تونس أمام اختبار الانتخابات المحلية

رهان كبير على الانتخابات البلدية

أعلنت غالبية الأحزاب السياسية التونسية أنها ستخوض الانتخابات المحلية (البلدية) القادمة بقائماتها الخاصة بعيدا عن أي تحالف فيما رأى مراقون أن هذا التوجه يستبطن تحزيبا مسبقا لمؤسسات أول حكم محلي يفترض أن تمثل تمثيلا حقيقيا لسكان المحافظات.

وعلى الرغم من أن نتائج الانتخابات البلدية المقرر إجراؤها في 6 مايو/ايار يفترض أن تفرز مجالس بلدية ممثلة لأهالي المحافظات بعيدا أن أي شكل من أشكال الهيمنة الحزبية، فإن غالية الأحزاب السياسية بدأت تستنفر قواعدها الانتخابية وكأنها ستخوض استحقاقا سياسيا لا استحقاقا تنمويا بعكس مشاغل التونسيين.

وتظهر الحملات الانتخابية السابقة لأوانها أن الأحزاب لا تتعاطى مع الاستحقاق على أنه حق من حقوق أهالي المحافظات في تركيز مؤسسات حكم محلي ممثلة بناء على مشكلاتهم التنموية بقدر ما ترى فيه فرصة لتموقعها والاستحواذ على تلك المؤسسات.

وتقول تلك الأحزاب الكبرى إن قائمتها ستغطي كل الدوائر البلدية وهو أمر صعب بالنسبة للأحزاب الصغرى في مسعى إلى توفير أكثر ما يمكن من حظوظ الفوز.

وخلال هذه الفترة بدت تونس وكأنها تخوض انتخابات برلمانية ورئاسية لا بلدية حيث طغى الترويج السياسي والحزبي على التركيز على تقديم البرامج التنموية لكل محافظة تكون كفيلة بتوفير الحلول للمعضلات الأساسية.

وفيما يتطلع أهالي المحافظات إلى أن تكون الانتخابات فرصة لإشراكهم في مؤسسات حكم محلي تحظى بشرعيتهم، تراهن الأحزاب على الاستئثار بتلك المؤسسات من خلال خطاب شعبوي لا يرى فيه المراقبون سوى نوع من المخاتلة والاستخفاف بالاستحقاق.

ولم تقدم أي قائمة إلى حد الآن برامجها التنموية لكل محافظة باعتبار اختلاف وتباين معضلات ومشاغل الأهالي من محافظة إلى أخرى.

وأعلنت أحزاب نداء تونس وحركة النهضة والجبهة الشعبية والتيار الديمقراطي أنها ستتقدم بقائمات خاصة بها، فيما قال الائتلاف المعارض المتكون من 11 حزبا أنه سيتقدم بقائمات موحدة في مختلف الدوائر البلدية.

وقال عبدالواحد عميرة إن "استماتة الأحزاب في الترويج لصورتها على أنها قوى قادرة على نيل ثقة الناخبين إنما تستبطن عملية تحزيب مسبقة للانتخابات البلدية".

وشدد في تصريح لميدل ايست أونلاين على أن نتائج الانتخابات يجب أن تفرز مجالس بلدية ممثلة لأهالي المحافظات لا ممثلة للأحزاب السياسية باعتبارهم الأكثر دراية ومعرفة لمشاكلهم التنموية خاصة وأنها تتوفر على كفاءات هامة.

ويقول محللون سياسيون، إن تدني أداء الأحزاب على المستوى السياسي الوطني والأزمات التي تعصف بها دفعت بها إلى محاولة الاستحواذ على مؤسسات الحكم المحلي في مسعى فاشل مسبقا إلى كسب ثقة الناخبين.

وشدد رمزي العياري المحلل السياسي على أن "النداء المتأزم يريد إقناع الناس بأنه جدير بالحكم وأن النهضة تسعى إلى الإقناع بأنها قوة منفتحة والحال أنها حركة منغلقة وأن حركة مشروع تونس تجاهد من أجل فرض وجودها داخل الجهات".

وأضاف العياري لميدل ايست أونلاين أن "الأمر لا يختلف عن الأحزاب الصغرى، فالتيار الديمقراطي يحاول إقناع الناخبين بأنه تيار انتخابي والائتلاف يسعى إلى الإقناع بأنه قوة قادرة على قلب المعادلة، أما الجبهة الشعبية فإنها تراهن على استثمار تصعيدها السياسي تجاه الحكومة والتحالف وانتصارها للشارع".

ويرى مراقبون أن نتائج الانتخابات تعكس مدى قرب الأحزاب السياسية من المشاغل الحقيقية للتونسيين ومدى ثقتهم فيها بل ومحرار مدى عمق العملية الديمقراطية في جابها الحقوقي الاقتصادي لا في جانبها الحزبي.

وهم يرون أن غالبية الأحزاب استنفرت قواعدها وأنصارها لا انتصارا لناخبين غالبيتهم غير متحزبين يطالبون بإشراكهم في المجالس المنتخبة وإنما لتزوير العقول.

ويرى فوزي الكعبي أستاذ العلوم السياسية بالجامعة التونسية أن "الحملة الانتخابية السابقة لأوانها أشرت على أن الأحزاب تسعى إلى تزوير عقول الناخبين من خلال خطاب سياسي شعبوي ومزايدات وضيعة على حساب التونسيين".

وأضاف في تصريح لميدل ايست اونلاين "تتمثل عملية تزوير عقول الناخبين في محاولة كل حزب تقديم نفسه على أنه الأقرب للناس وأن قائماته الأجدر بالتصويت إليها والحال أنها قائمات حزبية مطعمة ببعض أبناء المحافظات".

ويبدو أن رحى معركة الانتخابات ستدور في شكل حرب حزبية مفتوحة على أكثر من واجهة، أولا بين النداء والنهضة في ظل فتور العلاقة بينهما وثانيا بين الائتلاف الحزبي والجبهة الشعبية المعارضين من جهة وبين الحزبين الكبيرين من جهة أخرى.

وفيما يراهن النداء على الاستحقاق الانتخابي لتقديم نفسه أنه قادر على كسب ثقة أهالي كل المحافظات تراهن النهضة على تقديم نفسها على أنها قوة سياسية انتخابية قادرة على مواجهة حليفها بعيدا عن غطائه السياسي لها.

وبالمقابل يحشد الائتلاف الحزبي المعارض جهوده لتقديم قائماته في مختلف الدوائر البلدية ليقدم صورة القوة السياسية الانتخابية القادرة على منافسة النداء والنهضة معا ومن ثمة قلب المعادلة السياسية واستثمارها لمزيد الضغوط على الحكومة.

أما الجبهة الشعبية فهي تراهن على عاملين اثنين، أولهما قواعدها الانتخابية المثقفة وثانيهما عائدات انتصارها للشارع خلال الاحتجاجات.

وقال فوزر العياري إن "تحزيب الاستحقاق البلدي لا يعني سوى تزوير للعقول وغسلها بأوهام تدرك الأحزاب هي نفسها أنه من الصعب تحقيقها في ظل الأوضاع الحالية".

واضاف "نعني بتزوير العقول الترويج للانتخابات على أنها حرب بين حزب ما يزعم أنه يمتلك الحقيقة والشرعية والبرامج في مواجهة احزاب أخرى لا تملك شيئا".

وفي حال تزوير قول الناخبين وتحزيب نتائج الانتخابات ستتركز خارطة مجالس بلدية هي أشبه من مقرات فرعية للأحزاب أكثر منها مؤسسات حكم محلي ممثلة للجهات.

وتستبطن هذه الفرضية الممكنة خطرا، إذ بدل أن تخفف مجالس بلدية منتخبة تحظى بالشرعية من احتقان أهالي المحافظات من خلال إشراكهم ستقود إلى تعميق الشعور بالحيف والتهميش ومن ثمة إشعال فتيل الاحتقان الاجتماعي والسياسي من جديد.

ويحذر الكعبي من "خطورة تحويل وجهة استحقاق تنموي بامتياز من شأنه أن يكرس مبدأ المواطنة إلى استحقاق حزبي يقود إلى الإجهاض على أول مؤسسات حكم محلي لحساب أحزاب تسعى إلى السطو على حق مشاركة الناس في إدارة شؤونهم بأنفسهم".

وتجمع اراء محللين على أنه في حال "تحزيب" المجالس البلدية وتدني إشراك الأهالي غير المتحزبين فإنه لن يتم إفراغ الاستحقاق من محتواه فقط وإنما قد يقود إلى المساس من استقرار البلاد وأمنها.