سمير الفيل .. صائد اللقطة ومبتكر الدهشة

ارتجفت لحظة قبل أن أتقمص شخصية سبارتاكوس

تستوقفنا عتبات المجموعة بداية من العنوان "حمام يطير" فهو المعادل الموضوعي للسلام والخير، الإهداء تلخيص لمحتوى العمل هو لسان الكل حوله، وهو عنوان أحد قصص المجموعة:

إلى الناس الطيبين في أزقة مدينتنا ..

عرفتهم صغيرا وشغلتني حكاياتهم ..

سمعت شهقات الحنين وزفرات الأنين ..

كنت قريبا من صبواتهم، وعذاباتهم ..

وقد تيسر لي أن أعرفهم أكثر..

وأنا أعيد ترتيب أوراقي ..

وأفتح صندوق الذاكرة في عزلة الزمن البعيد ..

والله أحببتهم من قلبي، وعرفت أنهم مثلي قد عاشوا سنوات من الحلم الذي لم يتحقق أبدا.

تحتوي المجموعة على خمس عشرة قصة قصيرة وككل أعمال سمير الفيل فهو لا ينفصل عن واقعه الذي ينجلي بوضوح في استخدم الأسماء الحقيقة للأماكن والبطل في جميع أعماله هو الإنسان البسيط المهمش.

السرد: النص يحمل حكايات مرجعها الذاكرة، والذكريات وربما بعض السيرة الذاتية التي تتضافر معا في شكل حكائي بديع يمتزج فيه الذاتي مع العام، جميع النصوص تعتمد على طابع اللقطة وتحويلها من مجرد حادث عابر إلى قضية أو معنى فلسفي قصدي يجيد نسج خيوطه وعرضه بما ينداح في وعيه وما استبطن في أفكاره التي يبلورها في تلك القصص باقتدار.

ففق قصة "مشيرة" رغم المشهد المأساوي والذي هو محرك الأحداث الرئيسي فهو لا يبخل على القارىء ببعض المرح حين يقول "تابعتني وأنا أمرق كالسهم من السلم رمتني بدعائها يا رب تموت". ثم يطل علينا بأطروحة جديدة "كان من المستحيل أن أنسى يدها وهي تربت عليّ حين فصلوني من الخدمة لدخولي السياسة بدون أن أعرف ان ط نق2 غير ممكنة هناك".

هنا يحيلنا لنقف مسترجعين قوانين الهندسة وعلاقتها بهندسة بناء تلك الجملة الاعتراضية التي جعلتنا نتوقف برهة لمحاولة استنباط المعنى الخفي لتلك المعلومة التي ذكرها عدة مرات وتتصدر أكثر من جملة.

هناك بعض الفردات المتكررة رغم ذلك لها دلالات مختلفة في السياق الذي تناولته مثل حقلي البرسيم والنور، "بنت صغيرة بغمازتين، ووجه باسم تستقر به عينان يسكنهما غيط تضع حقلي البرسيم في عيني مباشرة فأتصنع الغضب: صغيرة أنت حتى تلعبي معهن.

أشعر بالنوار يتفتح فتزهزه الدنيا، وتطير فراشات مبرقشة وتحط على كفي: نعم صغيرة، لكنني أطول منك.

برسيم أخضر في موسم النوار. هنا تشي بالفرح والجمال.

وفي موضع آخر يقول:

"ولم يكن ممكنا إلا أن أرى حقلي البرسيم مليئان بخضرة زاهية، وكان النوار يهتز بتأثير الريح" هنا جاء موضع الجملة ليعبر عن ألم الفقد وتطل مشهد القبر وهذا الصوت الجنائزي الذي يعبر عنه المشهد".

كذلك مفردة "مبرقشة" التي توحي بالألوان والبهجة في موضع كقوله:

وتطير فراشات مبرقشة وتحط على كفي: نعم صغيرة، لكنني أطول منك.

وهذا الوصف الذي يغلب عليها اللون الباهت المغمور بالتعب والمرض "لقد بلغت حد الأفق. هناك نهاية مبرقشة بالتعب والزرقة يا بن خالتي".

لم يكتف بهاتين المفردتين بل أضاف مدلولا سيمائيا آخر هو حين يقول: "وقتها تذكرت الدائرة بمركزها الممعن في مشاكسته، والمحيط الذي فشلت دائما في العثور على بداية مؤكدة له".

هو الفشل في الوصول لغايته وأخذ يطارده على امتداد الحكي حتى وصل إلى الصدام معه أيضا ليتذكره مرة أخرى في فقده لذلك الوجه الذي هو مربط التأويل في حياته، فيقول:

"فيما رأيت المدخل على هيئة نصف دائرة، وسـَّـع اللحاد الحفرة بيدين مدربتين، صرخ في الواقفين: تصريح الدفن.

لا يطلق كلمة على عواهنها بل هي استرسال لخفقة شعورية يجعلنا نستشعر وجهها الملون تارة وحزنها تارة أخرى.

في قصة "نرجس" يهبنا بعض اللغة الشعرية الشاعرية في وصف الحياة المحيطة به فيقول: "وحده القمر بان مخسوفا ومنشطرا لنصفين فيما السحب تظهره وتخفيه، فتضيء الأشعة الساقطة في مراوغة أكيدة بلاطات السطح المعشوشب بنبات شيطاني أخضر ومترب. نبات طلع تحت شمس تغفو وندى يصحو قبل الفجر فيسخو بالقطرات قبل أن يدهمه الصبح العجول .

رغم الجو المتوتر المشحون بالخوف الذي يلتف حوله الصغير مشمش والسيدة نرجس والأم التي تقسو على لصغير ليستقيم عوده بقلب يتبرأ من دعواتها الغاضبة بفقده، مشاعر مختلطة بمن يفر حذر العقاب ومن يبحث عمن فقده سواء للتنكيل به أو للندم على القسوة الظاهرية المبررة.

من جديد يجعلنا الكاتب نبتسم رغم ذلك ببراءة ومشاغبة الصغير حين يحكي عن عقابه بذهابه للسينما بدلا من شراء طعام لأخوته رغم علمه بضيق ذات اليد.

"ارتجفت لحظة قبل أن أتقمص شخصية (سبارتاكوس) في الفيلم الذي شاهدته قبل قليل: يا أمي الطعام يمكن أن نستغنى عنه. لكن ثورة العبيد هي الأهم. وبكرة والله أتخرج وأتوظف وأملى البيت عيش وفول!

قصة "تمر حنة": يتناولها في سياق إنساني يمزج اليأس بالبهجة، ويكشف عن جانب مأساوي في طفولة بائسة، بسرد يغلب عليه الغموض في بعض السطور معتمدا على الإيهام.

"كانت تمر حنة قد ابتعدت بما فيه الكفاية، وكان عليه أن يظل وحيدا في هذا البيت الذي فسد هواؤه، ولقد انحنى ممسكا قطعة قماش محاولا أن يزيل بقع الدم بلا فائدة. كانت السجادة قد تشربتها تماما. ولم يكن بحاجة لدليل غير ما رآه بعينه، كي يتأكد أن تمر حنة لن ترجع أبدا".

تكررت جملة "وتحولت من فتاة إلى سيدة في لحظة أو ظل لحظة لا أكثر" يدل على المعاناة النفسية للعلاقة الحميمية التي عانتها الزوجة.

قصة "المأمورية" هذا الموظف البسيط جرجس افندي وحلمه البسيط بالذهاب في مأمورية بالقاهرة وشعوره بالمهانة التي ظلت لصيقة لروحه حتى أصيب بنوع من الهلاوس للهروب من واقعه المأزوم.

يعتمد هنا الكاتب على الفانتازيا أو الكوميديا السوداء في عرض الواقع للكشف عن سلبيات العمل الروتيني الحكومي، أجاد الكاتب في تصعيد الحدث الدرامي حتى وصل للذروة باستغراقه في الكشف عن الأبعاد النفسية والفكرية لشخصية الموظف المهمش والمأزوم رغم ذلك يمنحنا ابتسامة في هذا الجو المأساوي بهذا المونولوج.

"لا تحبكها لهذه الدرجة. لوائح تطبق عليك وعلى غيرك، ثم ليس لك عنق جميل كبوسي كي يقرصك فيه رشيد بك".

قصة "على حافة الليل": السجين المثقف الذي يحلم بالحرية فعندما عجز عن نيل حريته استغرق في حلمه فعاد صبيا يسأل أباه النصيحة، فأخذ يبحث عن من يحقق حلمه، اليمامة التي تحلق بحرية فشل هو فيها، وتفسيرها في الحلم الفرج والخير. امتدت يدا العجوز ولامست تقاسيم وجه الابن الذي تذكره صبيا يلهو في أزقة القرية: أصبر يا بني.

رأى الغضون تهتز تحت الجفنين: سأفعل يا أبي.

• المرأة في أدب سمير الفيل:

الكاتب منصف للمرأة أو بمعنى أدق يقف موقف محايدا من إشكالية العلاقة بين المرأة والرجل، ففي "مشيرة" نجد الفتاة الذكية الجميلة التي تفوق الرجل في تحصيل العلم وتجمع كذلك بين الذكاء والجمال، في نرجس هي المرأة الضعيفة التي تسقط تحت سطوة المجتمع الذكوري التي ترفض حقيقة إن فشل الإنجاب ليس مبرره الوحيد المرأة العاقر فقد يكون مرده للرجل العاجز، وكذلك هناك الأم التي تعول عائلتها بعد فقد الأب.

تمر حنة المرأة التي تبذل قصارى جهدها لتنجح في زواجها رغم الشعور بالنفور أحيانا من بطش الزوج الذي يكافئها بالقتل في النهاية، هناك أيضا المرأة المتسلطة التي تحيل الحياة لمعاناة لزوج ضعيف الشخصية فقد قدرتها على أن يكون السيد فالتزم مكانه المقدر له في الحياة كظل في قصة "مجرد تغيير" وهي الغيور التي ترفض الزوجة الثانية مهما كان الثمن للعقاب الزوج "قصة الزلنطحي".

تتجسد الواقعية كذلك في الإشارة لبعض العادات الإجتماعية المورثة سواء في حالة الوفاة أو الزواج، أطفال الملجأ الصبيان في صدر المشهد يدقون الطاسات حق النشوق وأسماء لعب أطفال مصر والسودان والأنة، والطائرات الورقية.

كذلك اعتمد على بعض المرجعيات الواقعية مثال أفلام سبارتكوس، بل كرر تلك المعرفة في قصتين هما "نرجس" و"على حافة الليل"، وكذلك الإشارة للشاعر أمل دنقل الذي عرف عنه مواقفه الرافضة للظلم ومات قهرا بعد أصابته بالسرطان.

الزمن مبني على الذاكرة، استدعاء الأحداث والصور المخزونة فيها (هذا ما يؤكد عليه الإهداء) التي احتوت على هذا الكم الهائل من الصور اليومية التي تترواح فيها النفس البشرية بين الحزن تارة والفرح تارة أخرى وبينهما مسافة مأهولة من المشاعر المختلطة فلا حزن يدوم ولا فرح. هناك تشظى للزمن وتداعي للأحداث وهو سمة لتيار الوعي.

اللغة: ماتعة تجمع بين الفصحى النقية واللغة العامية مثلا، يقول في قصة "شلن فضة": كانت المرأة قد توسطت الدائرة، واقتربت من زوجها، مسحت خيوط العرق، ومسدت شعره بيدها الخالية: شد حيلك يا حسيني .. معلهش يا أخويا. ياما فلت من مصايب أكتر من دي.

المكان: حاضر بوضوح في كل قصة، بل هو عنصر فعال يضيف مصداقية على الحكي وتعميق المعنى المرجو من سرده، كما أن أسماء الشوارع حقيقة وكل الأماكن.

الحوار: كان سلسا ويضيف للحدث يسير افقيا ويحرك الخط الدرامي للأمام.

التقنية الفنية: القصص جميعها تتبع تيار الوعي وتتكيء على المنولوج الداخلي واستخدام التناص في عدد كبير من القصص كأغاني عبدالحليم وفايزة احمد وكذلك صوت الشيخ محمد رفعت والآية القرانية "لا تحزن ان الله معنا"، المفارقة رائعة بلا استثناء على مدار استعراض هذه المجموعة.

الشخصيات: شخصية رئيسية وهي الرواي العليم وبعض الشخصيات الثانوية التي تخدم العمل ويشارك في تعميق أزمة البطل الرئيسي.

فقط لي وجهة نظر بسيطة تمنيت لو أن اسم المجموعة كان غير الاسم الحالي فهناك قصص أخرى أكثر تميزا مثل "على حافة الليل" أو "تمر حنة" وان كانت جميعها لقطات بارعة لكاتب يجيد التقاط اللقطات من قارعة الطريق.

في النهاية ونحن في رحاب هذا المنجز الأدبي لا يمكنا القول إن زمن القصة القصيرة مضى، وقلم سمير الفيل قادر على نسج هذه الروائع القصصية والجديرة بأن تكون إمتاعا فنيا وأدبيا ووثيقة أدبية حافلة بالتراث المصري.