية"، لأفضل كتاب للطفل على مستوى العالم.

أمـّا تقديمه لجيل التكنولوجيا الرقمية على الأجيال السابقة، فهو سبق يسجّـل لهذا الكاتب الفذّ، الذي تنبّه إلى تَفَوُّق جيل المهام المتعددة والمعارف المتنوعة والأفكار المتجددة، جيل الذات الفاعلة بمواجهة طغيان المجتمع والدولة على الفرد، الجيل الساعي على درب خلق أنساق ثقافيّة جديدة، يجد القارئ صداها في قصصه الأخيرة، على ما أسلفنا، " كأبناء في العاصفة" و"ليلة النار" و"أسرار بيت الطالبات" و"مرمر" وغيرها.

أقلقت الشاروني العيوب النسقية المتغلغلة في بنية المجتمع، فَقَدَّم أنماطًا ثقافيّة دالّة على رغبته في بناء المستقبل، هذا من سمات أسلوب التأليف لديه، حتّى لو عالج قصصًا تراثيّة، فهو يُسْقِط أحداثها على مشكلات الواقع المعيش ، متطلعًا نحو الأمام دومًا، راسمًا دروب وعي جديدة، مهملاً إيقاظ قيم الماضى ومعارفه في نصوصه إلاّ بالمقدار الذي يخدم المستقبل، وهذا ما يتناسب مع أبناء الجيل المعاصر الذين لا يطيقون عادتي الانتظار والبطء بصفتهما تدلاّن على الحكمة والوقار في عرف الأجيال السابقة وثقافتها.

وهكذا تجد أبطال قصصه سريعي الإيقاع في حياتهم، ففي قصة "ليلة النّار" مثلاً نجد النصّ مفعمًا بالألفاظ والتراكيب الدالّة على السرعة التي استخدمها السارد الفتى مختار، ومنها: (قفزت، اندفعت، تتلفّت حولها باضطراب، تجرى، أسرعت، توالى انطلاق...، اندفعنا، نتزاحم، نرتعد، تقفز، قلبي يرتجف)، هذا ما يخصّ السارد الطفل وأخته الأصغر منه ياسمين.

وفي ذات الصفحات من الممكن إحصاء: (يهربون من النار، تعالت صرخات هلعٍ حادّة، صيحات بالدعوة إلى الفرار، اختفت في لحظات موارد الرزق، خفتت الصيحات، الخطر سيداهمهم، امتدّ السوق وازدحم)، وهذه نماذج تخصّ أهل السوق، هذه الشواهد جُمِعَت من أول صفحتين ونصف من صفحات الكتاب، مما يدلّل على استجابة المؤلّف لإيقاع الحياة السريع الذي اختصّ به الأطفال اليافعين.

ثمّ يجد المتابع للنصّ كيف أنّ أهل الحي الكبار يتّسمون بالسلبية والعجز، وهم يتفرجون على النّار من دون أن يحاولوا إطفاءها، مما أغضب السارد الفتى مختار، فاقترح حلولاً تلو الحلول، وأبدى تسارعًا بالتفكير مغايرًا لبلادة الكبار، أدّى بالنتيجة إلى بناء السوق بالطوب الأحمر في ذات ليلة الحريق.

وضّح الشاروني بنصّه هذا أنّ جيل مختار وأخته ياسمين، جيل الطفولة، لا يصبر على المآسى التي تنبع من المشكلات، بل يعجّل بإيجاد حلول يُغَيِّر من واقعها فور وقوعها.

هذا الجيل الذي يلبي الشاروني توقه للوصول إلى إجابات سريعة عن أسئلته في معظم قصصه التي كتبها، أجوبةٌ تلبي آفاق توقّع القارئ وتـُشركه في الجواب، فهو مدرك للتغيرات المذهلة التي يمرّ بها تاريخ البشر. وهذا ليس بمستغرب، فقد كتب قصصه من وحي طاقات الطفولة التي لم تغادر الشاروني أسئلتها ومغامراتها حتّى اللحظة الراهنة، لحظة تسيّده عرش أدب الطفولة العربي، فهو لا يزال يقدّم أسئلته للطفولة، ويحاول الإجابة عنها من موقع الطفل الذي يأبى مغادرة روحه العظيمة الخلاّقة للحب والخير والمعرفة والجمال.

يعالج الشاروني موضوعات قصصه مستندًا إلى خلفية معرفية حافلة، محاولاً مجاراة فتيان الجيل الرقمي الجديد، إذ يستحوذون على معلوماتهم من مناهل ثورة التكنولوجيا الرقميّة التي لا عهد للأجيال السابقة بها. إنّهم يختلفون عن سابقيهم بأدوات الحصول على المعرفة ووسائلها، وبطبيعة المعارف المتداخلة التي تـُكَوِّن قيمهم وتحدّد سلوكهم. هّم يمثلون جيلاً لا يعرف بناء منظومة حياته إلاّ بمقدار ما يهدم مرتكزات الماضى اللاإنسانيّة، فيغيّر السائد من قيم وقواعد وأعراف، تناسبًا مع المتغيرات الدراماتيكية التي تحصل على مدار الساعة في الكون.

ومن موضوعات الشاروني التي قدّمها بشكل مغاير لوعي المجتمع وقيمه، مشكلة الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصّة، التي يتم علاجها التتقليدي من موقع الشفقة على ذوات العاهات.

أما الشاروني فقد قدمهم فاعلين بالمجتمع، بل تزيد مآثرهم وأفضالهم على زملائهم الأصحّاء. ففي "حكاية طارق وعلاء" أرادهما على قدم المساواة، إذ يجد القارئ أنّ طارق الذي يعاني من نطقه غير السليمة، ينعزل في مدرسته، إلاّ أنّ علاء الذي خشىّ منه بداية، صادقه بعد أن شجعته أمّه، وبعد انعقاد الصداقة بين طارق وعلاء يُظهر طاقات مذهلة بالرسم. فقبول طارق في بيئة طبيعية وتشجيع الأهل والمدرسة على تقبل أصحاب الاحتياجات الخاصّة على أنهم أسوياء، والابتعاد عن التعامل معهم من باب الشفقة كأصحاب عاهات، هو الذي قصده الشاروني. كما يقدّم محمود الذي أصيبت قدمه بمرض عضال، يتفوّق على أقرانه الأصحاء الذين توقفوا عن البحث عن سعيد الضائع، عندما أصرّ محمود على البحث ووجده بعد جهد فاق جهود رفاقه.

يثبت هذا أن إبداعه محطّمٌ للتخوم بين الأنواع المعرفية والأجناس الإبداعيّة، مغيّرٌ لمفهوم صراع الأجيال التقليدي، فقد فتّت المراحل العمرية المتعارف عليها لتصبح فعاليات الجيل الواحد متجدّدة، ومغيّرة سماته في كلّ سنة أو أقل، تبعًا لما تقدّمه الثورات العلميّة المعاصرة التي خلقت جيلاً متعدد الأفعال، يقرأ أحدهم كتابًا ويرسل رسالة من جهازه، ويأكل، ويحادث مَن حوله في ذات الوقت، ويتابع النشاطات الرياضية، ويعزف آلات موسيقية، لا يطيق تردّد الكبار وحيرتهم تجاه حل مشكلات عالقة. وصدى هذه الميزات حاضر في معظم نتاج الشاروني القصصي الذي يصلح للكبار، مثلما هو موجّه لسلوك الأطفال، كما أنّ نتاجه على درجة من التنوع على صعيد تيماته وأشكال الخطابات اللغوية والأسلوبيّة المتعددة التي يوظّفها معرفيًّا وجماليًّا.

واكب الشاروني جيل التكنولوجيا الرقمية، وتفاعل مع توجّهات أطفال هذا الجيل واهتماماتهم، وحاول أن يلج مساراتهم بكلّ طاقاته الخلاّقة، ليعي حقيقة عواطفهم المغايرة، ومعارفهم الجديدة التي يستحوذون عليها من مواقع لها صفة العالميّة.

ولعلّه يتكئ بذلك على متابعته للمؤتمرات ومراكز الدراسات والمناهج المعاصرة العالميّة التي تهمّ الطفولة وأدبهم، وهو الذي كتب: "... ومع تزايد اهتمام أبناء جيل الإنترنت بالسياسة، فلا شكّ أنـّهم سوف يُزيحون نموذج السياسة التقليدي القائم على الخطب والتلقين، فنشأتهم الرقميّة - نتيجة ما استمدّوه من تعاملهم مع الإنترنت بمميزاته - تجعلهم يتوقّعون التعاون وليس الإصغاء فقط .. يريدون المشاركة المباشرة والتفاعل وتقديم الأفكار، والعمل من أجل تحفيز المبادرات.

إنّهم يغيّرون السياسة ونــُظُم الحكم"، كما أدرك أنّ مَن يتخلّف عن ركب التقدم وانتصار الثورات العلميّة المعاصرة، لا يمكنه أن يقدّم معرفة أو تربية لأبناء أجيال هذه الثورات، لذلك اختار إرهاقَ نفسه بمتابعة تداعيات ثورة التكنولوجيا الرقميّة وآثارها على الطفولة العربيّة.

أخيرًا وليس آخرًا، لا ينتصر الشاروني للأنوثة الكاشفة درب البشر نحو النور فحسب، بل يعرف أسرار جمالها ومكامن قوتها من خلال مناجاته لروح الأنوثة، يحاول أن يفعّلها خلقًا سرديًّا، وليكشف للقارئ في قصصه ألق الأنوثة المستجيبة على الدوام لبراءة الطفولة.

لا يزال الشاروني يحلم، كما كان يحلم في طفولته، لم يغادره الطفل المتحفّز للسؤال، والتوّاق للمعرفة والعلوم.

لا يزال الطفل المتسائل المبدع يعيش بداخله، لا يزال إلى اليوم يعدّ نفسه تلميذًا أمام هذا الكمّ المعرفي الهائل الذي أتخمت به البشريّة، لأنّه مدرك تمام الإدراك حقيقة ما يحصل في أكناف هذا الكون الكبير، فهو يطرح أسئلة معرفية طفلية، ويسعى للإجابة عنها كطفل مغامر محبّ للمعرفة، بطاقته الخلاّقة التي لا تنضب.