البارزاني وبابا الفاتيكان: دلالات عميقة للزيارة ورسائل مشفرة لبغداد

عقب اجراء الاستفتاء في اقليم كردستان في 25 ايلول من العام المنصرم، فرضت الحكومة العراقية اجراءات تعسفية صارمة على مواطني اقليم كردستان كإغلاق حركة الملاحة الجوية في كردستان وفرض تدابير غير قانونية على كركوك والاستيلاء على ثروتها البترولية بالقوة اضافة الى ايجاد حالة من الفوضى في المناطق الكردستانية أو التي تعرف بالمناطق المتنازعة عليها وتعرض سكان هذه المناطق الى التهجير القسري نتيجة وجود خطة طائفية منظمة من قبل الحكومة العراقية وبالذات من قبل الحشد الشعبي لحرق بيوت الاكراد في مناطق طوزخورماتو والمناطق المحيطة بها وممارسة التخويف والابادة الجماعية تجاه الوجود الكردي في تلك المناطق وذلك بشهادة المنظمات الدولية المستقلة كمنظمة العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش وتقارير الامم المتحدة وشهادات سكان هذه المناطق المنكوبة. ولم تكتف حكومة بغداد بهذه التجاوزات بل عمدت الى قطع رواتب موظفي اقليم كردستان قبل اجراء الاستفتاء واستخدام القوة المفرطة تجاه اقليم كردستان سعيا منهم لإنهاء تجربة وحكومة الاقليم وذلك عن طريق تكثيف الضغوطات السياسية والاقتصادية والمالية والدبلوماسية تجاه حكومة الاقليم ومنع البعثات الدبلوماسية من زيارة الاقليم كما حدث مؤخرا من منع قيام وزير الدفاع البلجيكي من زيارة أربيل وسبق أن حدث ذلك مع وفد الحكومة الالمانية. هذه اللاءات العراقية غير المبررة أعقبتها استياء دولي واممي خاصة ان حكومة الاقليم وعلى لسان رئيس الحكومة نيجيرفان بارزاني أكدت ولمرات عديدة تمسك اقليم كردستان بمبدأ الحوار والتفاهم المشترك مع بغداد على أساس بنود الدستور العراقي في وقت تمارس بغداد سياسة الصدق الكاذب.

تدعي بغداد الاستعداد للتفاوض دون اجراء المفاوضات تقول انها مستعدة لارسال رواتب موظفي اقليم كردستان لكنها لم ترسل قرشا أحمرا تماطل لكي تزيد معاناة المواطنين في الاقليم. وبما أن حكومة الاقليم وعلى رأسها رئيس الحكومة نيجيرفان بارزاني وبحكم خبرته وحنكته وتمرسه الطويل في العمل السياسي والدبلوماسي فهو يحاول اخراج اقليم كردستان من عبث بغداد ومن هذه الدوامة الاقتصادية والدبلوماسية والسياسية والمعاناة التي فرضتها حكومة حيدر العبادي على كردستان وذلك من خلال قيام بارزاني بفتح القنوات الدبلوماسية لكردستان وايصال هموم شعب كردستان ومعاناته الى ألأروقة الدولية وكان ذلك من خلال استقباله في قصر الاليزيه من قبل الرئيس الفرنسي وبشكل رسمي وعلى أعلى المستويات ونتجت عن الزيارة مطالبة فرنسا حكام بغداد بوقف الانتهاكات تجاه الاقليم واعطاء ميزانية الاقليم ورفع الحصار على مطاري أربيل والسليمانية وحسم الخلافات عن طريق الدستور.

لكن يبدو أن بغداد لا تصغي لمطالب المجتمع الدولي وحتى صندوق النقد الدولي طالب بغداد بإرسال مستحقات كردستان لكن دون تجاوب من قبل العبادي. هذا الغرور العراقي وهذه الغطرسة اللامحدودة تجاه حكومة الاقليم من قبل العبادي ستنذر بعواقب وخيمة. وبما أن كردستان تعتبر ملاذا أمنا لكل الديانات والمذاهب والطوائف والقوميات بحيث يمارس الكل طقوسه الدينية والاثنية بكامل حريته الى درجة أنك لا تستطيع أن تميز في كردستان بين مسلم ومسيحي بين يزيدي وصابئي وباقي الاديان والقوميات وبما أن هذا الواقع المطمئن خلقت لكردستان احتراما مهيبا ونظرة اعتبار لهذه المكتسبات في المحافل الدولية والاوساط الدينية بحيث استقبل السيد نيجيرفان بارزاني بصفته الرسمية الرفيعة كرئيس للوزراء يوم 2018-1-12 من قبل البابا فرنسيس بابا الفاتيكان وفي اجتماع ثنائي قدم قداسة البابا شكره للزيارة وعبر عن ارتياحه للاجتماع مع نيجرفان بارزاني مرة ثانية، كما وشكر حكومة وشعب اقليم كردستان لاستضافتهم النازحين بشكل عام والمسيحيين على وجه الخصوص الذين تشردوا الى كردستان نتيجة حرب ارهابيي داعش. كما عبرالبابا عن امله في ان تستمر حالة التعايش والسلم والوئام الموجودة في اقليم كردستان للابد متمنيا الاستقرار والسلام لشعوب المنطقة ولكردستان وكافة مكوناتها قائلا نبتهل لكم من الرب لكي تنجحوا وتستمروا في التعايش والوئام. ومن جانبه عبر رئيس حكومة الاقليم عن ارتياحه لزيارة ولقاء قداسة البابا فرنسيس وقدم مختصرا حول الوضع الراهن للمنطقة والمستجدات السياسية والاقتصادية في اقليم كردستان منذ لقائهم الاول بقداسته، من الانتصار على داعش والمشاكل العالقة مع بغداد الى الاحداث الاخيرة التي ادت الى اعادة تشرد اعداد غفيرة من المواطنين الى كردستان. كما عبر رئيس وزراء كردستان عن امله في ان يلعب قداسته دوره ومن خلال موقعه ومكانته لحلحلة المشاكل العالقة بين اربيل وبغداد، كما واوضح ان حكومة اقليم كردستان وعلى الرغم من اوضاعها الصعبة الا ان قلبها وابوابها كانت مفتوحة على مصراعيها لاستقبال النازحين وبذلت الجهود الجدية من اجل عودة الاخوات والاخوة المسيحيين الى مناطقهم وحاولت جاهدة بالتنسيق مع كنائس اقليم كردستان الا يرحل المجتمع المسيحي عن بلدهم. كما واكد على ان حكومة اقليم كردستان ستستمر في الحفاظ على هذا التعايش والوئام بين المكونات وهو جزء مهم من تراث وثقافة اقليم كردستان.

ان أبعاد هذه الزيارة المهمة والدلالات العميقة لهذا اللقاء تؤكد حرص الفاتيكان والدوائر الدولية على مدى تقديرهم وتبجيلهم لشعب كردستان وحرصهم على استمرار العلاقات الثنائية من جهة ومن جهة أخرى ارسال رسالة مشفرة لبغداد مفادها ان الاستمرار في هذا النهج العدواني تجاه الاقليم والتلكؤ في بدء الحوار والتنصل من الحقوق المشروعة لمواطني الاقليم لا تخدم بأي شكل من الاشكال الوضع الراهن وعلى بغداد العودة الى منطق العقل ولغة التفاهم وعدم الحديث اكثر من ذلك عن استخدام القوة وفتح القنوات الدبلوماسية مع كردستان وبعكس ذلك واستمرار بغداد في هذه المراوغة القذرة تعني أن صبرنا بدأ ينفذ فقد بلغ السيل الزبى وطفح الكيل ولم يبق في قوس الصبر منزع؟