عودة فرج فودة: نكون أولا نكون

شاهد الزور في جريمة كبرى

قبل أكثر من 25 عاماً اغتيل المفكر المصري، فرج فودة، ونزفت دماؤه على الرصيف المقابل لمكتبه. لكن هذا الاغتيال - الذي تم على يد إرهابيين لم يقرؤوا كتبه - لم يمحُ أفكاره، بل زاد من انتشارها ورواجها. ونشهد الفترة الماضية عودة قوية لاسم هذا المثقف الشجاع، حيث تُتَداول كتبُه ومقاطعُ من مقابلاته على السوشيال ميديا، وكذلك أشهر مقولاته وأكثرها حزناً تلك التي كتبها في إهداء بمقدمة كتابه (نكون أو لا نكون)، حيث يقول: "إلى زملاء ولدي الصغير أحمد، الذين رفضوا حضور عيد ميلاده تصديقاً لمقولة آبائهم عني. إليهم حين يكبرون ويقرؤون، ويدركون أنني دافعت عنهم وعن مستقبلهم، وأن ما فعلوه كان أقسى عليَّ من رصاص جيل آبائهم".

وكدليل على استعادة فكر فودة ومنهجه من جديد، نشرت "العربية.نت" ملفاً كاملاً تضمن قصصاً متميزة عن فكره وحياته بقلم الزميل أشرف عبدالحميد، وقد حققت قراءات عالية وتعليقات إيجابية من القرَّاء، باستثناء - طبعاً - المتطرفين الذين يكرهونه ويحقدون عليه، وعلى الرغم من أنهم قتلوه فإنهم يريدون أن ينقطع ذكرُه وتُدفن أفكارُه، لأنها معدية وسريعة الانتشار، بسبب قوة حجتها وسهولة وجمال لغتها.

وكراهية المتشددين المستمرة والمستعرة له تشرح بشكل واضح أهميته وقيمته في عالم اليوم. فهذا المفكر كان مدركاً منذ البداية لخطورة الدولة الدينية التي تروج لها المجاميع الإخوانية المتطرفة، لإدراكه أنها مجرد قشرة للدولة الكهنوتية التي ستجر المجتمع إلى الماضي، وتغرقه بالتخلف وتفتش بضمائر أفراده وتحصي عليهم أنفاسهم وتلغي فرديتهم، وباختصار تزفهم لجحيم أرضيّ مثل جحيم طالبان وطهران.

لهذا هاجم فودة بقوة هذه الفكرة الخطيرة منذ البداية، وكشف عن شرور النظام الإيراني، الذي تسعى جماعات الإسلام السياسي السنية لاستنساخه. وكل الهيجان الأصولي الذي شهدناه منذ 2011 ليس بحثاً في الواقع عن الديمقراطية والحريّة الفردية والفكرية بل لتأسيس أنظمة خمينية سنية، وكل ذلك يؤكد صحة تحذيرات فودة في مجادلاته المفتوحة والعلنية، التي زادت من نقمة خصومه عليه.

بصيرة نافذة وذكاء حاد وعقل شجاع جعله يستشرف المستقبل، فتوقعات كثيرة له أصابت بشكل لافت. توقع سقوط نظام صدام فسقط، وتنبأ بالعراق الذي تمزقه الطائفية فرأينا ذلك، استشرف انتشار الميليشيات الشيعية فشهدنا الحشد وعصائب الحق وقبلهما حزب الله. توقع تقسيم السودان فانشطر أمام مرأى العالم. رأى التنظيمات الإرهابية على شاكلة القاعدة وداعش تتشكل حتى قبل أن تشرع بجرائمها التي هزت البشرية.

نبوءات متبصرة ولكن فودة لم يكن منجماً وعرافاً بل مفسراً واقعياً وعقلانياً في تفسيره وصريحاً مع نفسه ومعنا. رأى أن الأنظمة القمعية المارقة لا يمكن أن تستمر بالحياة بل مصيرها السقوط، ولكن بعد أن ترتكب الفظائع بحق شعوبها وتخنقهم بالغازات السامة. والفكر المتعصب لن ينتج مجتمعات متسامحة وجامعات تضج بالجدل الحر، بل سيخنق التفكير النقدي ويحارب الإبداع والابتكار والفنون، وسيدعو إلى مزيد من الانغلاق فالتطرف فالإرهاب، والمسلمون قبل غيرهم يدفعون الثمن: سمعة سيئة واقتصادات منهارة وعادات وممارسات تصادم منطق العصر وحقوق الإنسان، مثل الاضطهاد الديني وزواج القاصرات.

عودة فودة ليست فقط لشخصه، ولكن لجميع الأفكار العقلانية المضيئة التي تدعو للتسامح والاعتدال وإعمال العقل، والتخلص من مرض الكراهية الدينية والطائفية والتركيز على النزعة الإنسانية كعامل مشترك وموحد لكل البشر بدون تحيزات وتعصب. كل هذا دعا له فرج فودة سابقاً، ولم نستمع له وكانت النتيجة كارثية كما نعرف، ولكن الفرصة سانحة لتصحيح الخطأ والدخول إلى العصر الجديد وطرد أشباح الماضي الذي يعيد نفسه باستمرار.

ممدوح المهيني

كاتب سعودي