لماذا اهتزت أنظمة جمهورية واستقرت أنظمة ملكية في المنطقة العربية؟

لم تحظ التحولات والتقلبات في المنطقة العربية وما رافقها من اهتزاز سياسي في نظرنا بالتحليل العلمي على الرغم من خطورتها وتعقيداتها حتى أنها زجت بعدد من البلدان في فوضى أمنية كادت تفتك بشعوب تتطلع إلى التنمية والحرية والديمقراطية لا كما فشل في إملائها الربيع العربي وإنما بناء على إرادة الشعوب.

كل الشعوب العربية متعطشة إلى أكسجين الحرية من المحيط إلى الخليج لكن يبدو أن هكذا تعطش ليس متماهيا إذ هو يختلف من مجتمع إلى آخر بحسب طبيعة النسيج الاجتماعي ونوعية الثقافة السياسية ومراكز اهتمام اتجاهات الرأي العام ولكن أيضا بحسب طبيعة الأنظمة السياسية التي تصاب بالرهاب من الحرية والديمقراطية.

ويبدو الرهاب متموجا من نظام إلى آخر إما لجهة طبيعة النظام أو لجهة الموقع الجغراسياسي أو لجهة مفهوم الثقافة السياسية في أذهان الشعوب إذ يتمايز مفهوم الحرية والديمقراطية من مجتمع إلى آخر بل من فئة إلى أخرى.

ما يهمنا هنا هو أن عواصف ما يسمى بالربيع العربي لم تعصف سوى بعدد من الأنظمة الجمهورية وفي مقدمتها تونس ومصر واليمن أما الأنظمة الملكية فقد بدت عصية عن تلك العواصف ونأت بنفسها عن أي شكل من أشكال الفوضى وهي مسألة لافتة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن جزء من اتجاهات الرأي العام ترى الأنظمة الملكية رمزا لتوارث الحكم بعيدا عن إرادة المواطن العربي.

لم يكن اهتزاز الأنظمة الجمهورية ناجما عن الثورات المغشوشة التي يحاول الكثيرون من الطبقة السياسية والنخبة المفكرة الترويج إليها ولم يكن استقرار الأنظمة الملكية نتيجة القبضة الأمنية والعسكرية كما يحلوا للجمهوريين الثوريين الترويج إلى ذلك.

إن ترويج كهذا لا يعكس سوى هشاشة الثقافة السياسية لا لدى الشعوب وإنما لدى الطبقة السياسية والنخبة المفكرة التي يفترض أن تتسلح بالمقاربات العلمية النقدية لا أن تنزلق في التسطيح السياسي والثقافي لتعمق أزمات المنطقة والحل أن دورها يكمن في تحويل نفسها إلى قوى منتجة للأفكار التي تحرك التاريخ السياسي العربي وقوة ضغط إيجابية على الأنظمة لتكون جسرا تواصليا بينها وبين تطلعات الشعوب.

شاء مفكرونا ومحللونا وسياسيونا أم أبوا، تظهر القراءة في التاريخ السياسي العربي أن شعوب المنطقة تمتلك تقاليد عريقة بشأن النظام الملكي الوراثي بدءا بخلافة معاوية وأولاده وصولا إلى الأنظمة الملكية العربية الحالية وهو ما يعني أن عراقة النظام الملكي التي يتجاوز العشرين قرنا من الزمن كانت حضنا لشعوب على دمويتها في عدة نقاط من خارطة التاريخ العربي القديم المثير للجدل.

وتغذت الأنظمة الملكية العربية كثيرا من عراقتها وخبر الملوك والأمراء وأولادهم وأحفادهم وأحفاد أحفادهم مسوغات صناعة سياسات هادئة لا تخلو من الحزم حتى إذا ما تولى ولي العهد مقاليد الحكم كان قد تسلح بخبرة والده في كيفية ترويض الناس مهما كانت الأوضاع والتقلبات.

وقادت العراقة إلى عامل استقرار قوي لا إلى نشر الأجهزة الأمنية ورشق عيون المخابرات وإنما إلى نوع من الثقافة التي تقدس المؤسسة الملكية وترى فيها رمز هوية الشعب وكيانه المجتمعي والسياسي ولنا أن نذكر هنا مثال المملكة المغربية والمملكة السعودية كنموذجين يحظيان بشرعية سياسية وشعبية لا تحظى بها الأنظمة الجمهورية.

توجد المملكتين المغربية والسعودية في موقعين جغراسياسين محفوفين بالمخاطر والتقلبات وأجندات القوى الإقليمية والدولية وعلى الرغم من ذلك بدت المملكتين تشقان طريقا وعرة متمسكتان بأمنهما واستقرارهما السياسي ولم تفلح يافطات الربيع العربي في الاقتراب منها بل على العكس عمقت شرعيتهما وعززت قداستهما الشعبية.

وعلى امتداد أكثر من نصف قرن لم تشهد المملكة المغربية والمملكة العربية السعودية أي نوع من أنواع الاهتزاز السياسي والاجتماعي على الرغم من هشاشة أوضاع بلدان الجوار: الجزائر بالنسبة للمغرب واليمن بالنسبة للسعودية.

ونجحت المملكتان في صناعة تاريخهما الوطني بانتهاج سياسات تمزج بين الحزم والمرونة في تعاطيها مع أوضاع البلاد في اطار آليات تواصل متينة كفيلة بالإصغاء للناس والتفاعل الإيجابي مع مشاغلهم مهما كانت طبيعتها.

أما الأنظمة الجمهورية فهي تكاد تكون أنظمة ناشئة مقارنة بالأنظمة الملكية إذ لا تتجاوز عراقتها نصف القرن وهي عراقة كشفت الأحداث أنها عاجزة على اقناع الشعوب وعلى بناء ثقافة سياسية مدنية مماثلة للأنظمة الجمهورية الغربية حتى أنها بدت أنظمة مهزوزة ومرشحة في أي لحظة إما إلى الوهن وحتى إلى السقوط.

وبمعنى آخر تبدو الأنظمة الجمهورية العربية هجينة ومسقطة على التاريخ السياسي العربي ولم تتمكن رغم كل جهودها التي حشدتها لترويج صورة الانفتاح والحرية في بناء ثقافة سياسية تكون حزاما قويا يسندها في مواجهة الأزمات وحتى في تسيير مؤسسات الدولة وإدارة الشأن العام واستفحلت فيها حالة من الرهاب دفعت بها إلى الرهان على الأجهزة العسكرية والأمنية لتوفير الاستقرار.

يمكن هنا أن نستثني نظام الزعيم التاريخي لتونس الحبيب بورقيبة لا مجاملة ولكن لكيفية الطريقة التي حكم بها البلاد من العام 1956 إلى العام 1987، فالعارفون بالتاريخ السياسي التونسي يجمعون على أن بورقيبة حكم كما لو أنه ملكا أو أميرا وكانت شخصيته السياسية على حداثتها أقرب للملك مما هي أقرب لرئيس الجمهورية حتى أن شخصيته تماهت مع تونس وكان يردد دائما أنه هو الذي صنع تونس من غبار من القبائل.

وفيما انتهجت الأنظمة الجمهورية سياسات الانفتاح المعياري والطوباوي وأججت الطموحات المشطة، انتهجت الأنظمة الملكية سياسات هادئة لا تعد إلا بما تفي ونأت بنفسها عن الخطاب السياسي الشعبوي الأجوف الذي يراهن على هشاشة الثقافة السياسية والترويج إلى أنه راعي راية الحرية.

وبعد عقدين من الحكم وجدت الأنظمة الجمهورية نفسها في مأزق حاكته بنفسها بعد ان فشلت سياساتها وتبخرت وعودها لتجد نفسها أمام شعوب ساخطة، كانت شعوب الأنظمة الجمهورية قبلت بالتضحية على أمل أن تنعم في نهاية العمر بالجنة وإن لم تنعم بها هي قد تنعم بها الأجيال القادمة لكن التاريخ لا يرحم.

تحولت الجنة إلى جحيم ولم ينعم برغد العيش لا الجيل الذي ضحى ولا الاجيال اللاحقة ولا أحفاده ولا حتى أحفاد أحفاده ونشأت أجيال ساخطة على الجمهورية التي رفعت يافطة المواطنة لتجد نفسها أمام شعوب لا ترى في حالها سوى مواطنين بلا مواطنة.

أما الأنظمة الملكية فقد كانت أكثر وعيا بإمكانياتها وبطبيعة سياساته وبخصوصيات شعوبها سياسيا واجتماعيا وثقافيا وفاضلت صناعة سياسة وفية للتاريخ السياسي العربي على التخندق في التاريخ السياسي الغربي اقتناعا منها بأن السياسة هي فن صناعة الممكن لا فن صناعة المستحيل والاوهام لذلك بدت شعوبها أكثر تمسكا بها اليوم تمنحها الثقة والمشروعية وتسندها سياسيا وشعبيا.

لذلك ليس من صدف التاريخ أن تبقى المؤسسة الملكية في الغرب رمز الاستقرار والتوازن بل رمز الهوية الوطنية الوفية لتاريخ عريق في منطقة تعصف بها الأزمات وليس من صدف التاريخ أيضا أن تحافظ المملكة العربية السعودية على أمنها واستقرارها وعلى الشرعية الشعبية التي تتمتع بها العائلة المالكة رغم أنها تتحرك في منطقة مزروعة بالألغام والأجندات الإقليمية والدولية وما يجري في جارتها اليمن السعيد دليلا قويا على هشاشة الأوضاع المحيطة بها.

منور مليتي

كاتب تونسي