لمَ لا تنسوا ترامب؟

دونالد ترامب، الرئيس الأميركي صار ظاهرة إعلامية. لذلك يمكن اعتباره فقاعة، لا أحد ينتظر أن تدوم طويلا. بل هناك مَن يراهن على انفجارها في أية لحظة.

الرجل الذي وضع يده على حقائق محرجة في السياسة الأميركية لم يتخذ إجراءات جادة، بما يؤكد أنه سيكون حازما في التصدي لأخطاء الإدارة الأميركية السابقة.

مشكلات ترامب الداخلية كثيرة. قد لا تعصف به تلك المشكلات وهو يواجهها بأسلوبه الأهوج، غير انها بالتأكيد قد أضعفت شعبيته، وهو ما سيدفع الأميركيين إلى التساؤل "هل اختارت ممثلا فاشلا لتمثيل دور رئيس؟"

وإذا ما كان الأميركيون غير مهتمين بالسياسة الخارجية فإن هناك مستوى أخلاقيا مهينا وصل بهم إليه رئيسهم حين أعلن عداءه لشعب جريح هو الشعب الفلسطيني سيكون من الصعب عليهم أن لا يكترثوا به.

فالرجل الذي هدد كوريا الشمالية وإيران بالويل والثبور لم يجد أمامه على مستوى العداء الواقعي سوى ذلك الشعب المنكوب لكي يسلبه الرمز الذي يتنفس من خلاله هواء العالم، القدس التي هي مدينة الأديان كلها.

هناك الكثير من الوضاعة في القرار الذي اتخذه ترامب في شأن القدس.

لقد وضع ذلك القرار الولايات المتحدة في مكان لا يليق بها قوة عظمى.

وكما يبدو فإن ترامب الذي كان يمثل بالنسبة للبعض عنوانا للجرأة التي تخترق المسكوت عنه في عالم السياسة صار اليوم عنوانا للتبجح غير المسؤول. وما شعار "أميركا أولا" إلا محاولة منه لتضليل العقول الصغيرة التي اعتقدت أن لدى ذلك الملياردير مشاريع لتغيير صورة العالم.

سنة واحدة من حكم ترامب كانت مؤشرا لتراجع مكانة الولايات المتحدة في السياسة العالمية. وما الإجراءات الوقائية الاستباقية التي صارت أوروبا تتخذها إلا دليل على فشل وضعف السياسة الأميركية.

في ظل معارك ترامب الشبحية فقدت الإدارة الأميركية روح المبادرة.

ألا يكفي ذلك لاعتبار الرئيس الأميركي مجرد ظاهرة صوتية؟

من وجهة نظري فإن الاهتمام إعلاميا بما يقوله الرئيس الأميركي لا يعبر إلا عن خواء اعلامي. فالرجل لا يملك شيئا ليهبه. لقد اعتاد رجل الأعمال أن يأخذ ولا يعطي. لذلك فإنه حين تعامل مع القدس تغاضى عن حقيقة أنه لا يملك الحق في اتخاذ قرار من ذلك النوع. فالأمر لا يتعلق بمعادلات السوق.

ما فعله ترامب هو أشبه بما لم يفعله لا قيمة له.

لقد انتظر العالم طويلا إجراءات ترامب لتحجيم الدور الإيراني في منطقة الشرق الأوسط. اما حين اتضح أن كل ذلك الغبار الذي أثاره الرئيس الأميركي لم يكن مؤشرا لهبوب عاصفة فقد صار على إيران أن تسخر من المتضررين من مشروعها وتزيد من تمددها.

وليس من باب المبالغة القول إن هناك دولا تعرف كيف تُدار السياسة في الولايات المتحدة تعاملت باستخفاف مع تهديدات ترامب. وما تخلل لغة الرئيس الأميركي من ابتذال بلاغي كان مثار اهتمام الاعلام انما كان يعبر عن أن الخروج عن النص الرسمي للسياسة الأميركية لا يشير إلى حدوث تغير في السياسة الأميركية.

فما من شيء فعله ترامب حتى هذه اللحظة يقع خارج ما هو متوقع من الإدارة الأميركية. لذلك فإن اللغة العدوانية التي يلجأ إليها في خطاباته لا تشير إلى وقوع تغير في السياسة الخارجية الأميركية بقدر ما تضيف رقما جديدا إلى سلسلة رجال السياسة المزعجين. ترامب شخص مزعج ليس إلا.

الخطأ الذي أجمعت نخب أميركا الثقافية والعلمية على الاحتجاج على انتخابه رئيسا لبلادها أدى إلى أن تفقد الولايات المتحدة جزءا من هيبتها.

فلم يسبق لرئيس أميركي أن الغى زيارة إلى دولة صديقة خشية انطلاق تظاهرات شعبية في منددة بتلك الزيارة. ترامب أول رئيس أميركي يفعل ذلك حين ألغى زيارة دولة كان يفترض أن يقوم بها لبريطانيا.

واقعة ينبغي أن تكون عاملا مشجعا لوسائل الإعلام لنبذ أخبار الرئيس الأميركي والكف عن تسليط الضوء على أفعاله التهريجية. ما يقوله ويفعله ترامب يمكن أن يكون مادة مناسبة لصحف الفضائح.