ضياع المدن وأهلها بين داعش وأعدائه

ظهر تنظيم داعش في مرحلة تاريخية وبيئة اجتماعية وثقافية مناسبتين لذلك الظهور. أي أن وجود ذلك التنظيم الإرهابي لم يكن كما قيل دائما فقرة مقحمة على التاريخ الاجتماعي والثقافي للمنطقة.

لم يقاوم السكان المحليون لا في الرقة السورية ولا في الموصل العراقية داعش بالرغم مما نُقل عن جرائمه المروعة وليل شريعته المظلم وبشاعة القوانين التي فرضها على الحياة اليومية.

هل تنطوي تلك الواقعة على اتهام يمكن أن يُوجه إلى أولئك السكان بالتواطؤ مع مجرمي داعش الكبار والصغار على حد سواء؟

ولكن هل تقف حدود تلك الجريمة التاريخية عند حدود ذلك الاتهام الذي يظل معلقا بين قوسين، كما لو أنه لم يقع؟

هناك مَن مهد لظهور دعش وأضفى عليه طابع الحتمية التاريخية كما يقول الماركسيون في أدبياتهم. الامر لا يتعلق بالسؤال ــ المتاهة "ما هي الجهة المخابراتية التي اخترعت داعش وما هي الجهات التي مولته بالمال والسلاح والبشر؟" بقدر ما يتعلق بالجهات التي جعلت من داعش ظاهرة ممكنة كما لو أنه جزء من المحيط الاجتماعي والثقافي الذي هيمن عليه.

علينا أولا أن نلتفت إلى أن تنظيم داعش وإن تستر بغطاء عقائدي، عابر للجغرافيا فإنه تغذى على انهيار الشعور الوطني لا لدى السكان المحليين في المناطق التي سيطر عليها حسب بل وفي عموم سوريا والعراق. وتلك واحدة من معجزات نظامي البعث الحاكمين في البلدين.

ما حدث في العراق بعد سقوط نظام البعث والاحتلال الأميركي جاء مكملا لشعور بالغثيان والقرف والاستياء لدى عامة الشعب من المتاجرة بهم في ظل شعارات وطنية، جُيرت لمصلحة النظام بطريقة عبثية.

تاريخيا عرف سكان الموصل بتشددهم الوطني والديني.

اما تشددهم الوطني فقد سحقته سياسات رئيس الحكومة العراقية السابق نوري المالكي. وهي سياسات اقصاء وتهميش وعزل واذلال واستبعاد وصولا إلى الاعتقال العشوائي والتعذيب ومصادرة الكرامة الشخصية لأسباب طائفية.

وفي المقابل كان تشددهم الديني بمثابة كلمة السر التي اُستعملت من أجل الإيقاع بهم في فخ التنظيم الإرهابي الذي سيطر على مدينتهم من غير قتال وكان ذلك الحدث المشؤوم إيذانا ببدء الحملة لتدمير مينتهم وتشريدهم بعد أن يتم دفن جزء منهم تحت أنقاض المدينة.

لا تبعد الرقة عن الموصل كثيرا.

أقصد على مستوى الأسباب التي أدت إلى ضياع المدينة مرتين، مرة حين استولى عليها داعش ومرة أخرى بعد أن تم تحريرها فصارت أطلالا تنعق في فضائها غربان سوريا الديمقراطية.

أعتقد أن من واجبنا في مواجهة محاولة تمييع الحقائق الذي تمارسه سلطة إعلام خارق في دهائه أن نقوم بمراجعة ما حدث لكي لا تحل العناوين التي يختلقها ويلفقها ذلك الاعلام محل الحقائق التي يُراد أن يطويها النسيان بفعل تلاحق الكوارث وتراكمها.

هناك أطراف ثورية كثيرة صورت داعش باعتباره منقذا بعد أن تم الوصول بالسكان المحليين إلى مرحلة اليأس من إمكانية الحوار مع نظامي الحكم في بغداد ودمشق على حد سواء.

علينا أن نتذكر أن هناك تنظيمات متشددة انتشرت في سوريا وحظيت بمباركة المعارضة السورية لم تكن تختلف عن داعش في شيء. ولو أتيحت لتلك التنظيمات فرصة السيطرة الميسرة على مدينتين بحجمي الرقة والموصل من غير أن تقض مضاجعها نيران المدفعية والقصف الجوي لفعلت ما فعله داعش ولرأينا العجب.

لقد هنئ تنظيم داعش بهدوء دولة خلافته المزعومة لأكثر من سنتين. لا طيران التحالف ولا بقايا الجيش العراقي الذي تبخر وصار الحديث كله ينحصر في البحث عن فضائييه ولا الحشد الشعبي الذي هو عبارة عن ميليشيات كانت قد ساهمت في النحر الطائفي وهي مسلحة ومعدة سلفا للقتل ولا قوات سوريا الديمقراطية ولا البيشمركة التي امتنعت بغداد عن دفع رواتب منسبيها.

كان واضحا أن الجهات التي تخلت عن المدينتين قد قررت الإمعان في عقاب سكان المدينتين، سواء من خلال داعش أو من خلال الحرب عليه.

هناك اليوم شكوك كثيرة في أن التنظيم الأصلي لداعش قد أصابه ضرر. ربما حدث ذلك، لكن في حدود ضئيلة وعن طريق الخطأ. أما المدينتان المتهمتان بالولاء لداعش فقد محيتا وضاع أهلهما.