في ختام 'مواجهة التطرف': البنية الحزبية في مصر بنية مريضة والقوى السياسية هي المسئولة

تطرف دولة وتطرف مجتمع

قال د. مصطفى الفقي مدير مكتبة الإسكندرية في ختام مؤتمر مكتبة الإسكندرية الرابع لمواجهة التطرف "الفن والأدب في مواجهة التطرف"، "إن علينا واجبا تجاه أطفالنا من سن 10 سنوات إلى 16 سنة، لذلك قررنا أن نستضيف الأطفال من شتى محافظات الجمهورية وعلى نفقتنا من خلال رحلات، وذلك لتوعيتهم وتدريبهم، وكي يروا ما لدينا من فنون وثقافة، مشيرًا إلى أن مواجهة التطرف يجب أن تبدأ من العقول الصغيرة بضمير وطني وفهم صحيح للإسلام".

وأكد أن الحديث عن تجديد الفكر الديني بدأ منذ سنوات ولكن العائد من ذلك محدود من كل الجهات، على الرغم من التطور الواضح في خطب الجمعة حيث أصبح لا يعتلي المنبر إلا الخطيب المؤهل لذلك. وأشار إلى وجود فهم خاطئ تجاه الإسلام فلا توجد أمة ظلمت تاريخيًا مثلما ظلم الإسلام والمسلمون وأن هذه الفكرة تنسحب أيضا على الديانات الأخرى التي تعيش في هذه البقعة من العالم.

ورأى الفقي أن أجهزة الإعلام الغربية لا تقول عن تنظيم داعش الإرهابي باسمه ولكنها تقول تنظيم الدولة الإسلامية ما يؤثر بشكل سلبي كبير على صورة الإسلام. وقال إن "مهمة مكتبة الإسكندرية هي مهمة أخلاقة وطنية وسياسية ودينية"، مبينًا أنها في مرحلة الانتشار في الداخل والخارج سواء في محافظات مصر المختلفة أو في المحيط العربي ومنطقة شرق أسيا.

وكان اليوم الثالث للمؤتمر شهد عدة جلسات مهمة منها جلسة "التطرف: رؤى سياسية "، التي ترأسها د. أسامة الغزالي حرب، وشارك فيها ريكاردو ريدالي، من إيطاليا و تورستين برونشتاين، من ألمانيا، ود. أم العز الفارسي أستاذ العلوم السياسية بجامعة بني غازي، ود. أحمد يوسف أحمد ود. إيمان رجب الباحثة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

لفت الإيطالي ريدالي إلى إن قضايا محاربة الإرهاب والمشاكل الطائفية تشكل نواحي كثيرة نعيشها اليوم، ونحن نرى حركات متطرفة وإرهابية كثيرة خاصة في الشرق الأوسط والوطن العربي شديدة الاستقطاب والخطورة. وقال إن "الصراعات تنشأ بسبب الصراعات العرقية وأن هناك استخداما للعنف الديني حيث تستخدم تلك الجماعات الأديان كأداة لتحقيق مكاسب من خلال معتقدات دينية ضيقة.

وأكد على ضرورة أن يكون هناك توازن بين الحريات الشخصية ومواجهة التطرف، وضرورة محاربة كل من يستخدم الدين في حرمان الغير من ممارسة حقوقه.. "جميعا مطالبون بالحفاظ على التراث العالمي والثقافة العالمية من خلال معرفة كل منا للآخر وذلك من خلال البعثات والنقاش، مع أهمية أن تلعب مؤسسات المجتمع المدني والجامعات دورا وكذلك الثقافة في مواجهة هذه الظاهرة".

وتابع "يجب أن ننمي جذور تنمية حقوق الإنسان والمجتمع المدني، وأعتقد أن المدارس في كافة المستويات يجب أن تدعم وتنهض بثقافة التعايش والسلام وتحارب الجهل والتحيز وسوء إستخدام الدين"، مطالبا بدراسة الجماعات الإرهابية، "نحن لا نعرف كثيرا عن هؤلاء فنحن نحارب الإرهاب ولكننا لا نعرف الكثير عنه".

واستعرض الألماني توستامن بونشتاين بعض الإحصائيات والمقارنات بين الجماعات المتطرفة وبالتحديد بين داعش وتنظيم القاعدة. وقال إن داعش ليست بالضرورة أن تمتلك أسلحة متطورة للغاية ولكنها تستخدم التكنولوجيا ولو نظرنا إلى الدعاية التي يستخدمونها فسنجد أنها تقوم في الأصل على التكنولوجيا المعاصرة.

وأضاف أن داعش تتحدث بأدوات عصرية وتستخدم العنف بشكل فج وكبير، عكس تنظيم القاعدة الذي يركز على الأمور الداخلية، فيما تقوم داعش باستهداف المتاحف والمناطق الأثرية وتكره الحضارة، مشيرا إلى أن هناك نوعا من الإعلان لدى داعش ولكنها لا تخبر ولا تعلن عن الكثير من المعلومات.

ورأت الليبية أم العز الفارسي أن الحرب لا يمكن أن تكون أداة من أدوات العملية السياسية حتى وإن كانت تجاه الأفكار المتطرفة. وقالت إن التطرف السياسي له عدة سمات تتمثل في غياب الأهداف وعدم التنازل ورفض التسويات، بالإضافة إلى استهداف الأقليات وشيطنة الخصوم وهجرة العقول إلى الخارج فضلا عن زيادة خطاب الكراهية.

واستعرضت الفارسي تجربة ليبيا ورفض تيار الإسلام السياسي الديمقراطية وتحول المنابر إلى خطابات من السباب والعنف وتكميم الأفواه وتقييد الحريات.

وفيما يتعلق بمعالجة التطرف السياسي، أشارت إلى أن الفكر المستنير هو أول الأدوات حيث يقوم على قواعد فكرية منها الاحتكام إلى قيم المواطنة والحوار وقبول الآخر، فضلا عن فتح حوار مجتمعي وسياسي لمناقشة القضايا المتعلقة بالإسلام والعلمانية.

وقال د. أحمد يوسف أحمد إن هناك ثلاثة مداخل لمواجهة الفكر الإرهابي: الأول المدخل السياسي والذي يحتاج إلى بنية سياسية وحزبية قوية، مشيرا إلى أن البنية الحزبية في مصر بنية مريضة وأن القوى السياسية هي المسئولة عن ضعف هذه البنية.

والمدخل الثاني المدخل الديني القائم على تجديد الخطاب الديني، مبينا أن الحديث المثار حاليا عن تجديد الخطاب الديني يصفه البعض بأنه خطاب نخبوي، ولكنه يتحدث عن الخطاب العملي الذي يستهدف خطباء المساجد والمفتي الخاص والمعلم، مشيرا إلى أن هناك بعض المعلمين في المدارس يحملون الأفكار المتطرفة.

أما المدخل الأخير مدخل الثقافة التنويرية، لافتا إلى أن الرئيس جمال عبدالناصر واجه فكر الإخوان من خلال مشروع قومي شامل احتوى مشروعا ثقافيا متكاملا، مؤكدا ضرورة إصلاح الحياة السياسية المصرية.

وربط الباحث اليمني د. لؤي عبدالباري بين الإرهاب وتوجه الدولة السياسي، قائلا إن المشكلة الرئيسية تكمن في التوجه السياسي للدولة. وأضاف أن التطرف هو سلوك قد يكون خارج عن الحد ولكنه يقبل به في مفهوم الجريمة كظاهرة إجتماعية على أن يقاومها المجتمع والقانون.

وتابع: "التطرف له جانبان هما تطرف دولة وتطرف مجتمع"، لافتا إلى أن التطرف المجتمعي يكون رد فعل ونتيجة لتطرف الدولة، مستعرضا التجربة اليمنية في هذا الشأن والتي قامت على كبت الحريات ومنع دور السينما والثقافة خلال فترة التسعينيات من القرن الماضي ما أدى إلى ظهور تيارات وجماعات إرهابية.

ورأت د. إيمان رجب أن التطرف في مصر يستهدف فئتين رئيسيتين وهما الشباب في الفئة من 16 حتي 35 سنة، محاولا طرح هوية جديدة للشباب، والفئة الثانية هي فئة المرأة وعادة ما يتم توظيفها في زرع عبوات ناسفة أو في الدعم اللوجيستي وهو ما يتم عادة في شمال سيناء.

وقالت إن هناك مجموعة تحديات تواجه الدولة في محاربة الإرهاب وهو ضعف القوى السياسية بالإضافة إلى حجم الدعم والمساعدة المقدمة لضحايا الإرهاب والتطرف، فضلا عن عدم وجود قانون يحدد من هو الضحية، وصعوبة تحقيق التوازن بين الحريات والمكافحة الفعالة لظاهرة الإرهاب.

وأكدت رجب على أهمية الاتفاق علي وثيقة وطنية شاملة لمكافحة الإرهاب تقوم على الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني والمواطن وأن يكون من خلال إطار مؤسسي، مشيرة إلى أهمية وجود مشروع سياسي واضح والإسراع بعمل قوانين تضع تعريفا للضحية الناتج عن العملية الإرهابية.

• مواجهة فكرية

وواصلت جلسة "التطرف: مواجهة فكرية"، التي ترأسها الكاتب صلاح منتصر، وشارك فيها الباحث التونسي مختار بن نصر، والناقد د. أيمن بكر، والباحث كمال مغيث الخبير في مجال الدراسات التربوية، والباحثة السودانية د. مي هاشم، والباحث والمترجم د. وائل فاروق. وقد بدأها منتصر مؤكدا أن هناك فارقا بين التطرف والإرهاب، وأن مفهوم أن التطرف هو الارهاب مفهوم خاطئ تمامًا، فالتطرف فكر أما الإرهاب عمل، ولا يمكن للإرهابي أن يتحول إلى العمل الإرهابي دون أن يعتنق الفكر المتطرف، مشيرًا إلى أن قبل مواجهة عدو لا بد من معرفته بصورة جيدة حتى يمكن الانتصار عليه.

وأكد منتصر أن هذا الوضع عانت منه مصر خلال حربها مع إسرائيل في عام 1948، إذ عمل الإعلام على إظهار اليهودي على أنه شخص هزيل ضعيف وهي الصورة التي ترسبت لدى المقاتل المصري، وكان ذلك سببًا رئيسيًا في الهزيمة، استمر الجهل بالشخصية اليهودية حتى عام 1967.

وأضاف "حتى ذلك الوقت لم يقرأ مصري واحد كتابا عن إسرائيل، نظرًا لأنه كان ممنوع دخول الكتب الاسرائيلية مصر، وعقب النكسة تم السماح بدخولها، وبذلك تعرف الجندي المصري على نظيره الإسرائيلي وهو ما مكنه من مواجهته والانتصار عليه"، مؤكدًا على أنه لا يمكن مواجهة الإرهاب دون التعرف عليه على الأفكار المؤدية إليه.

وقال كمال مغيث إن مصر تعرضت خلال الخمسين عامًا الماضية إلى عملية ممنهجة لتغذية الإرهاب في مصر، مشيرًا إلى أن قيم الحضارة الفرعونية التي تقوم على احترام الحياة وتقدير فكرة الحق والتعبير الجمالي، استمرت طوال العصور الوسطى محفوظة.

وأضاف أن الدول التي قامت في مصر بداية من البطالمة وحتى الدولة العثمانية كان شغلها الشاغل الاستمرار في الحكم ولذلك لم تكن تهتم بالشعوب، مما ساهم في استمرار القيم المصرية وظهر الإبداع في الفنون والعلوم، ولكن عقب ذلك تعرضت الحضارة المصرية إلى مؤامرة لمناهضتها.

وشدد مغيث أن العودة للثقافة والحضارة المصرية يكون عن طريق التعليم، فلا بد أن يكون جزءا من المشروع الوطني وأن يكون معبرا عن الهوية المصرية، والهدف الأساسي له نشر المواطنة والانتماء الوطني ويحذر فيها الدعاية السياسية والدينية، وأن يعود الوجه النبيل للمدرسة بالفنون والآداب والعلوم والمواطنة.

وقالت مي هاشم، مديرة التطوير والمشروعات بمركز الفيصل الثقافي في الخرطوم، أن الجميع يركز على أن التطرف متمثل في الجانب الديني فقط، وهذا خاطئ لأن التطرف منتشر في مختلف المجالات، مشيرة إلى أن المتطرف به صفات معينة فعلى المستوى العقلي ليس لديه القدرة على التفكير في الرأي الآخر، والمستوى العاطفي فهو اندفاع بلا إنسانية، وأخيرًا السلوكي متمثل في العنف بلا تعقل.

وأكدت على أهمية دور المراكز الثقافية في حث الفرد على ضرورة التغيير وتطرح أمامه البدائل دون دفعه إلى طريق معين، عن طريق إتاحة الإمكانيات الثقافية والتعليمية التي يحتاج إليها، مضيفة أن ظاهرة التطرف ليست وليدة العصر ولكنها ظهرت بصورة كبيرة في الفترة الأخيرة، داعية المراكز الثقافية أن تكون منارة للتنوير.

ورأى مختار بن نصر، رئيس المجلس التونسي لدراسات الأمن الشامل، أن الإرهابيين يمنحون المتطرف فكرة جاهزة فهو لا يبذل أي مجهود في التفكير، موضحًا أن الشباب المهمش يقع بين أيدي جماعات تصنع منه بطلا بعد السيطرة عليه فكريًا وتبدأ بفصله عن محيطه وأصدقائه ثم عن أسرته ودولته وحتى نفسه.

وأشار إلى أن التطرف فكر ولا يمكن أن يعالج إلا بالفكر، وأغلب الدول وضعت استراتيجيات لمواجهة الإرهاب والتي تتمحور حول الجهود العسكرية، ولكن لا بد من وضع استراتيجيات لتفكيك هذا الفكر أولا، مؤكدًا على ضرورة الاهتمام بالجانب الاجتماعي والاقتصادي.

وتحدث د. وائل فاروق أستاذ علم الاجتماع بإيطاليا عن الإرهاب في المجتمعات الأوروبية مؤكدا أنه ليس جديدا، فمنذ الحرب العالمية الثانية لم يمر عام بدون حادثة إرهاب أو عنف، بسبب إقصاء الأيديولوجيات الكبرى من تلك المجتمعات، والعالم الآن يعيش في عصر يجرد المعرفة والعلم من الخبرة الإنسانية، وهو ما يمثل إقصاء للبعد الإنساني الذي ينتج معني للحياة.

وقال د. أيمن بكر، إن التطرف هو الإيمان بمعتقد سواء كان دينيا أو سياسيا في أقصى درجاته، وهو الوجه الآخر لعملة اليقين المطلق غير القابل للنقاش، إلا أن الوضع الأصعب والأخطر الآن أن اليقين السياسي اقترن بالعنف، مشيرًا إلى أن الاستعمار كان له العامل الأكبر في نشر التطرف، فهو لا ينمو إلا من خلال استخدم أدوات محلية الصنع لضمان وجودة واستمراره.

• الأدب والفن

واعترف الناقد الفني طارق الشناوي أن محاولات مواجهة ظاهرة التطرف والإرهاب في مصر ما زالت غير مكتملة، وقال "لم نستطع حتى الآن تقديم فيلم أو أغنية أو دراما لمواجهة التطرف والإرهاب". وأكد على أن مكمن الخطر هو الأفكار والمفاهيم المترسخة داخل العقول والتي تأتي من التنشئة داخل البيت والمدرسة والشارع، وأن عمق ثقافة الشعب المصري هو التسامح والتي يجب أن يعود إليها مرة أخرى من خلال الفن والسينما والدراما.

ورأى الإعلامي محمود الورواري أن المعالجة الأمنية للإرهاب تقع على عاتق الحكومات والأنظمة، ولكن الأدباء والمفكرين يمتلكون سلاحا يتساوى في القوة لتفكيك الإرهاب والتطرف من المنبع، مشيرًا إلى أن الأدب ابن بيئته فإذا كان الواقع في حالة ارتباك فكري ينتج عنه ظهور الإرهابيين، فإن الأدب سيحمل أوجاع واقعه.

وطرح الورواري عدة تساؤلات حول مدى اهتمام واحتفاء الحكومات بالأدباء والكُتاب لما لهم من دور مهم في مواجهة تلك الظاهرة، وهل يتوقف دورهم عند رصد الظاهرة فقط، والتي تكون في شكل فيلم وثائقي دون الاهتمام بالشكل الفني، أم تحليل الأفكار دون أن يفقد ذاته وينتقل من دائرة الأدب إلى التأريخ؟

وأشار الورواري إلى أدب الاستعجال الذي يتناول الأحداث والوقائع بشكل سريع دون انتهائه أو نضوجه، وهذه نقطة الضعف التي أصابت الأعمال الأدبية عقب ثورة 25 يناير، مضيفًا: "ولذلك حاولت في روايتي (مدد) الابتعاد عن الثورة وحرصت على ربطها بأحداث إنسانية، ففي النهاية ما يبقى هو الأدب المكتمل فنيًا".

وأضاف الورواري أن البعض يعتقد أن الروائيين الحاليين محظوظين لمعايشتهم هذه الأحداث الكبرى ليس في مصر فقط ولكن في الوطن العربي بأكمله، وهذا فكر خاطئ فالأكثر حظًا هم الروائيون القادمون، مشيرًا إلى موقف عميد الأدب العربي طه حسين في عدم كتابته عن أحداث ثورة 1952، وبرر موقفه بأنه لا بد وأن "يهضم الحدث" حتى يتحدث عنه.