دبلوماسية العقود السخية لا تخرج قطر من ورطتها

الهروب إلى الأمام يعمق أزمة قطر

الدوحة - منذ اندلاع الأزمة الدبلوماسية مع قطر، اتضح أكثر فأكثر نهج الدوحة في الرد وتمثل في اللجوء إلى استغلال ثروتها الضخمة للمزيد من التمويل في الانفاق الدفاعي بما يفوق حاجة قواتها المسلحة محدودة العدد.

وأبرمت الدوحة سلسلة عقود عسكرية سخية بمليارات الدولارات منذ اعلان السعودية والامارات والبحرين ومصر قطعت علاقاتها مع قطر في الخامس من يونيو/حزيران لتورطها في دعم وتمويل الإرهاب والتقارب سرا مع إيران والتآمر على أمن المنطقة.

وأعلنت قطر التي ازدادت عزلتها في محيطها الجغرافي عن عقود عسكرية خلال الأشهر الثمانية الأخيرة تقدر قيمتها بنحو 25 مليار دولار (20 مليار يورو).

ويرى الاستاذ المساعد في معهد كينغز كولدج في لندن ديفيد روبرتس أنه "فيما ازداد إنفاق قطر الدفاعي على مدى سنوات، تبدو الزيادة الأخيرة في الانفاق مرتبطة بشكل مباشر بالأزمة".

واشترت الدوحة طائرات من طراز اف-15 من الولايات المتحدة بعد أقل من أسبوعين من اندلاع الأزمة في وقت اتهمها فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب صراحة بدعم وتمويل الإرهاب ودعاها للتوقف فورا عن هذه السياسية التي انتهجتها لعقود، مشيرا إلى سجل قطر الطويل في الارتباط بجماعات متطرفة.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2017 وقعت اتفاقا مع فرنسا لشراء مقاتلات من طراز رافال خلال زيارة قام بها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون إلى قطر.

وأثارت الصفقة حالة من القلق في أوساط المسؤولين في بريطانيا الساعية بقوة لإبرام اتفاقات ثنائية خاصة بها في وقت تتفاوض فيه على شروط انسحابها من الاتحاد الأوروبي.

وبعد أيام، وقعت لندن على اتفاقية لتزويد سلاح الجو القطري بمقاتلات من طراز تايفون.

وستوفر بريطانيا كذلك الأمن الجوي لقطر خلال كأس العالم عام 2022.

وأُعلن الشهر الماضي أن قطر منخرطة في محادثات لشراء صواريخ دفاع جوي من روسيا.

ولم تكتف الدوحة التي تحدها المياه من ثلاث جهات بعقود الدفاع الجوي، فدخلت في مفاوضات لإبرام صفقة بمليارات الدولارات لشراء سبع سفن حربية ايطالية.

واختارت الدوحة التمترس وراء دبلوماسية العقود السخية في محاولة لشراء الولاءات واستقطاب دعم خارجي لفك عزلتها لكن يبدو أن تلك الدبلوماسية لم تحقق النتائج التي تصبو لها قطر حيث باتت قوى دولية تنظر لها كغنيمة يمكن الاستفادة من ورطتها بأكبر قدر ممكن.

وكانت تركيا التي أعلنت دعمها لقطر في أزمتها بعد قرار المقاطعة العربية، قد سارعت لتعزيز علاقاتها التجارية معها واستثمار عزلتها للتمدد عسكريا في المنطقة عبر بناء قاعدة عسكرية في الدوحة.

وخلال الأيام الأخيرة الماضية، أفاد وزير الدفاع القطري خالد بن محمد العطية أن بلاده ترغب باستضافة البحرية الأميركية.

وتضم قطر حاليا أكبر قاعدة أميركية في الشرق الأوسط هي قاعدة العُدَيد، حيث يتمركز نحو 10 آلاف جندي أميركي.

وبإمكان تركيا كذلك، التي تملك قاعدة عسكرية في قطر أن تنشر قوات بحرية في الامارة الخليجية الصغيرة الغنية بالغاز.

وفي خطوة رمزية، استعرضت القوات القطرية خلال احتفالات اليوم الوطني في ديسمبر/كانون الأول صواريخ بالستية قصيرة المدى حصلت عليها مؤخرا من الصين.

وبرأي اندرياس كريغ، الذي كان مستشارا عسكريا للحكومة القطرية حتى العام الماضي، فإن ما تقوم به قطر هو "استثمار عسكري ضخم".

وحتى العام 2013، كانت قطر تنفق نحو ثلاثة مليارات دولار كل عام على الدفاع، وفقا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

وتعكس هذه القفزة في الإنفاق مخاوف قطر من وقوع اجتياح والتي تجلت تحديدا في بداية الأزمة.

ادعاءات وتضخيم

وإلى جانب العقود العسكرية السخية، روجت الحكومة القطرية لادعاءات تتعلق بأمنها وسيادتها وضخمت من فكرة امكانية تعرضها لتدخل عسكري من قبل دول المقاطعة، وهو ما نفته تلك الدول مرارا.

ويقر المسؤولون القطريون في جلساتهم الخاصة بأنهم ذهلوا عندما بدأت الأزمة بعدما باغتتهم الدول الأربع بالمقاطعة، لكن القرار كان متوقعا على نطاق واسع وان لم يكن معلنا بالنظر إلى أن الدول الخليجية استنفدت كل الحلول لإثناء قطر عن دعم الإرهاب وتهديد أمنها القومي.

ونقضت قطر تعهدات خطية وقعها أميرها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني خلال اتفاق الرياض 2013 وملحق اتفاق في 2014 المتعلق بوقف دعم الدوحة لجماعة الاخوان المسلمين المحظورة، تلتزم فيه القيادة القطرية بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة وعدم ايواء شخصيات متهمة بالتآمر على أمن دول مجلس التعاون الخليجي وأيضا التعهد بعدم ايواء شخصيات أو جماعات متطرفة.

ورغم الغرابة التي طغت في بعض الأوقات على طبيعة الأزمة مع احضار الدوحة آلاف الأبقار جوا اضافة إلى أغاني الاحتجاج وغياب قطر عن خارطة عرضت في متحف اللوفر في أبوظبي، فإن المخاوف من وقوع اجتياح كانت كبيرة للغاية في البداية أو جرى تضخيمها للالتفاف على الأسباب الحقيقية للأزمة.

وقال كريستيان اولريتشسن من معهد باكر للسياسات العامة في جامعة رايس بالولايات المتحدة "كان هناك قلق من أن الاجراءات الدبلوماسية والاقتصادية الأولية التي فرضت على قطر بتاريخ 5 يونيو/حزيران (2017) قد تكون مقدمة لتحرك عسكري".

وأضاف كريغ أن مخاوف قطر من وقوع اجتياح تعود إلى العام 2014 عندما سحبت السعودية والإمارات والبحرين سفراءها من الدوحة.

"توقع غير المتوقع "

وكان أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني تولى السلطة بعد تنحي والده الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني قبل أشهر فقط من اندلاع خلاف العام 2014.

وخالف الشيخ تميم العضو السابق في سلاح الجو القطري والذي تلقى تعليمه في أكاديمية ساندهرست العسكرية البريطانية العريقة، سياسات والده وخصص المزيد من ثروات بلاده الغنية بالغاز على الإنفاق الدفاعي، مبقيا على المسار ذاته للسياسة الخارجية المثيرة للجدل.

وأشار كريغ إلى أن "الجيش بقي ممولا بشكل أقل مما ينبغي لعدة عقود".

وأضاف "بغض النظر عن الأزمة، كان هناك دائما طلب لشراء معدات جديدة لسلاح الجو والبحرية والقوات البرية".

وقال روبرتس "أعتقد أن قادة قطر يحاولون توقع غير المتوقع، ففيما يشعرون بأن التحرك العسكري أمر غير مرجح، أخطأت توقعاتهم دائما حتى الآن ولذلك على قطر التخطيط لمواجهة الأسوأ".

وتحمل العقود العسكرية قيمة تتجاوز الأسلحة بحد ذاتها. فبالنسبة لقطر، هي وسيلة دبلوماسية لتعزيز علاقاتها مع دول كبرى.

وقالت الناطقة باسم وزارة الخارجية لولوة الخاطر إن الصفقات الدفاعية الثنائية تساعد على "تعزيز هذه الشراكات".

وأكد روبرتس أنها تخلق "تشابكا عميقا" بين أمن الدوحة من جهة وواشنطن وباريس أو لندن، مشيرا إلى أن "قطر تريد أن تكون لهذه الدول مصالح مباشرة بشكل متزايد في أمنها واستقرارها".

لكن رغم كل نفاقاتها، تبدو قدرات قطر العسكرية لا تذكر لدى مقارنتها بتلك التي تملكها السعودية والإمارات.

وفي نهاية المطاف، قد يعتمد أمنها البعيد المدى على استثمار آخر يتجلى في قاعدة العُدَيد، وهو ما يؤكده كريغ بقوله "علينا ألا نقلل من شأن أن الضمان الأكبر هو العُدَيد".

وتراهن الدوحة على تعزيز التشابك العميق لمصالحها مع مصالح دول أغدقت عليها بسخاء من خلال عقود التسليح للخروج من ورطتها، لكن هذه السياسة فشلت إلى حد الآن في اختراق جدار العزلة المتين.

ويؤكد متابعون للأزمة أن الحل يكمن في توقف الدوحة عن سياسة الانكار والمكابرة والهروب إلى الأمام وتصحيح مسار سياستها الخارجية.

وكان مسؤولون خليجيون قد حثوا قطر على معالجة أزمتها في محيطها الجغرافي، مشيرين إلى أن الرهان على ايجاد حلول مسقطة لن يجديها نفعا.

وفشلت العديد من الوساطات في فك عزلة قطر بما فيها الوساطة التركية ولاحقا الأميركية التي أظهر خلالها وزير الخارجية الأميركي ريكس تليرسون انحيازا للدوحة مناقضا موقف الرئيس دونالد ترامب.

كما تسبب قفز قطر على الوساطة الكويتية التي تدعمها العديد من القوى العربية والغربية، بالهرولة لوساطة أميركية وتركية، في عرقلة جهود الكويت واحراج الوسيط الكويتي.